الاتحاد

دنيا

الشيخوخة.. بين ضعف البدن وقوة العقل

يمر جسم الإنسان بأطوار مختلفة من الخلق، فهو يخرج من بطن أمه طفلا لا يعلم شيئا من أمر الدنيا، ثم ينمو جسمه شيئا فشيئا وتبدأ حواسه العمل، ثم يكبر الجسم ويصير الإنسان شابا قويا ثم كهلا، ويمضي به الزمن الى آخر طور وهو الشيخوخة، وفيه يضعف الجسم وتهاجمه الأمراض فيضعف من بعد قوة، لأن عوامل الهدم تصير أكثر من عوامل البناء• فما أن تدب الشيخوخة في الجسم حتى يصاحبها الشعور بالضعف ويتحول إلى مرعى خصيب للعلل• يقول الله تعالى:«الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير» - سورة الروم 54
ويوضح الدكتور أحمد شوقي إبراهيم - عضو كلية الأطباء الملكية بلندن ورئيس لجنة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالأزهر - إن الذي ينظر إلى سنن الله الكونية يجد أن الشيخوخة طور زمني حتمي في دورة حياة كل مخلوق، وهي من فطرة الخالق، من أول الخلية الحية إلى المجرة الهائلة، كل شيء يبدأ بالطفولة وينتهي بالشيخوخة، فيقول الله تعالى: «والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون».
ويقول سبحانه: «يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج» - سورة الحج 5• ويقول: «ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون» سورة يس: الآية 68. اذ يمضي الجسم الربع الأول من حياته في نمو وزيادة بينما تمضي الأرباع الثلاثة الأخرى في شيخوخة تدريجية ومستمرة وليس للشيخوخة عمر محدد فبعض الأجسام تشيخ في عمر مبكر وبعض الأجسام لا تشيخ إلا بعد عمر طويل، فليست الشيخوخة معتمدة على العمر فقط وإنما على عوامل أخرى كالوراثة والبيئة والأمراض العضوية التي تصيب الجسم، كما تعتمد على صحة الشرايين•
وبعض المسنين يظل نشاطهم الذهني حادا وذكاؤهم شديدا كما في القادة والمفكرين والمخترعين والعلماء فكثير منهم لم يتوصلوا إلى اكتشافاتهم العلمية العظيمة ولم يبدعوا إلا في طور الشيخوخة، وفي هذا الطور عموما يضعف الجلد والشعر والعظام «قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا» - سورة مريم 4• فتفهم أن مع الشيخوخة تضعف عظام الجسم جميعا وبلا استثناء وان الهيكل العظمي في الجسم جهاز واحد• والشيخوخة حالة متدرجة لا مفر فيها من التدهور والانهيار وتصيب كافة الأجهزة والأعضاء والأنسجة والخلايا فتضعف قدرتها على التكيف والحفاظ على التوازن عند التعرض للضغوط والشيخوخة ليست حالة مرضية وإنما هي مرحلة تكثر فيها الأمراض حتى ظهر علم جديد اسمه علم الشيخوخة•
وتؤكد الإحصاءات والبحوث العلمية الطبية أن الجسم البشري يحتوي على 60 تريليون خلية، ثمانون في المئة منها يتجدد ويستبدل في ثلاثة أشهر، وبعد الأربعين تتآكل بعض خلايا المخ ويتناقص حجمه وتتوسع التجاويف بداخله، وفي الستينات والسبعينات من العمر يزداد ضمورا وكلما تقدم العمر تضعف الذاكرة ويصعب اكتساب المعرفة في مجال مهني جديد وتكثر الإصابة بخرف الشيخوخة• ويفقد الإنسان المهارات اللغوية وتتغير شخصيته وتتسلط عليه الهواجس والمخاوف وتظهر الأعراض بالتدرج وتكثر بعد الخامسة والسبعين•
وتنقص كفاءة الحواس جميعا السمع والبصر واللمس والشم والتذوق، ويتراجع إدراك الموجات وتقل سعة العين فيغلب استخدام النظارات وبعد السبعين يقل عدد خلايا التذوق في اللسان فتقل متعة الطعام كما تتناقص هرمونات النمو، ويتأثر جهاز المناعة فتقل القدرة على مقاومة الأمراض، وتزداد نسبة العدوى. كما يزداد معدل الاصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وتراكم الدهون، ويرتفع ضغط الدم• ويتناقص الكالسيوم وتزداد هشاشة العظام ويسهل تعرضها للكسر بأقل الصدمات، ويتأثر الجهاز الهضمي والعضلات والجهاز التناسلي والجلد•
وتأتي الآيات القرآنية معبرة عن هذا كله بأسلوب معجز بليغ عن حالة عامة من التدهور تشمل كافة التغيرات الخفية للشيخوخة فوصف القرآن التغير في القوة وكأنه يرسم منحنى تصويريا لمراحل العمر• ويقول المفسرون إن الله خلق الناس ضعفاء ثم جعلهم أقوياء ثم جعلهم ضعفاء في حال الشيخوخة•• وعبر القرآن عن بلوغ الإنسان مرحلة الشباب بلفظ «الأشد» ويعني هذا غاية القوة تليها مرحلة الضعف•
ويسن الله سبحانه وتعالى تشريعا للأبناء يراعي فيه حالة الضعف البدني والعقلي عند الآباء لدى بلوغهم الكبر، قال تعالى: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر احدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا»- سورة الإسراء 23-24• وهنا نلاحظ أن التعبير غاية في العناية والرأفة والرحمة بكبار السن• وما زال سر الشيخوخة غامضا ومعقدا وهناك نظريات كثيرة تشير الى أسباب تتعلق بالخلية وأسباب تتعلق بالنظام الوراثي وعوامل الوراثة وأسباب تتعلق بالزمن البيولوجي وتؤثر على كل هذه العوامل البيئة وعوامل المرض ومعاناة الحياة واغلب الظن أن سر الشيخوخة يكمن في كل تلك الأسباب مجتمعة، لكن لا يوجد للشيخوخة شفاء، ولكن لها أنواعا كثيرة من العلاج التي تخفف آلامها وتحافظ على صحة أعضاء الجسم•

اقرأ أيضا