الاتحاد

دنيا

محمد حسين يطارد الماضي بعين الحاضر

ربع قرن من الزمان دوَّن عبرها الفنان محمد حسين منظومته الفنية في اقتناص تفاصيل حياتية شيقة، تفاصيل بيئة نشأ فيها ووجدها أقرب إلى غيرها في محاكاة شغفه المستمر بآلة حبس الظل، التي ارتبط بها فسخَّرها ليسجل عبرها كل ما تزخر به أرض الوطن من مفاهيم وعادات وتراث، ومحطات مهمة حفظت في ذاكرة الكاميرا، لتتجلى منها إيقاعات وأهازيج الماضي الماثلة أمامنا في مشهد حي يعيد للأذهان الحياة البسيطة التي لمست شغاف قلوب كل من تحسس المشغولات الحرفية المكرسة كموروث شعبي تراثي، ورافد تاريخي مهم لسكان المنطقة، إضافة إلى الألعاب القديمة التي ارتبط بها الأطفال مع بعضهم البعض، فكانت بذرة التواصل والتعاون في ما بينهم، لوحات تراثية حافلة بترانيم الماضي تجسد المناسبات والاحتفالات لتبقى صورة عالقة في أذهان الأجيال. لهذا حمل محمد حسين كاميراته رغبة منه في حفظ الموروث وصونه، ليبقى شاهداً حياً على تاريخ وتراث المنطقة.

مشاهد برسم الزمن
يقول الفنان محمد حسين الذي قدم الكثير من إبداعات التصوير ومازال يفعل: «الفن لغة تواصل سريعة بين المجتمعات، من خلال الضغط على زناد الكاميرا ينفتح مجال استنطاق جميع مشاهد الحياة، لتبوح بما في داخلها من دروس ومعانٍ وعبر إيمانية أو فطرية، كما نطل من خلالها على تفاصيل وشخوص يبرزها الفنان ببراعة من خلال اختيار الزاوية التي سيحفظ بها هذه المشاهد. الصورة الملتقطة بإيحاءاتها كافة تمثل لديَّ تعبيراً تجسيدياً وإحساساً صادقاً لما تلتقطه مقلة عيني من مشاهد أود أن أسجلها للزمن، وأعرضها للبشرية على صورة إبداع يتمثل في روعة التقاط الصورة ومعالجتها، وإخراجها للمشاهد في بريق أسعى جاهداً إلى ترجمته وفق صورة فوتوغرافية ناطقة بأبعادها كافة. ولعلَّ الصورة الناطقة أفضل من ألف كلمة، وهوايتي في التصوير تشبه مثيلتها للرسام الذي يضع الفرشاة في يده ثم يلطخها بالألوان ليرسم لوحة فنية تنطق بمعان ومفاهيم جمالية، وهذا ما تجسده كاميراتي التي أرسم من خلالها لوحة فنية ملتقطة بالأشعة الضوئية، لأقوم بعدها بإخراجها في صورة بتفاصيل جمالية فنية رائعة. ولا يُخفى عليكم أنَّ كلمة فوتوغرافي مشتقة من اليونانية، وتعني الرسم أو الكتابة بالضوء، لذلك فالتصوير الضوئي أساساً هو رسم صورة بالأشعة الضوئية».

حديث البدايات
حول بداية تجربته في احتضان هذه الآلة، يقول محمد حسين: «لقد وجدت نفسي مرتبطاً بهذا الفن منذ أن اقتنيت أول آلة تصوير في عام 1982، بالرغم من إمكاناتها الضعيفة إلا أنني لم أهدأ في تصويب عدستها والتقطت عشرات الصور في المناسبات والمناظر العامة التي تأسرني، إذ يقع نظري عليها، وكنت أرتقي في التصوير مع ارتقاء الآلات، وأخصص لها ميزانية من راتبي حتى أشبع شغفي المستمر بها، وفي عام 1997 أيقنت أنني قادر على احتراف التصوير لتبدأ الرحلة التي مازلت أبحر في عبابها بكل متعة وصبر وفن».
ويكمل حديثه قائلاً: «وجدت نفسي ملتصقاً بالتراث، عائداً إليه بإبراز مظاهر الماضي وتجلياته في صوره كافة، وتسليط جوانب التصوير في دقته وفنه وأصالته لاسيما أنَّ تراثنا الإماراتي غني ونحن بحاجة إلى إبرازه لأجيالنا من جهة، وللزوار والمقيمين على أرض الإمارات الذين يجهلون أبسط المعلومات عن تراثنا، وأشعر بالمسؤولية حيال دوري في توثيق التراث بالصور التي أقوم بالتقاطها وتمثل الفنون والمنازل والألعاب وغيرها. لذا قمت بإنشاء موقع خاص أضع فيه الصور كافة التي أقوم بالتقاطها، بالإمكان من يرغب تصفح موقعي الذي يختزل في طياته مجموعة صورة متباينة تنطق بالوطن على الموقع www.uaephoto.net».

لقطات مؤلمة
يطلعنا الفنان محمد حسين على جانب من المشاهد التي أثرت في نفسه قائلاً: «بعض اللقطات التي أقتنصتها كان تأثيرها عليَّ كبيراً، لكونها جاءت مصادفة، فمنها ما هو مؤلم ومؤثر، ومنها ما قد يفجر فيك مبررات الضحك، فالصورة تضم في ثناياها مواقف متعددة ومختلفة، أذكر على سبيل المثال الصورة التي التقطها لناقة وهي ترضع صغيرها بحنان في الصحراء، أما المشهد الآخر فهو لرجل عجوز يلقِّن حفيده المصغي إليه بشغف مآثر الأجداد وحياتهم في الماضي، وأتذكر موقفاً كان وقعه أليماً عليَّ، ولكنى ما أن شرعت في التقاط الصورة حتى سارعت إلى محوها من ذاكرة كاميراتي لتبقى اللحظة عالقة في ذهني، وهو مشهد لقطة تحتضر بعد أن دهستها سيارة مسرعة».

كنز لا يفنى
يشير حسين إلى أن الصورة تضم في طياتها ذاكرة حية وناطقة، وأنَّ لسانها يفصح بكل اللغات، يفهمها العربي والأعجمي الصغير والكبير، وفي جزيئاتها تختزل المشاعر بصدقها حين تعكس واقعاً لا تفلح أن تزوِّره الأيام، وفيها نأنس للماضي ونسترجع الذكريات التي قد ننساها، لكن الصورة توثقها في ذاكرة يميزها تماسكها.
ولكن لا بدَّ أن يعي المصور أنَّ بين يديه كنز ثمين، فلا يلتقط إلا ما يرضي الله عز وجل، ولا يؤذي بها أحداً، ويستخدما في إلحاق الضرر بالآخرين، أو يتتبع بها عورات أحد كما نسمع ونرى، ولا بدَّ كذلك من حسن توظيف الصورة، والتقاطها داخل العين أولاً تمهيداً لالتقاطها بالكاميرا، مع اختيار الوقت والزاوية والعدسة ومعالجتها بدون تهويل أو تغيير، ومن ثم القبول بالنقد ومحاولة الاستفادة من خبرات الآخرين.
يرفض الفنان محمد حسين الاندفاع نحو التقنيات الجديدة قائلاً: «ثمة أسباب كثيرة تدعونا للتوجه نحو التصوير الرقمي، والتخلي عن مثيله الضوئي، فبمجرد التقاط الصورة بالكاميرا الرقمية تصبح خاضعة لصيغة يسهل استخدامها وتوزيعها، حيث يمكنك إدراج الصورة داخل أحد المستندات أو برامج تنسيق النصوص وطباعتها، أو إرسالها إلى صديق عبر البريد الإلكتروني، أو نشرها داخل أحد مواقع (الويب)، بحيث يستطيع أي شخص الاطلاع عليها، مع ضرورة عدم إدخال (الرتوش) الزائدة التي تفقد الصورة رونقها، والمحافظة عليها حتى آخر مرحلة، وهي مرحلة الإخراج».

مساهمات
بالحديث عن إنجازاته الفنية، يقول محمد حسين: «لديّ عدة مشاركات جديرة بالتوقف عندها، حيث فزت بالمركز الأول في جائزة جمعية الحفاظ على التراث العمراني بدبي، وبالمركز الثاني في مسابقة مساجدنا من تراثنا، بخلاف تنظيم عدة معارض كان آخرها في نهاية شهر رمضان المبارك بمركز تسوق الذي سلط على جوانب من التراث والعمارة الإسلامية.
وأسعى لمواصلة تطوير قدراتي والمشاركة في المناسبات كافة، وأن أقدم خدمات جليلة وتطوعية للإمارات بتوثيق أحيائها وتراثها وفنونها ومعارضها ومهرجاناتها.
كما لا أتأخر عن المشاركة في أي مناسبة أدعى لها».

اقرأ أيضا