الاتحاد

ثقافة

«عندما صمت عبد الله الحكواتي».. حين يكون الكلام من ذهب

عبد الله السعداوي في مشهد من مسرحية «عندما صمت عبدالله الحكواتي» (من المصدر)

عبد الله السعداوي في مشهد من مسرحية «عندما صمت عبدالله الحكواتي» (من المصدر)

تزاحم جمهور مهرجان المسرح العربي مساء أمس الأول على باحة جمعية المسرحيين الإماراتيين لمشاهدة أول العروض الرسمية المقدمة، في إطار فعاليات الدورة السادسة من التظاهرة التي تنظمها الهيئة العربية للمسرح في الشارقة، فلقد صمم مخرج العرض «حسين عبد علي» مكاناً دائرياً مفتوحاً لتقديم مسرحيته الموسومة بـ «عندما صمت عبد الله الحكواتي»، حيث أقام منصة للعرض وسط الباحة ووزع مقاعد الجمهور من حولها ليبدو الشكل العام لمكان العرض مماثلاً لتلك الأمكنة التي ارتبطت بالحكائين في التراث العربي خلال حقب تاريخية مختلفة.
استعادة الحلقة الفرجوية
حاول المخرج البحريني الشاب، الذي ينافس على «جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي عربي»، أن يتماهى مع الدعوات الكثيرة المبذولة من بعض المسرحيين العرب إلى استلهام الأشكال التراثية في تقديم المسرحيات إلى الجمهور المحلي، والقطع مع النموذج المسرحي الغربي الذي يفصل ما بين المنصة وصالة الجمهور؛ فيما يتيح الشكل العربي تلاحما وتفاعلاًوتداخلاً بين المؤدين والمتلقين.
لكن تجارب عربية سابقة في اتجاه التأصيل لهذا الشكل التراثي من خلال تقديم العروض في الساحات العامة والمتنزهات أو المقاهي، بدا كأنها لم تستطع أن تتقدم كثيراً على ما سبق وحققته؛ فما الذي كان في مقدور المخرج حسين عبد علي أن يقدمه عبر تجربته الإخراجية الأولى؟
الواقع، حين ننظر إلى تجربة العرض من جهة الشكل لا نحصل على الكثير ولكن عندما نأخذها جملةً، نصاً وتشكيلاً فرجوياً، يمكن لنا نتبين الجهد الخلاق الذي وقف خلفها. لم تكن تجربة إخراجية أولى فحسب للفنان الشاب «حسين عبد علي» فهو من قام أيضاً بإعداد نصها، وذلك باشتغاله على ثلاثة نصوص سردية هي رواية «حكواتي الليل» لرفيق شامي، وراوية «أهل البياض» لمبارك ربيع، وقصة الدرويش الثالث من «ألف ليلة وليلة».
إذن، قبل مغامرته في العمل على فضاء مفتوح ــ على ما ينطوي عليه ذلك من مجازفة ــ وخصوصاً من جهة العلاقة مع الجمهور حيث يمكن أن يؤدي خللًا ما في الإضاءة أو الصوت أو مجال الرؤية إلى التشويش على العمل. قبل هذا التحدي الجمالي كان المخرج غامر أيضاً حين توجه إلى توليف ومسرحة تلك النصوص السردية، وهو عرف كيف ينتقي من تلك النصوص لحظاتها الحكائية والدرامية الثرية والتي تتقدم بتجربة عرضه إلى أفق دلالي أكثر تنوعاً وعمقاً. بدا مخرج العرض ومعده وفياً لفكرة التوسط بالشكل التراثي حتى على مستوى مطوية العرض؛ فلقد جاءت مرسومة بخط عربي بائن، كما طابق بين شكل عرضه والأزمنة الداخلية التي تتحرك عليها الحكايات التي اقتبسها من ذلك المتن السردي، فهي تحيل في رموزها وتعبيراتها وفضاءاتها إلى مرجعية عربية.
حكايات مغايرة
في بداية العرض نتعرف على سيرة «عبد الله الحكواتي» والذي استحوذ على محبة أهل مدينته بقصصه الممتعة والمسلية والتي لا تنتهي. يقدم لنا العرض في لوحته الأولى «الحكواتي» ويعرفنا على حاله وعلى علاقته الحبية مع الأصدقاء من حوله. لكن ماذا لو فقد هذا الحكواتي صوته؟ من هذا السؤال يتأسس العرض. إذ يفقد الحكواتي صوته أما السبب فلأنه صار يخلط في حكاياته وفقد صفاء ذهنه، كما يقول له الشبح الذي يظاهره. ونفهم من لقاء الحكواتي والشبح أن الأخير بيده الأمر كله وهو في النهاية يعاقب الحكواتي بأن يفقده قدرته على الحكي.
ويمضي العرض لنرى أصدقاء الحكواتي الذين لطالما استمتعوا بحكاياته وقد فزعوا لحالته العاجزة، وفيما هم كذلك يتناوب بعضهم في اقتراح أساليب لعلاجه بين العطر والجلد وشرب الخمر ولكن كل محاولاتهم لا تفلح في فك عقدة لسانه.
وفي تلك اللحظة المعلقة، يبدأ كل واحد من أصدقائه الأربعة في سرد قصة تخصه سعياً إلى علاج الحكواتي أو مؤانسته ومن هنا ينفتح العرض على قصص مغايرة كلية لتلك التي كان يحكيها الحكواتي.
مع الحكايات الأربع التي نتابعها، صوتاً وصورة، أو حواراً وتشخيصاً، ينتقل العرض من تلك القصص الأسطورية والخرافية التي عرفها دائما الحكواتي إلى حكايات واقعية وحية عاشها الأصدقاء الأربعة؛ فثمة قصة الصديق الأول الذي حاول مساعدة صديقه حين علم منه بأنه يحب فتاة جميلة وهي تحبه لكنها متزوجة من إمام القرية، وفي سعيه إلى مساعدة صديقه العاشق يمضي بطل الحكاية إلى إمام الجامع ليحاول أن يفهمه وضع صديقه، ويستغرق أياما من دون أن يجد الشجاعة في الكلام إلى الإمام وحين يفعل بعد حين يكتشف أن الإمام غير متزوج وأن صديقه إنما كان يشغله ليخونه مع زوجته (!) فيصدم ويحاول أن ينتقم إلا أنه يعجز عن ذلك.
حكاية الصديق الثاني أنه من شدة حبه لزوجته سافر لأيام إلى مكان بعيد حتى يحضر لها التفاح الذي لم تشته سواه في مرضها الشديد وهو غير موجود في قريتهم، وحين عاد الزوج المحب بعد رحلة شاقة جاء بثلاث تفاحات لكنها لم تأكلها وفي يوم خرج الزوج وفي طريق عودته لمح شاباً في يده تفاحة واستغرب: من أين جئت بهذه التفاحة، فأخبره الشاب بأن زوجته أهدته إياها، فغضب الزوج غضباً شديداً وظن أن زوجته تخونه وزاده غضباً أنه فقد إحدى التفاحات الثلاث، وحين سألها قالت له بلا مبالاة: «لا اعرف»، فتحقق من خيانتها وقام بقتلها ولكنه ما لبث أن اكتشف من ابنه أن ذلك الشاب خطف التفاحة منه!.
وعلى هذا النحو تتوالى الحكايات، التي لا تسمح المساحة بعرضها كلها، في تصاعد ملحوظ، سواء في معناها العام أو في تعقيدها الدارمي، فالحكاية الأولى التي تتناول قصة الزوجة الخائنة والتي يعجز زوجها عن الانتقام منها تبدو بسيطة بنائياً وزمنهاً أقصر، والحكاية الثانية التي تتناول قصة الزوج الذي يشك في زوجته المخلص ويخطئ بقتلها، تبدو أعقد في نسيجها وهي أطول في زمنها.. وعلى هذا النحو يتطور مسار العرض، وبالتالي يزيد من حيويته وديناميته جماليا ودلالياً وصولا إلى الحكاية الرابعة. في الرؤية الكلية للعرض، بدا كما لو أن مخرجه ومعده عبد علي أراد أن يفضح تعلقنا بالقصص التي يحكيها أمثال عبد الله الحكواتي، على زيفها وكذبها ونحن نحبها لأنها تنسينا تلك القصص الحقيقية والجارحة والمؤثرة التي نعيشها في حياتنا اليومّية.
ويمكن كذلك تتبع الخيط المشترك في المصائر التي انتهت إليها الحكايات الأربع فهي كلها تشترك في إبرازها العاقبة الكارثية للحكايات الزائفة وغير الحقيقية، فلقد حكى الصديق للصديق قصة عشق زائف، وحكى عابر الطريق للزوج المخلص قصة خيانة زائفة… إلخ.
نقول إنه مسرح الحكاية؟ غلبت الحكاية على معظم لحظات العرض ولكن إلى جانب أنها كانت حكايات مشوقة ومثيرة لم يخل العمل من لمحات إخراجية بارقة وخصوصاً في الحلول الضوئية والتشكيلية التي صحبت تشخيص تلك الأربع حكايات، وهي لمحات تشبه كثيرا تلك الاستعادات السريعة والخاطفة التي كانت تبرق، أثناء انصاتنا إلى حكايات الأصدقاء الأربعة، لتذكرنا وتعيدنا إلى قصة عقدة لسان «الحكواتي»!.
شارك في العرض الذي قدمته فرقة الصواري البحرينية الممثل الرائد عبد الله السعداوي ومحمد الصفار وباسل حسين ومحمود الصفار وحسين عبد علي ومحمد المرزوق.

برنامج اليوم
الساعة 18.00
«مسرحة ع الخشب»
تأليف وإخراج زيد خليل، الأردن
مسرح معهد الشارقة للفنون المسرحية
«سيبني نحلم»
إخراج انتصار عيساوي، تونس
مسرح عبد الله المناعي

الساعة 18.15
«الجكواتي»
تأليف وإخراج حسين عبد علي، البحرين
جمعية المسرحيين الإماراتيين

الساعة 20.00
«مسرحية نهارات علول»
تأليف مرعي الحليان
إخراج مرعي الحليان، الإمارات
مسرح قصر الثقافة

اقرأ أيضا

جائزة الشيخ زايد للكتاب تكشف عن القائمة الطويلة لفرع «الترجمة»