الاتحاد

دنيا

الاغتراب النفسي.. لماذا؟

قد يتساءل سائل: "لماذا تسود مشاعر "الاغتراب" لدى إنسان هذا العصر؟".
وسط زحام الحياة وتعقدها، وتضارب وارتفاع حدة متغيراتها وتأثيراتها، تغيب المعايير القيمية، ونبتعد عن المعايير الاجتماعية والعقائد الأخلاقية والدينية في زمن سادت فيه معايير النفعية والمادية. أصبح الإنسان لا يهمه، ولا يفكر إلا في المال والمصلحة، ولا يقيّم أمور حياته إلا بالمال والمادة ومقدار ما يمتلكه في كثير من الأحيان.
.. إن هذه الحالة أسهمت في سيادة مشاعر القلق الدائم، وعدم القناعة أو الرضا، ومن ثم الاغتراب عن الذات، وعن الآخرين، وبالتالي فقد الإنسان المعنى الحقيقي لحياته، والهدف من وجوده عندما يصبح عبداً لطغيان المادة. فإن طغت المادة تسود المشاعر السلبية كنتيجة حتمية، وتسود مفاهيم "هلامية"، هي نتاج ثقافة مزدوجة ومضطربة، ثقافة تسيطر عليها قيم مائعة وهشة ومشوهة، لا لون ولا طعم ولا هوية لها ! كثرت اضطرابات القلق، والوسواس القهري، والمخاوف المرضية، والرهاب الاجتماعي والمخاوف، وأصبحت هذه الاضطرابات واسعة الانتشار، وكثير ما نسمع شكوى تبدل أو تغير المزاج العام، أوالإحساس بتغير الشخصية "كأنني لست أنا"، والخوف من فقدان السيطرة على الذات أو الخوف من فقدان العقل. والخوف من اقتراب الموت، أو الشعور باقتراب النهاية والموت. والشعور بالتنميل والخدر في الجسم والأطراف، وهي كلها أعراض وخيمة للقلق مع اختلاف مستوياته.
.. لقد انتشرت في عصرنا الذي نعيشه مشاعر العزلة، والوحدة النفسية والرفض، والتململ، والسأم، والتسرع، واللامبالاة، خاصة لدى فئة الشباب، وشاعت أعراض فقدان أو تميع الهوية بأشكالها المختلفة، وضاعت في كثير من الأحيان الفروق بينهما، وأدت مظاهر التقدم والحضارة المادية الصارخة وغيرها من تبعات الحضارة الغربية الحديثة إلى فوضى أخلاقية وضغوط اجتماعية شديدة ومتصارعة. وفي ظل هذه الحالة انتهكت حرية الإنسان وكرامته، وقل الشعور الحقيقي بالتضامن والتساند والتكاتف والتكافل والتعاون والأخذ والعطاء بلا حدود. كثيراً ما نرى فتوراً في الشعور بالانتماء، وظهرت قيم تعدد واختلاط الجنسيات والتجنسات، بعد أن خَفُت دور الأسرة وانزوى، وأصبح إسهامها ضئيلاً وهزيلاً في أغلب الأحوال.
.. إن هذه الأعراض النفسية الاجتماعية التي صاحبت التطور المادي والحضاري للإنسان، وسيطرة الثورة المعلوماتية والتقنية الهائلة، أدت إلى بروز جملة من الأعراض اجتمعت كلها في شعور الإنسان بالعجز النفسي، وهذا العجز النفسي إذا ساد وانتشر لدى الإنسان جعل منه صريعا للتفكك النفسي والاجتماعي. وسادت لديه أعراض الانحلال الأخلاقي والاجتماعي ومشاعر العزلة والاضطراب النفسي والعقلي.
.. الحل أراه معقوداً على العودة إلى قيمة الإنسان الحقيقية، إلى دينه وأخلاقه، ومقاومة القيم المادية الطاغية في كافة جوانب الحياة، والتمسك بالقيم الأخلاقية، وعدم الانسياق وراء الحضارة المادية الغربية الطاغية التي أفقدت الإنسان معنى وجوده وإحساسه بذاته وفقدانه لقيمته الحقيقية.
لابد من أن نتمسك بقيمنا الأصيلة وأخلاقنا النبيلة وأن ننشأ أبنائنا على ذلك.

المحرر | khourshied.harfoush@admedia.ae

اقرأ أيضا