الاتحاد

الملحق الثقافي

ثرثرة الأفلام المعاصرة لم تصادر بلاغة السينما الصامتة

قبل أن نتحدث عن السينما الصامتة، يجدر بنا القول إن فترة هذه السينما بعد اختراع الصوت أطلق عليها بعض النقاد اسم (الصامت العظيم)، والسبب في ذلك يعود الى أنهم في فترة السينما الصامتة كانوا يبحثون عن حلول بصرية للحدث والفكرة وبهذه الطريقة تطورت لغة السينما وعندما تم اكتشاف عنصر الصوت بدأت السينما تثرثر ولهذا أصبح الحوار مكان البحث البصري ومن هنا فضل النقاد المعاصرون على تسميتها باسمها الجديد، وقد شاع فيما بعد اسماء كثيرة مثل: السينما الشعرية والسينما الموسيقية والسينما التصويرية وما إلى ذلك من فروع.

تعتمد أفلام السينما الصامتة على الصورة والموسيقى لكي تساعد المتفرج على الانصهار في موضوع الفيلم، ويمكن القول إنه لولا ظهور المخرج والكاتب الروسي سيرجي آيزنستاين لكانت السينما ستتأخر كثيرا عن موعدها. وتعتبر آراءه السينمائية ونظرياته السينمائية إحدى أيقونات النقد السينمائي. ولد سيرجي عام 1889 أي في عصر الامبراطورية الروسية وكان مولده في الدولة المسماة حاليا لاتفيا. في عام 1919 قام بإنشاء معهد سينمائي وعام 1923 قدم فيلما قصيرا مدته 5 دقائق ولم ينجح، وتجاوز فشله عام 1925 بفيلمه Battleship الذي شاهده العالم السينمائي أجمع وقد وقف مندهشا أمام ما قدمه من مفردات وأساليب مونتاجية متفردة. ويذكر تاريخ السينما التسجيلية آيزنستاين كواحد من عباقرة هذه السينما بفيلمه October. وكالعادة فان كل شيء قابل للتغيير وهذا ما حدث معه حينما انتقل الى السينما الناطقة وقدم فيلمه الشهير عام 1983 بعنوان Aleksandr Nevskiy. كان من الضروري التعرض لواحد من أهم صناع هذه السينما القائمة على لغة سردية خاصة تتفوق في فنيتها على ما يوجد في الافلام الناطقة أو الحوارية.

أهمية المونتاج في السينما الصامتة يكمن في انه يحتل مكان الحوار عبر ادخال اللقطات في بعضها لتصنع مشهدا كاملا يقوم على لغة سينمائية تعتمد على الدلالة الفهمية، التي يستطيع أن يصل اليها المشاهد حال متابعته لأحداث الفيلم وهو الامر الذي كان العاملون في هذه السينما يطلقون عليه اسم (نقطة التقاء المونتاج). لقد وضعت السينما الصامتة أرضية صلبة لسينمائيي اليوم منذ أن طورت الكثير من مفاهيمها، سواء المونتاج المتداخل الذي يعتمد على ادخال اللقطات فيما بينها، او المونتاج المتباين الذي ابتكره ادون بوتر، أو المتوازي الذي صنعه ديفيد غريفيث، ولم يتوقف عند هذا الحد بل نجح في ابتكار نوع جديد من المونتاج اطلق عليه اسم (المونتاج الذهني) وهذا النوع لم يكن يصلح إلا للسينما الصامتة على الأقل في ظاهره لانه عبارة عن الجمع بين سلسلة من الصور لخلق فكرة مجردة ليست حاضرة في أية صورة بمفردها.

بلا كلام

بدأ ظهور مفهوم السينما الصامتة عام 1902 ويعتبر شارلي شابلن من أوائل الذين عملوا في السينما سنة 1910 وقد أنتج أكثر من فيلم صامت بعد أن نطقت السينما عام 1927 فقدم فيلم «اضواء المدينة» الصامت عام 1931، وقدم تحفته السينمائية الخالدة بعنوان «الازمنة الحديثة» عام 1936 وعبر شابلن على الدوام عن انحيازه الشديد لهذه النوعية من الافلام وكان يعتبرها الافضل والاروع والامتع، وهذا يعود الى مقدرته الاستثنائية في تقديم الفيلم الصامت.

لقد بدأت هذه السينما في اوائل القرن العشرين لتصور بعض المواقف المثيرة أو الكوميدية الضاحكة والتي تعبر عن نفسها بنفسها ليسهل على المشاهد فهم تلك المواقف دون الحاجة الى صوت يجسد الحوار، وغالبا ما كانت هذه المواقف التمثيلية الصامتة لا تعتمد على نوع من الحوار فان مطاردة كلب لشخص لا تحتاج الى حوار بقدر احتياجها لموسيقى تصويرية، وان مغازلة امرأة حسناء بغباء وجهل ودون معرفة باصول الحديث قد تؤدي الى مناوشات وعراك ولعل ذلك لا يحتاج الى حوار فالموضوع يعبر عن نفسه بالحركة والاشارة والايماءة ربما تكون أكثر صدقا من الكلمات المنمقة لكاتب سيناريو هش من الداخل وهنا لا نستطيع أن نتجاوز اسماء مهمة في هذه السينما مثل: هارولد لويد وباستركيتون.

تاريخيا فإن ولادة السينما بدأت عندما تم اختراع التصوير الفوتوغرافي عام 1839 وهو العام الذي اخترع فيه لويس داكر الفرنسي عملية لاظهار صورة فوتوغرافية على لوح مغطى بمادة كيميائية، وسجلت خطوة أخرى نحو التصوير السينمائي عندما اخترع اتيان جيل ماري في عام 1882 الدفع الفوتوغرافي لتصوير الطيور. لقد نسب النقاد الى أديسون صناعة السينما ولكن العديد من الروايات تشير الى انه قام بتنسيق أفكار غيره من المخترعين فتوصل في معمله الخاص الى عملية تركيب كل من آلة التصوير وآلة العرض السينمائي. أما في فرنسا فقد كان (الاخوان لوميير) وهما من صنّاع المعدّات الفوتوغرافية يقومان بتجارب على الصور المتحركة وقد بدآ بالكنتوسكوب الذي عرض في فرنسا لاول مرة عام 1894 أي بعد أشهر قليلة من عرضه في الولايات المتحدة الاميركية وهو عبارة عن آلة عرض، الا انه تبين لهما ان الحركة المستمرة في الكاينتوسكوب تجعله لا يصلح ليكون آلة عرض، ولذلك صنعا جهاز التوقف ثم الانطلاق كما صنعا كاميرا كانت تختلف عن كنتوغراف أديسون (آلة تصوير) في عدد الصور أو (الكاورات) التي كانت تسجلها بالثانية. قرر الاخوان لوميير فتح مؤسسة لعرض الافلام في باريس وكان المشروع بادارة والدهما أنطوان لوميير الذي بدأ أول عروضه بتاريخ 28 ديسمبر عام 1895 وكان طول الفيلم 15 مترا، وضم العرض الاول عشرة أفلام كان من بينها فيلم بعنوان «ساعة الغداء في في مصنع لوميير» الذي كان يصور العمال وهم يغادرون المصنع في مدينة ليون، كذلك فيلم «وصول قطار الى المحطة» الذي كان يصور قاطرة قادمة آتية الى المحطة ويقال إنها افزعت المتفرجين وكان سعر الدخول فرنكا واحدا وسجل ايراد يوم الافتتاح 35 فرنكا.

لقد سارت السينما باتجاهين مختلفين هما الواقعية والانطباعية حيث ان الاخوان لوميير ومن خلال افلامهما الصغيرة المتعلقة بالحياة اليومية كانوا يسيرون في الاتجاه الواقعي. أما أول من سار في الاتجاه الانطباعي فهو جورج ميليه الفرنسي الأصل المولود في باريس 1861 ابن رجل غني من أصحاب مصانع الأحذية، وكان ميليه رجل مسرح ولهذا كان افتتانه عظيما في تلك الامسية من كانون أول من عام 1895 وهو يشهد أفلام الاخوين لوميير تعرض على الشاشة في غرفة البدروم في (الجراند كافيه) لذا قرر ان يدخل عالم السينما الجديدة من خلال تصويره لأفلام مشابهة لغيرها من أفلام تلك الفترة وكان أول فيلم اخرجه اسماه A Game of cards في ربيع 1896 في بيته في إحدى ضواحي باريس ثم اخرج ميليه بعد ذلك فيلم «رحلة الى القمر» وفيلم «السيدة المختفية» و»الحصن المسكون» وغيرها من الافلام التي تتحدث موضوعاتها عن الالعاب السحرية. ويعتبر فيلم «رحلة الى القمر» واحدا من الافلام المهمة في تاريخ السينما الصامتة كونه أول فيلم يعرض لموضوع السفر بين الكواكب وكان مزيجا من السرد القريب والتصوير بالحيل لذلك سمي جورج ميليه بمخرج الأفلام الانطباعية التي تؤكد على الاحداث السحرية المتخيلة أو التفسيرات المشوهة عن العالم الحقيقي.

محاولات مبكرة

من المحاولات المبكرة في هذا الصدد محاولة المصور الانجليزي ادوارد ماي بردج في عامي 1877 و1878 تقديم مجموعة من الصور لحصان يجري وذلك عن طريق استخدام 12 ثم 14 آلة تصوير من مواقع ثابتة لتصوير الحصان وهو يجري وقد أدى نجاح تلك التجربة الى تشجيع عدد من المخترعين في اميركا وانجلترا وفرنسا على السير في الاتجاه نفسه، وهكذا جاء أول عرض للصور المتحركة عام 1893 حينما قدّم أديسون جهاز عرض الصور المتحركة وهو صندوق أسود تمر داخله مجموعة من الصور غير المكبرة ويشاهدها متفرج واحد من ثقب لمدة 90 ثانية وسرعان ما تم استبدال اجهزة عرض بهذا الصندوق، تقوم بتكبير الصور وعرضها على الشاشة أمام أكثر من متفرج في الوقت نفسه.

كانت السينما في أيامها الاولى تركز على إعادة تمثيل الأحداث المهمة والتجسيد الحي للقصص الشعبية، لكن التطورات السريعة والاختراعات المتوالية مهدت الطريق الى تقديم الأفلام الروائية، وهكذا قدم أدوين بوتر أول عمل روائي في تاريخ السينما بعنوان «سرقة القطار الكبرى» عام 1903 ومدته 11 دقيقة وكان الفيلم حدثا مؤثرا في تاريخ السينما العالمية. في حين خرج أول فيلم عربي من مصر بعنوان (ليلى) في موسم 1927 الى 1928.

اقرأ أيضا