الاتحاد

الملحق الثقافي

«الزمن الباقي».. الكاميرا قالت كل شيء وقرأت ما لم يقرأ

اختلف الكثيرون من نقاد وسينمائيين حول فيلم «الزمن الباقي» من إخراج الفلسطيني ايليا سليمان بين متحمس، ومنتقد له واصفاً إياه بالتكرار واللاجدية، وانعدام الجدة فيه. ولكن كيف حصل ذلك؟
لا نزال في إطار فهمنا لموضوعة السير رواية التي قدمت نمطاً جديداً في الفترة المتأخرة من تاريخ السرد العربي وهو السيرة الشخصية المكتوبة بشكل روائي، وعلى الأغلب ألا يكون كاتبها البطل نفسه، وهو نمط يتمتع بحقائق السيرة الذاتية وفي الآن نفسه يمتلك قوانين الرواية، وهذا الفن ليس فيه من الافتراض ما يدعونا إلى اعتباره رواية خالصة. إذ المتداول والمخفي من معلومات إزاء الشخصية بوصفها سيرة تقدم على شكل روائي.

اليوم نشاهد نمطا من هذا النوع وهو السيرة السينمائية حيث يتمركز الفعل حول شخصية السارد في الفيلم الذي هو العنصر الفاعل في السيرة الذاتية ولكن في إطار تبدو فيه هذه السيرة جزءاً من قضية.
وبعيداً عن كل ذلك نستذكر ما حصل لشاعر كبير أنجبته هذه الأمة فقدم أروع المنجزات في تاريخها الحديث وهو الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي دخل في إشكالية قل نظيرها وهي اتهامه بـ «شاعر المقاومة» أو «شاعر القضية الفلسطينية» التي أراد جاهداً وبمرارة عميقة أن يتخلص من هذا التوصيف لأن درويش تجاوز حدود الإبداع لقضية ما، فهو المجدد الذي يريد الانتماء لقافلة الشعراء المجددين، الذين يجترحون أساليب وأبنية وفضاءات هائلة في القصيدة العربية الحديثة.
صحيح أن درويش ولكونه «شاعر القضية الفلسطينية» قد أكسبه تصفيق الملايين من الشعب العربي الذين كانوا يستمتعون دوماً بـ «سجل أنا عربي»، إلا أنه كان ينظر بعين حزينة إلى محفل الشعر والشعراء الذين لا يجدون في هذا النمط من الشعر الثوري شعراً تجديدياً.
التفت درويش فجأة فكتب نمطاً جديداً من الشعر كان فيه رائعاً مجدداً جعل الشعراء يحسدونه ـ فعلاً ـ على أن يأتي بجديد التركيب في اللغة، فكان حداثياً إلى أقصى مدى، إلا أنه وقع بين صفين لا ثالث لهما وهما الجماهير في كلاسيكيتها الثورية ومحفل الشعراء في حداثيتهم المفرطة، ونجح درويش في انتزاع إعجاب الجانبين معاً.
ولكن سؤالنا: هل قدم محمود درويش القضية الفلسطينية بطريقة ساخرة، هل كان يوماً طريفاً يطلق النكات في عالم مليء بالدم والموت والبكاء والعويل منذ 70 عاماً أو أكثر؟ ذلك ما يختلف عليه النقاد والسينمائيون عندما شاهدوا فيلم «الزمن الباقي».
الأسلوب والطريقة
بعض منهم قال: فليكن.. لقد مللنا من البطولات والذبح والقتل، نريد أن تقدم القضية هكذا في روح من الدعابة والسخرية من عالمها الذي طال صراعه، وآخر يقول: فيه من التكرار الشيء الكثير حتى أننا وجدنا الأسلوب والطريقة ذاتها التي اتبعها ايليا سليمان في فيلمه السابق «يد إلهية»، وثالث يقول: فيه من السوقية الشيء الكثير وهذا ما حصل فعلاً في «يد إلهية».
أما المشاهد المتقطعة التي فصلت بشاشة سوداء في مشاهد انتقادية، موضوعية، لا تمت للسيرة الذاتية بأية صلة.
لنذكر أولاً أن المشهد الأول كان عام 1948 عندما تم التوقيع على الاستسلام بين العمدة والقائد الإسرائيلي ومشهد المصور الفوتوغرافي وهو يلتقط الصورة لهما بينما كانت «مؤخرته» باتجاه القادة المسيحيين والمسلمين الذين يجلسون خلفه.
ابتدأ الفيلم بلقطة موضوعية ليس فيها من السيرة الذاتية أي جزء ولو كان ضئيلا، أنه يحكي عن تاريخ ثم يدخل في سيرة «فؤاد» الفتى الفلسطيني الذي ابتنى عائلة في داخل فلسطين وظل فيها بينما غادر أبوه وأمه و اخته نادية إلى عمان هاربين.
ولتصنيف منظور الفيلم وجدنا منذ المشاهد الأولى ممارسة الإسرائيليين أساليب التعذيب التي أدت بالراهبة أن تسقي المعذبين الماء مما يجعلنا نفترض منذ البدء أن هناك وجهة نظر معينة ومن زاوية محددة يحاول المخرج تجسيدها عبر السارد «ايليا» ابن فؤاد الذي ابتدأ فيه الفيلم في يوم ممطر حين استقل سيارة للذهاب إلى المستشفى حيث أمه قد نقلت إليها.
يستعرض ايليا ذكرياته ومذكرات والده خلال عودته إلى «الناصرة» بشكل طريف فيه من البراعة الشيء الكثير ومن الرموز والدلالات ما يمكن تفسيرها بسهولة من قبل أي مشاهد إذ أن رموز تلك المشاهد في أغلبها يتعلق بالموضوعي لا الذاتي.. ومن الغرابة أن الذاتي يحمل مأساوية عالية بينما نجد الموضوعي يحمل طرافة النكتة المبتذلة في هذا الفيلم، يحمل الفيلم عنواناً فرعياً وهو «سيرة الحاضر الغائب».
نموذج كافكوي
في القصة ينقذ فؤاد الأب جريحاً من «بيسان» وتهرب عائلته «أمه وأبوه وأخته» إلى عمان ويشير المخرج إلى كل ذلك عبر الاسطوانة «الجرامافون» التي استلبها الجندي الإسرائيلي التي كانت تغني فيها ليلى مراد «قلبي دليلي» استخدم المخرج هذا الأسلوب أكثر من مرّة 1948 ليلى مراد وبعدها عبدالوهاب في «جفنه علم الغزل» كذلك نشرات الأخبار وموت عبدالناصر بعد حرب 1967 وكأن الفيلم هو مسح سيري منذ عام 1948 إلى الحاضر الذي دخلت فيه القضية الفلسطينية وشعبها في رام الله في انسجام موضوعي مع الجندي الإسرائيلي الذي لم يستطع أن يوقف رقص «الديسكو» في ليلة منع التجول.
في الجانب الآخر يرى بعض النقاد أن الفيلم قدم نموذجاً كافكوياً من حيث الرؤية والتصور.. ولا أعرف أين هي كافكوية هذا الفيلم الذي بدا ساخراً يحمل روحاً من الطرافة لا سوداوية فيها مطلقاً.
إن ما يبقى في الذاكرة مشهد «الرجل الذي قفز الجدار الإسمنتي ـ جدار العزل» بالزانة «وهذا المشهد سبق أن نشر في الصحف العالمية وتم تداوله وهو ليس من إبداع النص، ولكن قد يكون اختياره هو الإبداع بحد ذاته. إذ يبدو اختيار ما أنتجه الآخرون في حقل إبداعي ونقله إلى حقل إبداعي آخر يعد توظيفاً جميلاً وهو فعلاً كذلك بدليل إثارته لجمهور قاعة العرض والذين عدوه خاتمة الفيلم برمته.
المشاهد المكررة
من جانب آخر تكررت مشاهد وقوف الصيادين على شاطئ البحر وسيارة الجيب العسكرية 3 مرات كما تكرر مشهد الجار السكير 3 مرات.. اعتمدت هذه المشاهد في أغلبها على إثارة لفظية، أو طرافة لغوية بنيت على السباب والشتائم ولم تعتمد مؤثرات المشهد الدرامي، بينما كان مشهد الجار الذي لم يستطع الانتحار بالكازويل أكثر إنسانية وحزناً بالرغم من صمته واستخدام جملة واحدة لم تتغير في المشهدين أو الثلاثة المكررة أيضاً.
أدخل المخرج ـ منضماً إلى قافلة الساخرين ـ الجندي العراقي، (ومن الغرابة أيضاً أنني وحتى هذه اللحظة وجدت ما يقرب من 5 أفلام عربية وعالمية عرضت في المهرجان ليس لها هم كما يقال إلا القضية العراقية والاحتلال الأميركي للعراق ومآسي العراق والطريف في الأمر أنهم يحملون همّاً وهميّاً ينظر العراقيون له باستغراب) وكأنهم يسألون ما المبرر في هذا الاستخدام .. هل هذا الجندي هو النموذج العراقي الذي حارب في عام 1948، والذي بدا مغفلاً، لا يعرف أين الطريق، ولكن ممن أراد ايليا سليمان أن يسخر، لم يبق شيء لم يسخر منه حتى أن العربي ـ المشاهد ـ صار مازوشيا يستطعم السخرية من ذاته ويتلذذ بها.
الدلالة التاريخية
يستخدم ايليا سليمان الأغنية، الفيلم التاريخي، سبارتكوس ـ ثورة العبيد ضد روما، لغرض الدلالة التاريخية لزمن الأغنية والدلالة الرمزية للفيلم، وهذا ليس جديداً في السينما السيرية، وجدنا ذلك في المهرجان نفسه حيث استخدم أحمد ماهر في فيلمه «المسافر» هذه التقنية. وهي ذاتها تماماً في أغلب أفلام السيرة الذاتية حيث يحمل العناصر ذاتها من وجهة نظر تقنية التضمين «الأغنية» و»الفيلم».
الموضوعي في الفيلم مخلوق من خارج النص، فلنقل لا يمت إلى القصة بصلة إلا صلة الموقف «بائع الجرائد» الذي يصرخ: كل العرب ببلاش والوطن غير موجودة.. وكأن هذه الأجزاء يمكن إدخالها في النص السيري بأي زمن من زمن الحكاية منذ 1948 و حتى هذه اللحظة إذ الأزمان متشابهة والمواقف الانتقادية تصلح لكل الأزمان.
في كثير من المشاهد لم يستعن المخرج بالسيناريو لدلالة الصورة ولوضوح رؤيتها وغايتها وهو في ذلك تحقيق للمعنى خارج إطار اللغة يقابلها كما قلنا في مقاطع أخرى اعتماد اللغة لا الصورة.
رصد الفيلم عالماً متغيراً من تراجيديته الهائلة، ومأساويته المفرطة إلى كوميديا شفيفة حتى وإن استخدمت فيها الدبابات والقنابل والمتفجرات فإن البناء يتجه نحو السخرية، مشهد الفتى الفلسطيني الذي يذهب ليلقي بالزبالة في حاوية الشارع وفوهة الدبابة التي تتابعه ذهاباً وإياباً.
كوميديا ساخرة
أتذكر أن مهرجاناً عربياً للشعر عقد تحت شعار «كل شيء من أجل المعركة» وهذا يتناغم لغوياً «كل» فعل الأمر المجزوم بمعنى فلتأكل.. هنا يمكن أن نخلق من الغاية المأساوية كوميديا ساخرة ناقدة بشكل ظريف.. بعيداً عن كل التاريخ المأساوي من 1948 حتى الآن.
وأخيرا فلنقل إن محمود درويش لم يتخل يوماً عن مأساوية حكايته ولم يختلق أجواء ساخرة بل ظل ضمير الشعر عند النخبة الإبداعية العربية وعند الجماهير.
فيلم «الزمن الباقي» فلسطيني بـ 105 دقائق بلغة عبرية وعربية وبترجمة إنجليزية وكان العرض الأول في الشرق الأوسط من إنتاج ايليا سليمان ومايكل جنتيل وإنتاج تنفيذي هاني فارس وتصوير مارك أندريه باتيجن وموسيقى بييه ميترنيز وتمثيل علي سليمان وايليا سليمان وصالح بكري وميناش لوي وياسمين حاجي وليلى معمر.

اقرأ أيضا