الاتحاد

دنيا

القرية العالمية تستضيف «الكون» فوق بساط من الترفيه

أجواء ترفيهية لمتعة عائلية في القرية العالمية

أجواء ترفيهية لمتعة عائلية في القرية العالمية

ها هي دبي مجدداً تشرّع صدرها للريح، وتفتح ذراعيها محتضنة الجغرافيا، وتربت بأكفها الخضر على صفحات التاريخ.. ها هو العالم مجدداً في ضيافة المدينة المسكونة والمحاطة بألغاز الدهشة، والمسورة بأحاجي الإنجاز.. دبي هي حقاً موئل للأنظار المشدوهة، ومحطة للعقول الباحثة عن معنى جديد للتميز، وفسحة إضافية للحلم الجميل. وإذا كانت المقولة المنبعثة من فورة الاتصالات التي شهدها العصر الحديث قد زعمت أن العالم بات قرية واحدة، فإن ما تشهده القرية العالمية في دبي راهناً، من حضور طاغ لمختلف حضارات العالم وثقافاته، يضع تلك المقولة في خانة التنفيذ، ويحولها إلى حقيقة تصاغ وتعاش وتحتمل كل أشكال التأويل.

(دبي) - يتناغم العالم في القرية العالمية بدبي وتتجاور إرهاصات شعوبه، ويصير ممكناً اجتياز مفاصله الحيوية في فترة قياسية من عمر الزمن الجديد، زمن متسارع في الإبداع والإدهاش إلى حدود الإرباك، هذا ما لابد أن يخالجك بينما أنت تطوي جناحاً من أجنحة القرية لتدلف نحو آخر، جولة معمدة بالفرح في أروع أرجاء العالم الذي كان يحيط بك، وصرت قادراً على الإحاطة به بفعل دبي وقريتها العالمية، حيث تتجاور الأجنحة المشيدة المستوحاة من ثقافة الدولة المعنية، فإذا بالتجول بين جناح وآخر يكاد يعادل سفراً ممتعاً بين بلاد وبلاد.
الجناح الإماراتي
هنا القرية الإماراتية في متناول البصر، مزيج من الأناقة والفخامة والهدوء يخيم على المكان، عطور، وأزياء، ومصوغات شرقية مزخرفة تبوح بحكايا ليال مؤنسة، وهناك أيضاً سيدات إماراتيات يصنعن الأطايب المشهورة من لقيمات وسواها، براعة متوارثة تطرح نفسها موضعاً للفرجة، ومرجعاً للمهارة الإنسانية في صورها الأرقى، انصراف السيدات إلى أعمالهن بصمت مطبق يعكس جدية ما في الأداء، مجدداً ترحب بك الإمارات في الإمارات، وتدعوك إلى مائدة الطعام، بعد أن تكون قد أتخمت بوليمة النظر. من الجناح الإماراتي.
وتوضح آمنة الكثيري أن مشاركتها في تصنيع العطور وبيعها تهدف إلى تعريف العالم بالمنتج الإماراتي المميز على هذا الصعيد، وتوضح أنها سبقت لها المشاركة في مواسم سابقة وقد شجعها الحضور على معاودة الكرة لكون أصنافها قد لاقت قبولاً، حيث بلغ الطلب عليها حداً غير متوقع.
وأعربت آمنة عن سعادتها بالمشاركة، واضعة الأمر في خانة الرعاية التي تمنحها الدولة الإماراتية لمواطنيها، حيث تتيح لهم فرصة عرض منتجاتهم على جمهور متنوع، كما تساعدهم على التواصل مع أناس من جنسيات شتى، لكل منهم تجربته وخصوصيته، الأمر الذي ينعكس بصورة ثراء في التجربة.
القرية جذبتهم
يؤكد محمد أحمد أنه لا يمل من زيارة القرية التراثية، وهو يفعل ذلك بصورة شبه يومية، وفي كل يوم يعثر على جديد فاته في الزيارات السابقة، ويشرح محمد “إنه العالم بأكمله، فهل بوسع أحد أن ينتهي من العالم في زيارة أو أكثر؟” أما بدرية مصطفى؛ فتقول إن فعاليات القرية هي من الأنشطة التي تنظرها مع عائلتها من عام إلى آخر. وتضيف “نتساءل عن الجديد الذي ستحمله لنا، وما هي العناصر المدهشة الإضافية التي ستذهلنا مجدداً؟”
وعن الإضافة التي مثلتها الفعاليات هذا الموسم توضح بدرية، أنها فوجئت باختراعات علمية زهيدة الثمن لكنها بالغة الفائدة، وهي ذات توجهات طبية، مشيرة إلى أن في العالم الكثير من عناصر المفاجأة، ولكن السؤال يبقى في معجزة إحضار العالم إلى منطقة واحدة.
من جانبه، يكشف علاء شرف أنه يكيف مواعيده ونشاطاته ليكون بوسعه الاستفادة من فعاليات القرية التراثية، ويضيف “حتى لو تصادف موعدها مع مواعيد سفري فإنني أؤجل السفر، ذلك أن السفر بوسعه أن يأخذك إلى مكان واحد، أما القرية العالمية فهي لقاء مع كل الأمكنة”.
ألعاب عملاقة
ويوضح محمد سعيد “مصري”، أنه يشعر بسعادة بالغة هو وعائلته وسط هذه الألعاب العملاقة التي تدور في الفضاء، حاملة في ثناياها مجموعة من الأطفال الباحثين عن المتعة النقية، الجميع أطفال في حضرة الدهشة، ويضيف: أعجبتني الأزياء النسائية التي تبوح بأسرار الروعة المتقنة، وهناك عطور ودخون وأدخنة تتصاعد مبدية سطوتها على المكان، وأصناف وعصائر متعددة عرفت منها شيئاً وغابت عنك أشياء، وكأن الزائر على موعد ما مع غياب يحضر فجأة، فيكون رونق وجوده متمماً لروعة الغياب، تسر لنفسك مبتسماً: ثمة الكثير مما نقصك قبل أن تستضيفك دبي في رحاب قريتها العالمية، وقد آن أوان الاكتمال.
عسل نافع
ومنذ الخطوة الأولى يبادر بائع العسل اليمني حسن الورادي إلى تبيان منافع أصنافه: ثمة عسل نافع للأطفال يساعدهم على النمو، ويحصنهم من الإصابة بالأمراض، وهناك صنف ثان مفيد للمصابين بمرض السكري، حيث يسعهم تناوله دون خشية من مضاعفات، أما الصنف الثالث، وقد أطلق عليه اسم عسل ليلة الخميس، فهو نافع للرجال، ولا يجد محدثنا حاجة للاستفاضة في الشرح.
ويضيف الورادي أن الجناح اليمني، بملامح الناس وخناجرهم التي تزين الخصور، وابتساماتهم المنتزعة قسراً من براثن الزمن المتجهم، يزخر بقدور العسل وأوانيه المزخرفة، والتي تتفوق على كل ذلك تحيات تشبه العسل تنثال من الجميع، وبراعة في تسويق المنتجات تبدو كما لو أنها جزء من التكوين الطبيعي، فالمشاركون لا يجدون صعوبة في التحدث إلى الزبائن، عن أصنافهم التي تكاد لا تنتهي، ولكل صنف قصة وحكاية، وطقوس استخدام، ووظائف حياتية أيضاً، فهذا هو اليمن السعيد وأهله الطيبون.
زمن المتاهة
أما جناح تركيا فقد تزين بألوان دافئة، ومصنوعات تشي بكثير من الاحتراف، هنا صور النجم المحبوب، كليفانش تاتيلوك “مهند” تغطي الوسائد الموحية بنوم مريح، حيث يقول أحمد العلي “سورى”، أحد زوار القرية: أعجبتني نكهات التوابل، وشذى العطور، والزخرفات الفنية التي تمنح الزجاج الكثير من الغنج والوقار في آن واحد، وهنا لا يسعك سوى أن تتفرس في كل ما يحيط بك مستوحياً بلاداً واسعة سمعت عنها الكثير، لكنك تشهد للمرة الأولى تكثيفها بهذا القدر من الاختصار والترميز في جرعة بصرية واحدة.
ويضيف العلي: تحتار ما الذي عليك أن تنتخبه من الصورة، وما الذي يجدر بك إلغاؤه لتمنح المشهد فرصة التوازن: الوجوه العاملة كل في مجاله، الأطعمة التي تشهد تكونها للمرة الأولى، وإن كان لا يصعب التكهن بمذاقاتها، الأشياء المتنوعة المبتكرة التي يحاول كل منها أن يروي حكاية نشأته، ويقدم سيرته الذاتية شارحاً كل ما جال في رؤوس مصمميه قبل أن يبصر النور.
في ضيافة الفراعنة
في الجناح المصري الكثير مما يستحق أن يروى، وأن يبقى طويلاً في ضيافة الذاكرة، جاء المصريون إلى القرية العالمية محملين بتاريخ سحيق يتناسب مع الموقف، الفراعنة هناك بأزيائهم الموشاة، وأغطية الرؤوس، والملامح التي يتنازعها الحزن والفرح بتناوب مثير للدهشة. وفي صميم القرية المصرية يقف القبطان المتقاعد محمد إدريس في محترفه الفني الاستثنائي ليشرح ما الذي يحصل هنا: ستوديو تصوير تضج في خلفيته آثار فرعونية موغلة في القدم: العربة الحربية التي قادها الفراعنة، وقد أعيدت صياغتها بحرفية متقنة تماماً كما هي في الأصل، الحصانان من البوليستر، وقد تمت تغطيتهما بجلد البقر، العربة تستوفي المقاييس نفسها، كذلك هناك العرش الفرعوني، كرسي الفرعون ووالدته جنباً إلى جنب، وفي الصور المتنوعة التي يتم استدعاؤها بواسطة تقنيات متنوعة تقع على الكثير من معالم الحضارة المصرية، وفي مقدمتها الأهرام. يوضح إدريس أن الهدف من إقامة الاستوديو على هذه الصورة الباذخة يتمثل في إظهار الثراء الهائل الذي تحظى به الحضارة المصرية، وهو يتخطى بالتالي معادلتي البيع والشراء أوالربح والخسارة.
باعة الياسمين
وهناك أجنحة متعددة تحملك إلى حيث لم تطأ أقدامك من قبل، وفي كل ساحة أنت على موعد مع مزيد من الدهشة، السعودية أرض النخيل جاءت بتمرها المتنوع، تخبرك حكايا لم تتسع لها الأيام الماضية، رائحة القهوة العربية تعصف بالمكان، والقوم مضيافون يأبون أن ترد دعواتهم لتذوق التمر في أعقاب رشفة من القهوة، ومع كل استضافة عابرة ستسمع أقوالاً وستصغي إلى أحاديث شيقة، وستكون لك حصيلة من المعلومات لم تكن تمتلكها قبل قليل من الوقت. أما الجناح السوري فيومئ إليك من مسافة قريبة، وفي مدخله سيستضيفك باعة “التمر هندي” بثيابهم المزركشة وأباريقهم العملاقة، وبتفاصيل شتى يحملون بها نداءاتهم الضاجة في أعماق المكان. يهتف أحدهم بخبرة لا تدارى “أنا بياع الورد والياسمين”.
ثم يصمت مترصداً ردة الفعل من المارة، وعندما يلحظ ابتسامة خجلى من بعض الصبايا العابرات بقربه، يتابع مازحاً “أنا بياع الحلوين!” فتتسع الابتسامة، ويزداد الخفر الأنثوي توهجاً فوق الخدود الفتية. وداخل الجناح السوري ستجد ما يغويك بالاستكانة إلى نداء الراحة من عناء المسير، آرائك توحي بالدعة والطمأنينة، مفارش تنم صناعتها عن كثير من الذوق، يتزامن ذلك مع انحسار الشمس عن عرشها السماوي ودخولها في جوف الأزرق المائي معلنة نهاية نهار وبداية ليل. والياسمين الدمشقي يطل مجدداً، ولكن عبر قوارير عطر يبدو صاحبها متمكناً من خلطاته، تتحرك الأنامل الخبيرة بين الزجاج ببراعة يصعب تجاوزها، ليست فعالية العطر مقتصرة على حاسة الشم وحدها، فالعين لها نصيب منها، وكذلك الأذن التي يخترقها نداء البائع بصوت محمل بشجن عتيق.

سيمفونية كونية
يفترش الليل جناحيه على القرية وأهلها، والموسيقى تنبعث من أمكنة متعددة مانحة هذه الدنيا الصغيرة ما تحتاجه وتستحقه من سكينة وألفة، لن تحتاج إلى كثير من الجهد لتستنتج أن نغمة تنبعث من هنا ستتكامل حتماً مع مثيلة لها تنبعث من هناك، وستتناغم الاثنتان مع ثالثة تصدر من هناك لتكون الحصيلة سيمفونية كونية متسقة ومتوافقة بالرغم من كل ما يثار حول مزاعم الاختلاف.

اقرأ أيضا