الاتحاد

تقارير

أفغانستان... افتراق طرق «طالبان»

في الآونة الأخيرة بدا أنه لم يعد بمقدور "طالبان" أن تجلس ساكنة في انتظار حدوث الخطأ الأميركي التالي. فخلال الأشهر الثلاثة الماضية، أجبرت سلسلة من الحوادث الخطيرة القادة العسكريين والمسؤولين الأميركيين على اللجوء بشكل متكرر إلى أساليب إدارة الأزمات للتعامل مع التداعيات المدمرة لتلك الحوادث. وعلى رغم ذلك فإن تمرد "طالبان" لم يستفد بشكل كامل من الانتكاسات الأميركية، وهو ما يرجع جزئيّاً إلى انقسام الحركة على ما يبدو حول استراتيجيتها.
وفي هذا الشهر، علقت قيادة الحركة بشكل مفاجئ اتصالات السلام التمهيدية مع الأميركيين، في خطوة نظر إليها من قبل البعض على أنها تكتيكية ومؤقتة، ولكنها فسرت من جانب آخرين على أنها تعكس جدلاً داخليّاً في الحركة حول ما إذا كانت المفاوضات تمثل خياراً يمكن اللجوء إليه في اللحظة الحالية.
فالبعض داخل الحركة يعتقد أنه قد يكون من الأجدى الانتظار حتى انتهاء الوجود الأميركي بدلاً من الجلوس إلى طاولة المفاوضات في الوقت الراهن.
والمتمردون الأفغان على معرفة بالدعوات المتصاعدة في الولايات المتحدة لتسريع عملية الانسحاب العسكري من أفغانستان، وهي دعوات ارتفعت أصواتها أكثر عقب مذبحة قندهار التي أسفرت عن مصرع 17 قرويّاً أفغانيّاً وجهت إلى رقيب أول بالجيش الأميركي تهمة قتلهم. ومع اقتراب "موسم القتال" في الربيع يرى المقاتلون الميدانيون في الحركة أنهم لن يكونوا بحاجة لشن هجمات واسعة النطاق من أجل إزالة نفوذ وسيطرة القوات الغربية، وعلى وجه الخصوص في المناطق الريفية حيث تقل الثقة في القوات الأميركية حتى من قبل حدوث مذبحة قندهار.
ونظراً لأن بيانات "طالبان" كانت كثيراً ما توصّف الأعمال التي تقوم بها القوات الأميركية باعتبارها فظائع، فإن الحركة بدت مترددة لفترة قصيرة بشأن كيفية الاستجابة لسلسلة الأحداث الأخيرة التي أغضبت العديد من الأفغان مثل قيام جنود من "المارينز" بالتبول على جثث ثلاثة من مقاتلي "طالبان"، ثم حادثة حرق نسخ من المصحف الشريف بطريق الخطأ في قاعدة أميركية، وبعد ذلك مذبحة قندهـار الرهيبـة التي كان 9 من ضحاياها السبعة عشر من الأطفال.
وكما يمكن أن نتوقع فقد أصدرت "طالبان" بيانات غاضبة احتجاجاً على تلك الأحداث، ولكنها لم تقل إن أيّاً منها كان هو السبب الذي دعاها لمقاطعة المحادثات التمهيدية التي كان مقرراً إجراؤها مع الأميركيين، وإنما أشار قادتها إلى ما اعتبروه شروطاً "غير مقبولة" وضعتها الولايات المتحدة، يعتقد أنها تتعلق أساساً بتأخير إجراءات نقل خمسة من سجناء "طالبان" المهمين المحتجزين في معتقل جوانتانامو، في كوبا، إلى العاصمة القطرية الدوحة.
ولكن البيانات اللاحقة من الحركة أوضحت بجلاء أن المتمردين كانوا يركزون على الوسائل التي يمكنهم من خلالها تأجيج العداء الشعبي ضد أميركا على خلفية مذبحة قندهار. وعند إعلان التهم الرسمية الموجهة إلى الرقيب أول الأميركي "روبرت بيلز" سخرت "طالبان" من فكرة أن أي عقوبة تقوم المؤسسة العسكرية الأميركية بإنزالها بالرقيب المذكور ستتناسب مع جسامة الجريمة المرتكبة، كما أعادت ترديد مزاعم بعض المسؤولين، وبعض القرويين الأفغان، التي قالوا فيها إن العديد من الجنود الأميركيين قد شاركوا في ذلك الهجوم، في حين يصر العسكريون الأميركيون على أن "بيلز" هو الفاعل الوحيد.
ومن بين الأسلحة المعتادة في ترسانة "طالبان" التي تلجأ إليها دائماً، تصوير حكومة الرئيس حامد كرزاي بأنها "تابع أميركا المدلل". وفي سعيه لإزالة تلك الصفة عن نفسه اتخذ الرئيس الأفغاني موقفاً متشدداً ومتحديّاً للغاية تجاه حلفائه الأميركيين، حيث دعا إلى سحب القوات الأميركية من المناطق الزراعية مثل المنطقة التي حدثت فيها مذبحة قندهار، كما أبدى تشدداً في شروطه المتعلقة بالتوصل إلى اتفاقية طويلة الأمد تتعلق بالوجود الأميركي في أفغانستان بعد عام 2014 الذي تنتهي فيه المهمة القتالية لحلف "الناتو" في ذلك البلد.
وتبدي قيادة "طالبان" اهتماماً شديداً بالبيانات الرسمية المتعلقة بعديد القوات الأميركية الذي وصل العام الماضي إلى أعلى رقم له حيث بلغ 100 ألف جندي وتقلص في الوقت الراهن إلى 90 ألفاً. ومن المنتظر أن يتقلص أكثر في الخريف بحيث يصل إلى 68 ألف جندي. وكان الجنرال "جون آلين" قائد قوات "الناتو" في أفغانستان قد ضغط على الكونجرس الأميركي الأسبوع الماضي من أجل الحصول على فترة مهلة مؤقتة يتم خلالها إيقاف الانسحاب، بعد الوصول إلى ذلك العدد.
أما إذا ما تغلبت رؤية أوباما بشأن سحب القوات تدريجيّاً حسب الجدول الموضوع فإن "طالبان" ستتشجع في هذه الحالة باحتمال مواجهة قوات أميركية قد يتناقص عددها بشكل أكثر حدة عما هو عليه حاليّاً. وفي معقل "طالبان" في الجنوب بدأ مقاتلو الحركة في الحشد استعداداً لزيادة النشاط المتوقعة التي تصاحب عادة ذوبان الثلوج وارتفاع درجات الحرارة التدريجي. بيد أن قائداً ميدانيّاً في إقليم قندهار مسؤول عن خلية صغيرة من المقاتلين قال إنه ليست هناك حاجة لتقديم تضحيات كبيرة في ميادين القتال فقط من أجل إزعاج عدو هو بالفعل في حالة تقهقر.
وقال ذلك القائد: "انظروا ما يمكننا أن نفعله بهم من خلال الألغام التي نقوم بزرعها على جوانب الطرق، والتي تصيبهم بمجرد أن يغادروا قواعدهم، وما نفعله كذلك من خلال تذكير الناس في القرى بالضرر البالغ الذي تلحقه القوات الغربية بهذا البلد" وفي الأخير أضاف القائد المذكور بنبرة قاطعة: "ليس هناك أحد يستطيع أن يقول إن هذه ليست هي الحقيقة".

لورا كينج
كابول - أفغانستان

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي إنترناشيونال»

اقرأ أيضا