الاتحاد

الملحق الثقافي

مخاطر النظر إلى المرآة

د· علي بن تميم

د· علي بن تميم

أذكر أن الطهطاوي في زتخليص الإبريزس قد دخل مقهى في باريس تعد المرايا ركيزة أساسية في ديكوره، وقد ساعدته مرآة المقهى في اكتشاف ذاته ومقارنتها بالآخر· ومنذ تلك اللحظة أصبحت المرآة رمزا مهما في موضوع الآخر، وانتقلت من كونها رمزا سلبيا إلى رمز إيجابي في الثقافة العربية·
ويبدو لي أن وضعية المرآة في التراث العربي تستحق الدراسة، وهي وضعية غنية وعجيبة في الوقت نفسه، وترتبط بأسطورة نرسيس الذي تماهى مع ذاته على مياه ستيكس، وهذا التماهي قاده إلى الهلاك، ومن هنا فإن العربي قديما يمقت النظر إلى الماء، ويحذر كتاب العين ولسان العرب من النظر إلى الماء مستندا على حديث غريب، وهو زلا يَتَمرْأَى أَحَدُكم في الماءس· ورغم أن العرب قد جلبوا إلى الجزيرة العربية المرآة الرومانية من صيدا تلك التي صنعت في القرن الأول الميلادي وكانت عبارة عن رقاقة ذهبية فجة تعكس الصور، وتصنع من الزجاج، إلا أن المرآة ظلت مرتبطة لديهم بالماء، والماويّة في اللغة هي المرآة؛ ويبدو لي أن الماهية التي تردّ إلى الذات كانت تحويرا جميلا للماوية·
والغريب أن هناك حكايات عربية كثيرة تعيد قراءة حكاية نرسيس الذي قاده النظر في الماء إلى أن يعشق ذاته ويموت، وهنا يمكن ذكر حكاية الحطيئة الذي اطلع على وجهه في الحوض، ثم قال:

أرى لي وجها شوه الله خلقه
فقبح من وجهٍ وقبح حامله

والحطيئة على خلاف نرسيس، فإذا كان نرسيس يعشق وجهه فإن الحطيئة ينفر من وجهه، والنظر في كلا الحكايتين سلبي، فنرسيس يموت بعد النظر إلى صورته في الماء، في حين الحطيئة ولأول مرة في التراث العربي يقوم بهجاء ذاته، ولربما هذا يعود إلى تجربة الحطيئة الإنسانية بشكل عام، تلك التي قادته إلى أن يعاني من نقص شديد في احترام الذات بسبب ظروف اجتماعية خاصة· ويتجلى نرسيس مرة أخرى في يوسف عليه السلام الذي نظر إلى المرآة، فقال: لو كنت عبدا من يستطيع أن يشتريني، ولذلك فإن الله قد عاقبه ليباع بأبخس الأثمان· ثم أن سليمان بن عبد الملك نظر في المرآة فأعجبه شبابه وجماله فقال: أنا الملك الشاب· فما دار عليه الشهر حتى مات مثل نرسيس· وأبو العلاء في رسالة الغفران يذكر حكاية عن بعض ملوك الهند، وكان شابّاً حسناً، أنّه جدَّر فنظر إلى وجهه في المرآة وقد تغير، فأحرق نفسه وقال: أريد أن ينقلني الله إلى صورة أحسن من هذه·
ولذلك ليس من المستغرب أن يحذر أبو إسحاق من دوام النظر إلى البحر والمرآة· لأنها تورث البصر خواراً، والجسم ضموراً·


ali@althakerah.net

اقرأ أيضا