الاتحاد

دنيا

«المعقّصة».. يد خبيرة تجدل الفرح في رؤوس الفتيات

تجديل شعر الصغيرات ينشر الفرحة في قلوبهن

تجديل شعر الصغيرات ينشر الفرحة في قلوبهن

كانت تجلس في الحوي على طرف من المنزل، تلتم حولها الصغيرات بشعور مغسولة مبلولة، وتجلس أمامها فتاة منهن، لتمشط شعرها، هذه هي “المعقصّة” أو “المعجفّة” كما يطلق عليها محلياً، وهي الماشطة كما تعرف في كثير من الدول العربية، كانت مهنتها “خبيرة تصفيف الشعر”! لقب المعقصة يأتي من كلمة “العقص” وهو الظفيرة، هي كلمة فصيحة ففي المعجم الوجيز: عقصت المرأة شعرها عقصاً أي لوته وأدخلت أطرافه في أصوله، وبنفس المعنى تستعمل كلمة “العجفة”، لكنها محلية وليست فصيحة.

عن جمال الشعر والعناية به في الزمن القديم تقول الوالدة “أم سلطان”، وهي إحدى العارفات بشؤون التراث: بشكل عام لم تكن الزينة أكبر هموم المرأة الإماراتية في ذاك الزمن، لكنها كانت مكملة للفرحة، كانت المرأة تهتم بما يجعلها نظيفة ومقبولة الشكل لا أكثر، لكنها لم تكن مهووسة بالجمال تسعى له دوماً، لأن “الزين من زانت معانيه”، أي أن الجميل من كانت أخلاقه جميلة، وكان هذا مبدأ الحياة في تلك الفترة.
بالطبع هذا لا يعني أن المرأة الإماراتية كانت تهمل نفسها، على العكس كانت مظاهر العناية بسيطة تماماً كبساطة ذاك الوقت، تتابع أم سلطان:
العناية بالشعر كانت من أهم مكملات المرأة، فالشعر المطلوب في ذاك الوقت كان الطويل الأسود اللون، لم يكن الشامبو معروفاً فكان الاهتمام ينصب عبر غسله بالمواد المتواجدة وعلى رأسها السدر الناعم (وهو ورق شجر السدر يجفف ويدق ناعماً ثم يستعمل مثل الشامبو).
ولأنه مجاني تقريباً كان السدر غسول الشعر للرجال والنساء جميعاً، بالإضافة إلى “الطين الحمر”، وهو طين يجلب من مناطق إيران، ويستعمل أيضاً لغسل الشعر مما يكسبه نعومة ولمعة، ولكنه لم يكن يستعمل بشكل واسع لكونه يباع في الدكاكين ولا يتوافر مجاناً كالسدر.
العناية العادية
بشكل عام كانت المرأة عندما تغسل تفتح ضفائرها وتغسل شعرها بالسدر مرة في الأسبوع، وفي باقي الأيام كان الاستحمام يتم بالماء فقط، تتابع أم سلطان: كان الماء يجلب من (...) في عملية شاقة تقوم بها النساء مرة أو اثنتين يومياً، وكان أكثره يستعمل للطبخ والوضوء وسقي المواشي ولغسل الجسم دون الشعر، فغسل الشعر الطويل كان شاقاً بشكل يومي، لذا كانت أكثر النساء يكتفين بغسله بالسدر مرة في الاسبوع، وقبل غسله كان الشعر يحضر بوضع “الحلّ” وهو الزيت المحضر محلياً والمعطر ببعض المسك والعنبر، ثم تسريح الشعر عبر فرقه من منتصف الجبهة إلى نهاية الرأس، بعد ذلك يصار إلى غسله وتجفيفه تمهيداً للتسريح.
وكانت المرأة غالبا ما تقوم “بتعقيص” كل جزء بعقص منفرد، وضم نهاية العقصين بشكل واحد، وأخيراً دهن الشعر ببعض “الياس” و”المحلب” أو “البضاعة” وهي مسحوق عطري من الورد والفل والزعفران والكيذا أو الكاذي.
دور المعقصة
أما دور المعقصة فكان يبرز أيام الأعياد والأعراس واقتراب موسم القفال (وهو عودة الغواصين من البحر) تقول أم سلطان: تتسابق النساء على الحظو بالمعقصة في هذه المناسبات، وتبدأ المعقصة عملها قبل العيد بعدة أيام تقريباً، تطوف من بيت لآخر لتجدل لصاحبته وبناتها شعورهن بتسريحات مختلفة، مثل “الشونقي” و “الثنية” و”الزلوف” و”السوط” وغيرها، وكان لكل امرأة تسريحتها الخاصة بحسب عمرها ونوع وطول شعرها، وأخيراً مناسبتها القادمة.
عن المعقصات تقول أم سلطان: كان عمل المرأة في ذاك الوقت محصوراً ببيتها كالخياطة مثلاً، وقليل جداً من المهن تلك التي تتطلب عملًا خارج المنزل ومن بينها “المعقصة” ، فهذه المرأة عادة تكون ماهرة في تسريح شعر البنات، وخبيرة في احتياجات الزينة النسائية المختلفة، وربما تعمد أيضا إلى إعداد الخلطات الجمالية والعلاجية البسيطة كعلاج الصداع أو الدوخة أو حتى “رفع البلاعيم” للصغار.
المعقصة «الزينة»
تتناقل النساء أخبار المعقصة “الزينة” ويتسابقن عليها، حتى أنها قد ترفع أجرها لأنها مرغوبة، تقول أم سلطان: كانت المعقصة الأمينة على أسرار البيوت، وصاحبة اليد “المبروكة” التي يكثر الشعر ويزداد طولًا بعد أن تسرحه هي الأكثر طلباً من النساء، فالنساء يحببن المعقصة التي لا تحاول “مساحبة” الصغيرات بالكلام لمعرفة ما يدور في بيوتهن من قصص، وبالطبع يردن التعامل مع صاحبة الظفائر الأجمل والأكثر بقاء، فبعض المعقصات كانت تسريحاتهن وظفائرهن لا يتغير شكلها حتى أسبوع من التجديل.
أنواع التسريحات
من التسريحات النسائية الشائعة في المناسبات، ما يسمى “العجفة” أو “الشونقي” وهي جدائل كثيرة تنطلق من وسط الرأس بشكل دائري تجمع نهاياتها معاً، ثم يعطر الشعر ببعض المواد العطرية كالمحلب والزعفران أو المخمرية لتبقى رائحته عطرة إلى أن يحين موعد الغسلة القادمة.
تساوي فرق الرأس كان من الأمور الجمالية المهمة، تتابع أم سلطان: من أهم النقاط التي تركز عليها النساء فرق شعر الرأس بشكل مستقيم من الجبهة إلى نهاية الشعر، وكان أي خلل في فرق الشعر يعتبر عيباً جمالياً في المرأة، حتى أن بعض الأمهات يبالغن في الحرص على هذا “المفرج” أو “الفرق” فيصلن إلى حد “وسم” رأس الصغيرة بطرف دبوس أو إبرة للحفاظ على شكل الفرق المستقيم طوال العمر.
عن تسريحات البنات، تقول أم سلطان: كان شعر البنات يجدل بطريقة “البسايل” وفيها يقسم الشعر من منتصفه ثم “يسف” كل طرف أي يجدل، ثم يدخل طرف الجديلة “العقص” بالجديلة الأخرى بطريقة تقليدية أنيقة، ثم يعقد بشريط من القماش كانت الأمهات عادة ما “يشقنه من الوقاية الجديمة” أي يقطعنه من أغطية رؤوسهن القديمة.
مستحضرات الشعر
وتكمل أم سلطان: مع أن المعقصة كانت تجلب أدواتها الخاصة لتمشيط الرؤوس المنتظرة، إلا أن لكل امرأة عدتها الخاصة لجمال الشعر، وتتكون عادة من السدر المطحون لغسل الشعر، الحناء وعادة ما كانت الكبيرات في السن فقط هن من يخضبن شعورهن به، أو يستعمل لعلاج الأمراض مثل الثعلبة والصداع الدائم وزغللة العين عبر تحنيه الشعر به.
أيضا هناك “ الحل الحلو”، وهو زيت محلي يضاف إليه بعض المسك أو العنبر وقليل من الدهون العطرية، ويسمى في بعض المناطق “ المعذّب”، و”حل الناريل” وهو زيت النارجيل الذي كان يجلب من الهند، البضاعة (وهي خليط من الأعشاب العطرية، والمشوط التي كانت خشبية يجلبها المسافرون من الهند وزنجبار، والمخمرية وهي مزيج عطري سائل تصنعه نساء خبيرات مازال يستعمل لليوم لتعطير الشعر، والمحلب والزباد، ( وهو نوع من الطيب يجمع من بين أفخاذ قط أفريقي).

اقرأ أيضا