الاتحاد

تقارير

أمن الحدود الأميركية... مخاطر العسكرة

بعد مضي ما يقارب العام من الحوار بين مسؤولي وزارة الأمن الوطني ومختلف الوزارات والأجهزة الدفاعية، أعلن أوباما قبل أسبوعين اعتزامه نشر 1200 من جنود الحرس الوطني على الخط الحدودي المشترك مع المكسيك، مصحوباً بطلب إلى الكونجرس بالمصادقة على مبلغ 500 مليون دولار بغية تعزيز إجراءات الأمن الحدودي. لكن وقبل المضي خطوة واحدة نحو تنفيذ فكرة نشر قوات من الحرس الوطني، يتضح الخطأ الرئيسي لهذه الخطة. والمقصود بذلك أن نشر القوات لا يأتي في إطار استراتيجية أمنية حدودية أوسع تهدف إلى مكافحة حالة الاضطراب الأمني التي تسببها عصابات العنف والجريمة على الخط الحدودي. وبذلك تبقى الفكرة مجرد استجابة تكتيكية لمعضلة استراتيجية. وإلى أن تتمكن إدارة أوباما من بلورة استراتيجية شاملة للتصدي للاضطرابات التي يشهدها الخط الحدودي المشترك مع المكسيك، فإن نشر أي قوات أميركية هناك يحمل مخاطرة انزلاق أميركا في تصعيد للعمل العسكري الحدودي، دون أن تؤتي هذه المخاطرة أي ثمرة تذكر لها صلة ببسط الأمن والاستقرار هناك.
وكان للقرار الذي اتخذه أوباما بشأن نشر القوات المذكورة، بمثابة إشارة سياسية قصد منها كسب تأييد "الجمهوريين" لمشروع إصلاح قانون الهجرة، الذي يعتزم تمريره عبر الكونجرس. وعلى رغم الترحيب الذي حظي به قرار أوباما، فإن من رأي بعض المنتقدين –وفي مقدمتهم السيناتور جون ماكين- أن نشر 1200 جندي على الخط الحدودي لن يحدث فارقاً يذكر في الوضع الأمني هناك. ولهذه الشكوك ما يبررها، بسبب قلة عدد الجنود الذين تقرر نشرهم على الخط الحدودي، مقارنة بحجم المهمة المناطة بهم.
بل يحق للمكسيكيين أن يقلقوا إزاء عسكرة أوباما للحدود المشتركة مع بلادهم، بدلاً من اتخاذ الإجراءات الأمنية التي طالما نادى بها المجتمع الدولي، مثل إعطاء اهتمام أكبر للحد من تجارة المخدرات، وتجديد قانون منع حيازة الأسلحة الهجومية المنتهية صلاحيته، أو المصادقة على المعاهدة الأميركية المتعلقة بمكافحة التصنيع والاتجار غير المشروعين بالأسلحة النارية. والحقيقة أن الخوف من عسكرة الخط الحدودي كان سبباً رئيسياً وراء الخلاف بين مسؤولي "البنتاجون" ونظرائهم من وزارة الأمن الوطني، حول طبيعة مهام القوة التي سيتم نشرها.
والسؤال الأهم: هل يحدث نشر قوة عسكرية أكبر، فارقاً في الموقف الأمني الحدودي؟ يذكر أن إدارة بوش السابقة كانت قد نشرت حوالي 6 آلاف جندي هناك ضمن عمليتها المسماة "ضربة البداية". وكانت المهمة الرئيسية لتلك القوة المقرر بقاؤها لمدة عامين، هي توفير الدعم اللوجستي تحديداً لقوات الأمن وإنفاذ القانون. ومن المرجح أن تكون هذه هي المهمة نفسها التي ستوكل إلى القوة التي يعتزم أوباما نشرها. وكما هو اليوم، فقد جاءت خطوة إدارة بوش السابقة استجابة للحوار السياسي الدائر بشأن قانون الهجرة في ذلك الوقت مثلما هي اليوم. ولكن لم يؤد نشر القوة المذكورة في عام 2006 إلى حدوث انخفاض ملحوظ في نشاط تهريب المخدرات، ولم تسهم بشيء يذكر في تراجع العنف المرتبط بها، بينما ظل قانون الهجرة بحاجة للإصلاح.
وعليه نخلص إلى القول إن أميركا ليست بحاجة إلى المزيد من الحرس الحدودي، بقدر ما هي بحاجة أكبر إلى إنفاذ أذكى لأمنها الحدودي. ذلك أن التهديد الحقيقي للأمن الأميركي على طول الخط الحدودي الجنوبي المشترك مع المكسيك، هو عصابات الجريمة المنظمة، وليس في مجموعات المهاجرين عبره، حتى وإن كانوا غير شرعيين. يلاحظ هنا أن الهجرة غير الشرعية عبر الحدود قد تراجعت بشكل ملحوظ، جراء الركود الاقتصادي مؤخراً، فضلاً عن تحسين مستوى إنفاذ القانون الحدودي. فعلى سبيل المثال، هناك ما يزيد على 20 ألف دورية من دوريات حرس الحدود، أي زيادة في هذه الدوريات بنسبة 80 في المئة منذ عام 2004. كما ساهم الإنفاق في تكنولوجيا الرقابة الحدودية في تسهيل عمليات الرقابة هذه.
لكن وعلى رغم تحسن وكثافة دوريات الرقابة الحدودية، يلاحظ أن قوة عصابات الجريمة المنظمة قد ازدادت هي الأخرى. صحيح أن معدل الجريمة المنظمة في المدن الأميركية الحدودية لم يسجل ارتفاعاً فلكياً مثلما يدعي البعض، غير أن بعض الجرائم الكبرى مثل القتل والاشتباكات المسلحة مع قوات الأمن والشرطة، إضافة إلى المحاولات المستمرة لإفساد رجال الأمن والشرطة، لا تزال تقع في المدن الحدودية. والعصابات والمنظمات الأشد خطراً هي أذكاها بالطبع، وهي تدرك جيداً كيف تتفادى الوقوع في قبضة قوات الأمن الأميركي، خاصة في المناطق والمحطات التي يتكثف فيها النشاط الأمني. وعليه فليس متوقعاً للأنشطة المادية مثل إنشاء الحواجز وزيادة عدد الدوريات الأمنية وغيرها أن تحدث فارقاً كبيراً في التصدي لجرائم العنف المتصلة بتجارة المخدرات وتهريبها، أو في محاولة المنظمات المتاجرة بها إفساد المسؤولين عن مكافحتها باستمرار.
إذاً فإن المطلوب القيام به على طول الخط الحدودي المشترك بين البلدين هو تبني استراتيجية شاملة تقوم على التنسيق التام بين الوكالات والأجهزة الأمنية الفيدرالية وحكومتي البلدين. وفي وسع استراتيجية كهذه أن تسلط جهودها على الحد من قدرة عصابات الجريمة على الاستمرار في نشاطها بما يشكل تحدياً سافراً لسلطات البلدين. ويتطلب ذلك بالطبع تجفيف الموارد التي تدرها تجارة المخدرات على العصابات المذكورة، إضافة إلى حرمانها من الدعم أو القاعدة الاجتماعية التي تستند اليها، عبر خليط من الترتيبات الأمنية الإقليمية والبرامج الاجتماعية. كما يتطلب الأمر توسيع الترتيبات الأمنية هذه مع بقية دول المنطقة، حتى تتوفر الضمانات لعدم هروب نشاط تجارة المخدرات من دولة لأخرى، حسب الأوضاع الأمنية التي تواجهها هذه التجارة في الدولة الإقليمية المعينة. وفي ذلك ما يدرأ زعزعة تجارة المخدرات لمصالح الأمن القومي الأميركي في المنطقة بأسرها.

جنيفر بيرنال
باحث بمركز "نيو أميركان سكيورتي" بواشنطن

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"

اقرأ أيضا