الاتحاد

دنيا

«قدرات غير محدودة» إثارة «سوبر مانية» تصنعها حبة سحرية

ملصق فيلم  «قدرات غير محدودة»

ملصق فيلم «قدرات غير محدودة»

يتفق العارفون على أن المساحة المستخدمة من العقل البشري لا تتجاوز نسبة مئوية ضئيلة من حجمه الفعلي، أي أن الطاقات الفكرية التي يمتلكها الفرد هي في حقيقتها أضعاف ما يستغله منها واقعاً، ويمكن لعملية توظيف إضافية لإمكانات الدماغ الآدمي أن تسفر عما يصح إدراجه في خانة المعجزات مقارنة بالسائد من الإنجازات المتاحة راهناً، وهي ليست قليلة على أي حال.

إذن فالأعاجيب لا تنتمي إلى الخيال وحده، بل هي تكون من نتاج العقول التي تجاوزت حدودها التقليدية، وطمحت نحو استكمال أبعادها المجهولة، هل يعكس ذلك إيجابية مطلقة تبرر الاطمئنان إلى نتائجها؟ تصعب الإجابة بنعم على هذا السؤال، خاصة عندما تكون المقاربة مستندة إلى قراءة نقدية للعقل الذي لا يبدو دوماً منزهاً عن الغريزة، أو مناقضاً لها، عقلنا أحياناً هو بعض تجليات الرغبة التائقة إلى الربح، وتأكيد الفوز بفوز إضافي، إذن ثمة حالة من الجشع الآدمي التي لا يمكن تبرئتها من لوثة غرائزية تبسط نفوذها على العقول البشرية، حتى المتنورة منها.
بل ربما كان التنوير أحياناً اسماً آخراً للنزق الإنساني والتوق الجامح نحو ما لا حد له من الكسب وتأكيد الذات. العقل قد يحتاج أحياناً إلى عقلنة تحول بينه وبين أن يكون مطلق الصلاحية وبالغ النفاذ.

إفراط سلبي
يمثل ما سبق بعض ما يحاول فيلم «قدرات غير محدودة» أن يقوله، الفيلم من إخراج نيل برغر، بطولة باردلي كوبر وروبرت دي نيرو، وهو يتناول الإجابة على السؤال الذي لم يطرحه أحد، وإن كان جرى تداوله مطولاً تحت عنوان احتمال نظري غير ممكن الحصول، ماذا لو تحرر العقل الآدمي من ضوابط الضرورة؟ ماذا لو خرج عن المألوف والمتعارف عليه؟! ماذا لو أمكن للعقل بوصفه وسيلة إنتاج المعارف أن يعيد إنتاج نفسه بما يجعله عقلاً للعقل؟! تدور أحداث الفيلم حول الخوارق المتوقع حدوثها فيما لو تمرد الناس على المقاييس المعتمدة لمقدراتهم العقلية، وقرروا عدم الاعتراف بالحدود المرسومة، وحاول استنتاج ما ستؤول إليه الأمور حينها، ليخلص إلى أن الإفراط في استخدام العقل من شأنه أن يقود، ككل إفراط آخر، إلى نتائج سلبية، بل تكاد تكون كارثية في حال التمادي بها. وليكون متاحاً بعد مشاهدة الفيلم الركون إلى حقيقة أن حكمة ما تقف وراء تحجيم العقل البشري وتقليص قدراته، ومناطق نفوذه.

في التلافيف
إدي مورا (باردلي كوبر) كاتب مغمور يعاني شحاً في طاقاته الإبداعية، هي حالة يعرفها، ويخاف منها الكتاب، ويميلون لأن يطلقوا عليها توصيف العجز الإبداعي الذي يتماثل مع أشكال العجز الأخرى، ولما كان يعتمد في معيشته على موارده المادية المتأتية من الكتابة، فقد أضحى في ورطة معيشية واجتماعية، ومعنوية أيضاً، حالة من الفقر تجر عليه ويلات الإهانة ممن كان يفترض بهم أن يبدوا حياله الكثير من الود والتقدير.
أزمات متلاحقة تلاحق إدي الذي يدخل في حالة من الكآبة المبررة، وفجأة يأتيه الفرج من حيث لا يحتسب أحد: شقيق زوجته السابقة، الذي يعمل في إحدى شركات تصنيع الأدوية، يعرض عليه تجريب كبسولة مكتشفة حديثاً، هي تنشط المناطق الخاملة في الدماغ، وعندما يرفض إدي الخضوع للتجربة، مدفوعاً بلا يقنية الكاتب الذي يسكن داخله، يلح عليه نسيبه: أن لا داعي للمكابرة، فما أعرضه عليك حبة دواء كلفتها 800 دولار.
هي تتيح للدماغ، بحسب زعم مروجها، أن يضاعف من قدراته، إذن نحن أمام نوع من الاستثمار في تلافيف الدماغ البشري، وما يمكن تخيله من إمكانية تغير العالم من حولنا فيما لو قيض لتلك الجوانب المظلمة في كهوف العقل البشري أن تستمد طاقة مضيئة من خارج حقل التوقعات.
يصعق الكاتب المفلس بثمن الكبسولة، فيقرر أخذها وتأجيل تناولها، لعله كان ينوي بيعها، أو ربما استخلص أن مبلغاً كالذي طرحه الرجل لا يمكن رفضه حتى لو كان متضمناً في حبة دواء مشكوك في أمرها، يأخذ الحبة ويمضي متثاقلاً نحو منزل تأخر في دفع إيجاره، وكل الحيطة التي استخدمها لم تنقذه من صاحبة المنزل، وهي سيدة شحيحة المظهر، يبدو على ملامحها أنها تجيد وتستمتع بإذلال الناس، خصوصاً أولئك الذين يقعون في مرمى يدها. يحاول إدي أخذ الأمور بالحسنى لكن السيدة المتوثبة دوماً لإذلال الناس لا ترتدع، هي تجد فرصة نادرة تدفعها لتضييق الخناق على الكاتب المفلس، حتى أنها لا تتوقف عند حدود المطالبة بالأجر المتأخر، بل تذهب نحو التشكيك بقدراته الكتابية نفسها: إذا كنت لا تجيد عملك فلماذا لا تبحث لك عن عمل آخر؟

في رحاب الفضاء
يشعر إدي بجرح في كرامته المهنية، ويقرر في تلك اللحظة أن يتناول الحبة السحرية وليكن ما يكون.. لحظات قليلة كانت كافية لأن يتحول إلى كائن آخر، صار كما لو أنه يدور حول المكان والزمان.
يرصد الأشياء والتفاصيل من ارتفاع شاهق، وبدقة لافتة، الكتاب الذي تتأبطه المرأة كان كافياً لإفهامه أنها تحضر لنيل شهادة الدكتوراة، والمعلومات الهائلة التي وفدت فجأة إلى ذهنه متسربة من شقوق الذاكرة جعلته يقدم لها النصائح التي تساعدها في الحصول على شهادتها بأيسر السبل، فجأة تحول شعور المرأة في موتجهة إدي إلى نقيضه، عاصفة من الانبهار أطاحت بإحساس التفوق الذي كان مهيمناً إلى لحظات خلت، وصارت مستجدية تتوسل إليه أن تكلم بعد. وفي خطوة سريعة آلت الصلة بين الخصمين اللدودين إلى لقاء حميم.

تطور لافت
لم تكن صاحبة المنزل وحدها التي عصفت بها حبة الدواء، مديرة دار النشــر التي تصــدر أعمال إدي سبق لها أن وجهت إليه من الإهانات ما لا يقوى جبل على احتماله، لم يمض كثير من الوقت حتى عاد إليها يحمل بين يديه كتاباً منجزاً، ويعدها بمثله بعد أيام قليلة، لم يبد الاقتناع على ملامح المديرة، وهي وعدته نزولا عند إلحاحه أن تقرأ بعض صفحاته عندما تجد لديها الوقت، لم يطل الوقت قبل أن يستمع إليها على جهاز المجيب الآلي، وهي ترجوه أن يوافيها بأسرع وقت لأن ما كتبه قد أدهشها.
تتطور المواقف بصور لافتة للاهتمام، كثير هو ذلك الذي بوسع كبسولة دوائية ساحرة أن تجترحه: الأرقام وما تتيحه من فرصة مذهلة للثراء وسط عالم لا يعترف بسواها، الكتابة بطريقة تشبه السحر، اللغات التي صارت في متناول اللسان منذ البداية الأولى للتواصل معها، وأيضاً الموسيقى التي تصبح في حكم تحصيل الحاصل بمجرد أن يقرر إدي تعلمها.

شريك فعال
سوبرمان عقلي يسعه أن يدهش الناس بمقدراته الفائقة، ولا يجد ضيراً في الاعتراف بمصدر قوته: أنا أتناول دواء يساعدني على ذلك.. لعله كان واثقاً أن العقول التي لا زالت محافظة على سعتها المقتضبة لن تصدق قوله، وهو بالتالي لا يحتاج إلى أن يقول ما هو غير حقيقي.
تتالت الأحداث بعد ذلك بسرعة لافتة، شقيق زوجته السابقة يقضي مقتولاً برصاص غرباء، طبعاً لا يحتاج الأمر إلى تحليل للاستنتاج أن الحبة السحرية ليست بريئة من عملية الاغتيال، يستفيد إدي من وفاة الرجل، إذ يعثر في الفترة التي تسبق وصول الشرطة على كمية من الدواء، أيضاً كارل فون لورن (روبترو دي نيرو) وهو صاحب إحدى الشركات العملاقة، يطلب رأيه في تقرير مصير شركته، مشاريع اقتصادية هائلة يصير إدي طرفاً فيها بشكل أو بآخر، بالتأكيد هو يصبح محط استهداف الخصوم نظراً لمحورية موقفه، تُسرق منه الحبوب التي كان أخذها من شقيق زوجته، لكنه يفاجئ الجميع بكونه لا يزال متمتعاً بمقدراته كاملة، ثمة لغز إذن يقبع في العقل المتطاول ذاك، لن يطول به الأمر قبل أن يكشفه.

عقول ناقصة
لا يكتفي الفيلم بالقدر الاستثنائي من الإثارة الذي تتيحه قدرة سوبرمانية ساحرة على اختراق جدار العقل، بل هو يحرص على بلورة مقولة رئيسية من هذا الحراك المزيج من واقع وخيال، إذ إلى استنباط إسقاط مقنع لمقولة الاستهلاك المهيمنة على الذهنية المعاصرة، لقد اهتدى الكثيرون إلى الحبة السحرية، لكنهم تعاملوا معها بوصفها سلعة استهلاكية تمنحهم فرصة تفعيل قدراتهم العقلية اعتماداً عليها، وحده إدي الذي اهتدى إلى إمكانية تسخيرها في تطوير عقله نفسه، فبدلاً من أن يكون العقل مجرد مستهلك للطاقات الخارقة التي تنتج عن الكبسولة السحرية تلك، ما المانع في أن يتحول، معتمداً عليها، إلى آلة إنتاج للخوارق التي تتميز بها، كان الآخرون يتعرضن للموت والقتل بسبب الحبة سواء من جانب الخصوم، أو بفعل تداعيات المحتوى الدوائي نفسه، في حين كان إدي الذي سبق له الإقلاع منذ وقت طويل عن تناولها، يتحدث مع النادل الصيني في أحد المطاعم بلغة صينية محترفة، ويطلق على مسامعه نكاتاً مضحكة.

اقرأ أيضا