الاتحاد

تقارير

الصين وأميركا··· وسباق الميداليات

أولمبياد بكين··· تنافس سياسي- رياضي

أولمبياد بكين··· تنافس سياسي- رياضي

مثلما كان عليه حال الاتحاد السوفييتي السابق خلال فترة الحرب الباردة، تحاول الصين هذه المرة حصد أكبر عدد ممكن من الميداليات الذهبية الأولمبية بما يمكنها من التفوق على الولايات المتحدة الأميركية· وتعمل كلتا العاصمتين على تعزيز النظامين اللذين تعتقدان أنهما يصنعان الفوز والانتصارات: الشمولية الصينية في مواجهة الحرية الأميركية· غير أن مكمن الاختلاف هذه المرة أن الصين أضافت منعطفاً جديداً إلى مسار قصة الحرب الباردة القديمة· فخلافاً لتمسك الاتحاد السوفييتي السابق بنهج الاقتصاد المركزي الذي يديره جهاز الدولة وحده، تكاد الرأسمالية تخترق أي منحى من مناحي الحياة في الصين، ما عدا الرياضة· وفيما يبدو، فإن الصينيين يتنافسون على مستوى السوق اعتماداً على نظريات آدم سميث، بينما يخوضون سباقهم الرياضي في الملاعب، اعتماداً على نظريات لينين· وبالنتيجة، فما أشد الاختلاف بين طريقة ممارسة الصينيين للرياضة وطريقة نظرائهم الأميركيين·
فاللاعبون الصينيون -وخاصة لاعبي ألعاب القوى منهم- يتفوقون في أنواع من الرياضة قلما اكترث بها اللاعبون الأميركيون، مثل رياضة التجديف ولعبة الكرة الناعمة النسائية والمبارزة وغيرها· فما السبب وراء هذا التفاوت بين بكين وواشنطن؟ الإجابة أن إدارة الرياضة العامة في الصين، تؤدي دورها كما ينبغي على المستوى الوزاري· وضمن المهام التي قامت بها في إطار الاستعداد للمنافسات الأولمبية، التنبؤ بالرياضات التي يمكن أن تحصد فيها الصين ميداليات ذهبية، ثم اختيار اللاعبين المناسبين وتخصيص الأموال الكافية لتدريبهم· بل إن هذه الإدارة تعمل منذ وقت مبكر على إرسال فرق الكشافة إلى مختلف أنحاء البلاد بحثاً عن الأطفال ذوي الاستعدادات الخاصة لأنواع معينة من الرياضة· وربما تختار هذه الفرق طفلة صغيرة في إحدى القرى، لا يزيد عمرها على ست سنوات، ليبدأ تدريبها وإعدادها لخوض المنافسات لاحقاً في مباريات الغوص والسباحة، بعد عقد كامل من الزمان·
وليست ثمة ''نظرية مؤامرة'' تحيط بتخطيط بكين لحصد أكبر عدد ممكن من الميداليات الذهبية الأولمبية· ففي أعقاب أولمبياد سيدني عام ،2000 أطلقت الحكومة الصينية عمليتها المعروفة باسم ''العملية ·''119 ويشير هذا الرقم إلى عدد الميداليات التي يمكن حصدها في المنافسات الرياضية الفردية· فعلى سبيل المثال هناك 16 ميدالية ذهبية لرياضة التجديف، مع العلم أن أداء الصين فيها كان قد عرف تقليدياً بضعفه· ومن بين الـ32 ميدالية ذهبية التي حصدتها الصين في أولمبياد أثينا عام ،2004 لم يكن نصيبها إلا 4 ميداليات فحسب، من جملة الرقم 119 المذكور آنفاً·
ولكن عقب إطلاق هذه العملية، زادت استثمارات الصين المالية والرياضية في تلك الألعاب، بدليل أن المدارس الرياضية المنتشرة في شتى أنحاء الصين تضم حوالي 200 ألف لاعب محترف في رياضات القوى، تفوق بينهم أعداد الفتيات أعداد اللاعبين الذكور· وتتطلع أنظار جميع هؤلاء اللاعبين إلى حصد الميداليات الذهبية· وعلى عكس طريقة الاختيار هذه، يقوم النظام الأميركي على أساس الاختيار الشخصي، حيث يتنافس ملايين الأطفال على الرياضة المعينة التي يختارونها لأنفسهم· ولن يتمكن من الوصول إلى نهائيات هذه المنافسات إلا أفضل الأطفال المتنافسين، في حين يقع العبء المالي الأكبر المطلوب لتدريبهم على الآباء وحدهم·
ومن جوانب المقارنة الأخرى بين بكين وواشنطن في المجال الرياضي، أن عشاق الرياضة الصينيين قد شبوا داخل نظامهم الرياضي، بكل ما لهذه التربية من جوانب سلبية وإيجابية في ذات الوقت· فعلى سبيل المثال، كنتُ قد جلست أمام شاشة تلفزيونية عملاقة تعرض فيها منافسات كرة القدم الصينية الخاصة بالتأهل لمنافسات أول كأس عالمي لكرة القدم تشارك فيها الصين· وفي ذلك العام كانت الصين قد خاضت المباراة ضد البرازيل، ما كان مصدر فخر كبير للصينيين على رغم أن فريقهم خسر المباراة بأربعة أهداف نظيفة لصالح البرازيل· وقد انعكس هذا الشعور في ردود أفعال المشاهدين الصينيين للمباراة من حولي، في تعليقاتهم وسلوكهم العـــام، وكأن بلادهم كانت هي المنتصرة بالفعل! وهذا هو عيب الممارسة الرياضية التي توجهها الميداليات الذهبية· أقصد أنه ليست ثمة فرصة لغالبية الصينيين لممارسة ذلك النوع المنظم من الرياضة الهادفة إلى تعليم الناس قيماً أوسع وأبعد مدى من الرياضة نفسها· وهناك من الحالات النادرة، التي تحظى بها فرق كرة السلة والقــــدم في بعض المدن الغنيــة نسبياً، بتنظيم المنافسات والدورات المحلية الحكومية فيما بينها على سبيل المثال·
والحال أن القادة الصينيين إنما يحرصون على خلق عالم لا يعني فيه الفوز الأولمبي سوى شيء مكافئ للفوز بجائزة نوبل أو غيرها من الإنجازات النادرة الصعبة المنال· والمشكلة أن هذه السياسة أصبحت أمراً موروثاً من قبل النظام الشيوعي الحاكم· لكن فيما لو تفوقت بكين بعدد لاعبيها القادرين على حصد الميداليات الذهبية على غيرها من الدول المشاركة، وخاصة على الولايات المتحدة الأميركية، في الألعاب الفردية، خلال الدورة الأولمبية الحالية التي تستضيفها بكين، فلن يكون لبقية دول العالم ما يمكن أن تأخذه على بكين، أو تنتقدها فيه· فكيف والمفترض أن تكون بلادنا أميركا في مقدمة الدول التي تحسن ممارسة الرياضة والتنافس فيها انطلاقاً من قيم مختلفة تماماً عن تلك السائدة في الصين؟

ماثيو فورني - بكين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا