الاتحاد

تقارير

معاناة تعليمية

تتراوح التجربة الفريدة للتلاميذ العرب الفلسطينيين، الذين يمثلون اليوم حوالي ربع العدد الإجمالي للتلاميذ في إسرائيل، بين الأقل حظاً، حيث أن أكثر من نصف العائلات العربية تتواجد تحت خط الفقر، وهي نسبة تبلغ الثلاثة أضعاف مقارنة بالأسر اليهودية، ومخصصات الميزانية غير المتساوية، حيث هناك استثمار أقل بشكل مثير من قِبَل الدولة في التلاميذ العرب مقارنة بالتلاميذ اليهود، إلى الحقيقة المرّة من التحامل الثقافي في المناهج المعيارية، حيث يتوجب على التلاميذ العرب تعلُّم المزيد عن التراث اليهودي والديانة اليهودية مقارنة بدينهم وتراثهم. والواقع أن الأرقام الحديثة المتعلقة بالأداء الأكاديمي وفي الامتحانات الختامية تُظهِر ليس فقط الفرق في مستويات الأداء بين التلاميذ العرب واليهود، وإنما تراجعاً في النتائج بين التلاميذ العرب بينما تبقى القطاعات اليهودية ثابتة.

وإضافة إلى التمويل غير المتكافئ، والتمثيل العربي الاسمي في اللجان المنهجية والنقص الكبير في الغرف المدرسية والمرافق والكتب المحدّثة، يواجه التلاميذ الفلسطينيون العرب في إسرائيل تحيّزاً في المضمون التربوي ومناهج تفتقد إلى الحساسية تجاه هويتهم وثقافتهم وتاريخهم وتراثهم المميز، ناهيك عن ذكر معوقات لغوية صرفة. جرى تصميم المناهج في كل من المدارس الحكومية اليهودية والعربية من قِبَل وزارة التعليم الإسرائيلية، ولا يحصل التربويون العرب على تأثير مناسب عند تطوير هذه المناهج. وليس هناك إدراك واضح أو ضمني لحقيقة أن المجتمع العربي في إسرائيل، يعد أقلية تشكل جزءاً أساسياً من الشعب الفلسطيني، وأن هذه الحقيقة تحد الثقافة العربية الفلسطينية بالمعرفة.

يُضاف إلى ذلك أن الأساتذة العرب غير مدربين بصورة مناسبة للتكيّف مع الاحتياجات الفريدة للتلاميذ العرب. وحسب دراسة أجراها مركز دراسات، المركز العربي للحقوق والسياسات، في الناصرة، يذهب أكثر من نصف الأساتذة العرب إلى كليات يهودية لتدريب المعلمين. إلا أنه حتى في كليات التربية العربية فإن معظم المساقات والمناهج والتركيز التعليمي خالية تماماً تقريباً من عقيدة وهوية مميزة. باستثناء استخدام اللغة العربية في التدريس، وبضعة مساقات أساسية تتعلق بالتراث العربي الفلسطيني. ويعني هذا أن كليات التربية العربية لتدريب المعلمين لم تميّز نفسها عن الكليات اليهودية، ولا تستطيع بالتالي أن تعكس بشكل له معنى الهوية العربية الفلسطينية.

في الوقت نفسه حصلت المدارس الدينية اليهودية الحكومية منذ زمن بعيد على مجلس خاص بها لأسس التعليم واستقلالية في تصميم برامجها التعليمية. وعندما يطالب القياديون والتربويون العرب بترتيب مماثل يُرفَض طلبهم رغم حقيقة أن القانون الدولي حول التعليم وحقوق أطفال الأقليات يعترف بحقوقهم في الحفاظ على تطوير وتشكيل هويتهم الجماعية، وهو حق يصل إلى حق الإدارة الذاتية لنظامهم التربوي. ورداً على ذلك يجري بذل جهود مشتركة بين التربويين العرب الرئيسيين وغيرهم من المحترفين لتشكيل مجلس عربي لأصول التدريس يعمل على تنظيم والإشراف على التعليم العربي في إسرائيل. وقد أصبح من الواضح بشكل متزايد أنه في غياب التأثير المباشر على سياستها التعليمية وميزانيتها ومعاييرها ومناهجها فسوف تستمر الأقلية العربية في كونها مكبوتة ومقموعة من حيث قدرتها على المشاركة بشكل كامل في المجتمع كمواطنين فلسطينيين عرب فخورين على قدم المساواة.

يجب أن يجري التعليم المتساوي في المجتمعات المنقسمة، وفق ثلاثة مستويات: تعلُّم ثقافة المجموعة العرقية للتلميذ وتراثه، والتعلُّم عن المجموعة الأخرى وتعلُّم القيم الديمقراطية «للحياة المشتركة». النظام التربوي الإسرائيلي في هذه المرحلة يتمحور حول العرقية. تتعلم الغالبية اليهودية عن نفسها، وفي هذه الأثناء لا يشكّل لا السرد العربي الفلسطيني ولا قيم المواطَنة المشتركة جزءاً من أي منهاج يجري تعليمه لا للعرب ولا لليهود. وإذا أُريد لمفهوم المواطنة المتساوية أن يؤخذ على محمل الجد يتوجب علينا العمل نحو اشتمال جميع المستويات الثلاثة في الأنظمة التعليمية للعرب واليهود على حد سواء. من المؤكد أن تدريس العرب باللغة العربية ليس كافياً، بل من الأساسي دعم تعليم عربي فلسطيني متساوٍ.


د. يوسف جبارين
المدير العام لدراسات، المركز العربي للحقوق والسياسات- الناصرة
ينشر بترتيب مع خدمة «كومون جراوند»

اقرأ أيضا