الاتحاد

دنيا

ليس المؤمن بطعّان ولا لعّان

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ثابت بن الضحاك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذِّب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمناً فهو كقتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله» (أخرجه البخاري).
هذا حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الأدب باب ما يُنهى عن السباب واللعن. تضمن الحديث الشريف السابق أموراً عديدة، فهو مشتمل على خمسة أحكام، منها ما يتعلق بعقيدة المسلم نفسه، ومنها ما يتعلق بما يُلزم الإنسان به نفسه من أمور متعددة، ومنها ما يتعلق بحق المجتمع المسلم على أفراده، وسنقوم ببيان هذه الأمور على النحو التالي:-

أولاً: الحلف على غير ملة الإسلام:
والمقصود بذلك: (أي كما حلف على طريقة الكفار باللات والعزّى مثلاً فهو كما قال، أي كائن على غير ملة الإسلام، إذ اليمين بالصنم تعظيم له وتعظيمه كفر) (عمدة القاري شرح صحيح البخاري 22/125)، فمن قال: إن فعلت كذا فأنا أكون مجوسياً أو وثنياً فهو كما قال، إن لم يبادر بتوبة، لقوله - صلى الله عليه وسلم - (من حلف فقال: إني بريء من الإسلام فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادقاً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً) (أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه)، وقوله أيضاً: (من حلف منكم فقال في حلفه: واللات والعزّى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق) (متفق عليه)، فلا يجوز الحلف إلا بالله سبحانه وتعالى للحديث الذي رواه عبد الله بن عمر بن الخطاب- رضي الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليذر) (متفق عليه).
لذلك علينا أن نعلم بأن الحلف بغير الله لا يجوز: لأن الحلف بالشيء تعظيم له، ولا نُعظم غير الله سبحانه وتعالى، فقد وردت عدة أحاديث نبوية شريفة تحذر من ذلك وتنهى عنه منها: قوله- صلى الله عليه وسلم-: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) (متفق عليه)، وقوله أيضاً: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون) (أخرجه أبو داود)، كما وروي أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - سمع رجلاً يقول: «لا والكعبة» فقال له: لا تحلف إلا بالله فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) (أخرجه أبو داود والحاكم والترمذي).

ثانياً: النذر:
النذر: هو قربة مالية أو بدنية يلزم الإنسان بها نفسه وهو نوعان:
النوع الأول: ما يلزم الإنسان به نفسه عند حصول نعمة أو زوال نقمة، كأن كان مريضاً وشفاه الله فقال لله عليّ أن أتصدق بكذا، وهذا الذي أثنى الله على أهله في قوله: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} (سورة الإنسان الآية - 7).
النوع الثاني: وهو النذر المعلق كقول القائل: إن نجح ولدي أو ربحت تجارتي فلله عليّ أن أتصدق بكذا، وهذا مكروه ابتداءً، وذلك لأنه عبادة مشروطة، لما روي عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن النبي- صلى الله عليه وسلم - نهى عن النذر، وقال: (إنه لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل) (أخرجه الشيخان)، وقد يصبح حراماً ابتداءً وانتهاءً كقول القائل: عليّ نذر إن شُفى مريضي، لأكسون قبر الشيخ فلان أو لأضعن الشمع والزيت على قبر فلان، فهذا عمل يرفضه الإسلام جملة وتفصيلاً، لأنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز لأنه عبادة، وهي لا تكون إلا لله، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا نذر في معصية) (أخرجه مسلم).
والنذر دين في الذمة يؤديه صاحبه متى تمكن من أدائه إن كان في طاعة.

ثالثاً: قتل نفسه:
إن أعضاء الإنسان من جملة نعم الله عليه فهو يملكها بقدر الانتفاع بها، فلا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه هرباً من مرض أو فقر، أو خسارة في تجارة، أو رسوب في اختبار أو نحو ذلك، لأنه ملك ربه وقد جاء في الحديث: «الإنسان بنيان الرب ملعون من هدم ما بنى الله تعالى».
والإسلام يحرّم الانتحار، فالانتحار قتل النفس، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رحيما} (سورة النساء الآية - 10)، وجزاء الانتحار في الآخرة الخلود في النار، كالقتل تماماً، مع عقاب المنتحر بمثل ما فعل في الدنيا، لقوله - صلى الله عليه وسلم- : (من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسّى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) (متفق عليه).
لذلك يحرم على الإنسان أن يقتل نفسه بأية كيفية كانت، نتيجة ضعفٍ أصابه بسبب عدم مقدرته على تحمل المسؤولية ومجابهة مشاكل الحياة، بل يجب على المسلم أن يتحلى بالصبر عند الشدائد، وأن يستعين بالله وحده فإنه لا يخيب من قصده.

رابعاً: لعن المؤمن:
لعن المؤمن كقتله، يعني في الإثم، لأن اللاعن يقطعه عن منافع الآخرة، فقد جاء في الحديث: «ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان» ومن هذا الحديث نقول: إن اللعنة جريمة استهان بها الناس، فلا يجوز لعن مؤمن بل ولا كافر بذاته، إلا إذا مات على كفره، ولا حيوان ولا جماد.
واللعن معناه الإبعاد من رحمة الله تعالى ... لهذا جعله الرسول- صلى الله عليه وسلم - كقتل المؤمن ردعاً للمسلمين أن يُلوثوا ألسنتهم بلعن بعضهم بعضاً، لقوله- صلى الله عليه وسلم- : (إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة) (أخرجه الشيخان).

خامساً: قذف المؤمن بالكفر:
في قذفه مؤمناً بقوله: يا كافر، أو أنت كافر، فهو كقتله في الإثم، فاتهام المسلم بالكفر جريمة كبرى تصل إلى مرتبة القتل، وهذه داهية الدواهي، لا سيما في عصرنا الحالي، حيث كثرت فيه الاتهامات بالكفر والفسوق، حتى ولو كان المقذوف من صالحي الناس وأتقيائهم، لماذا؟ لأن هذا يختلف مع ذاك من الناس فيما ذهب إليه، والحديث يقول: «من كفّر مؤمنا فقد كفر»، لذلك فإن من رمى مسلماً بالكفر بعد الإيمان فكأنه قتله وأزهق روحه. وعند دراستنا للسنة النبوية الشريفة نجد أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قد حذّر من ذلك قائلاً: (إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما) (أخرجه مسلم).
وعند دراستنا لسيرة الصحابة الكرام فإننا نتعلم درساً هاماً من سيرة الصحابي أسامة بن زيد- رضي الله عنهما- فقد ورد في كتب السيرة أنه في إحدى المعارك أدرك رجلاً من المقاتلين محاولاً طعنه، وإذا بالرجل يقول: لا إله إلا الله، ومع ذلك فقد طعنه أسامة وقتله، فلما وصل الأمر إلى النبي - عليه الصلاة والسلام- قال: ويحك يا أسامة! فكيف لك بلا إله إلا الله؟ فلم يزل - عليه الصلاة والسلام - يرددها حتى قال أسامة: وودت أني انسلخت من كل عمل عملته، واستقبلتُ الإسلام يومئذ من جديد، فلا والله، لا أقاتل أحداً قال لا إله إلا الله بعد ما سمعتُ رسول الله- عليه الصلاة والسلام -. هذا درس يكشف عن إنسانية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعدله، وسمو مبادئه، وعظمة دينه وخلقه، فهذا الرجل الذي أسف النبي لمقتله، وأنكر على أسامة قتله، كان مشركاً، ومحارباً، ووعى أسامة الدرس إلى منتهاه، فإذا كان هذا الرجل، في هذا الموقف، ينهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن قتله لمجرد أنه قال: لا إله إلا الله، فكيف بالذين هم مؤمنون حقاً، ومسلمون حقاً؟!
لذلك علينا أن نتمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا، فهما سبب الفلاح والنجاح.



الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة

خطيـب المسـجد الأقصـى المبـارك

www.yousefsalama.com

اقرأ أيضا