الاتحاد

تقارير

فنزويلا.. المجاعة على الأبواب؟

آخر ما كانت تتوقعه الناشطة «سوزانا رافاللي» هو أن تضطر لمواصلة نشاطها في وطنها الأصلي فنزويلا، بعد عمل متواصل لثلاثة عقود كانت خلالها تقدم المساعدة لضحايا المجاعة في أماكن متفرقة من العالم، من ضحايا المدّ البحري «تسونامي» الذي ضرب إندونيسيا. وهي خبيرة متدربة في التغذية البشرية، وناشطة إنسانية بوازع من ضميرها. وقد شاركت في الكثير من المجموعات والمؤسسات المتخصصة بمكافحة أزمات المجاعة، لكنها عادت الآن إلى مسقط رأسها كاراكاس لممارسة النشاط ذاته. وقالت لي خلال مكالمة هاتفية: «لا زال الأجانب يأتون إلى هنا لينظروا إلى هذه الطرق السريعة وناطحات السحاب دون أن يصدقوا وجود أزمة مجاعة هنا».
وقالت لي إنه كان من الصعب عليها أن تصدّق ذلك في بداية الأمر. ولكنها، بعد أن أصبحت رئيسة «الجمعية الخيرية الكاثوليكية» المعنية بالأزمة الإنسانية التي تضرب فنزويلا، اضطرت للنزول إلى الميدان واختبار آليات البحث والتحقيق العلمي الدقيقة من أجل الوقوف على الأوضاع الإنسانية في مسقط رأسها، وهي آليات اعتادت استخدامها في أماكن أخرى من العالم. وكان ما اكتشفته يمثل صدمة حقيقية. وبدأت هي وفريقها باختيار عيّنة من الأطفال تحت سن 5 سنوات يبلغ عددهم 24 طفلاً وينتمون إلى مقاطعات فقيرة تتوزع على أربع ولايات فنزويلية، وقامت بوزنهم. وسمح لها ذلك بقياس «مُعامل النقص العام في التغذية» الذي يمثل مقياساً مهماً لتحديد مدى شدّة حالة المجاعة في منطقة ما. وأظهر البحث الذي أجرته في أكتوبر الماضي، أن 8.9% من الأطفال الذين خضعوا للاختبار يعانون نقصاً في التغذية يتراوح بين الدرجة المتوسطة والشديدة. واتضح أيضاً أن عدد الذين يعانون نقص التغذية في فنزويلا مرتفع، ويزداد ارتفاعاً وفق وتيرة سريعة. وفي أبريل الماضي، أظهرت متابعة هذه الدراسة أن نسبة الأطفال الفنزويليين الذين يعانون نقص التغذية ارتفعت إلى 11.4%، وهي تفوق النسبة المعيارية البالغة 10% التي تأخذ بها وكالات الإغاثة الإنسانية للحكم على ما إذا كان بلد ما يعاني أزمة غذائية أم لا. ولاحظت رافاللي أيضاً تزايداً متواصلاً في نسبة العائلات الفنزويلية التي بدأت باتباع استراتيجيات وسلوكيات غذائية شائعة في البلدان التي تعاني المجاعة بسبب الحروب. واستنتجت من دراستها أن 63% من السكان بدؤوا بالتحول لتناول «مواد غذائية غير عادية»، وأن 70% منهم اضطروا للتوقف عن استهلاك أنواع من المواد الغذائية التي يعتبرونها مفيدة ومهمة؛ بسبب عدم توافرها أو عدم قدرتهم على شرائها، وأن 85% من العائلات التي تسكن المناطق الأكثر تعرضاً للخطر، باتوا يأكلون بأقل مما اعتادوا أو بأقل من حاجتهم الجسدية الفعلية. وتوصلت الدراسة إلى تفاصيل إحصاء مغرقة في الدقة، ومنها أن 57% من الأسر في مناطق التوتر، يوجد فيها أشخاص فضلوا التخلّي عن بعض حصصهم الغذائية حتى يتيحوا لغيرهم من أفراد الأسرة الحصول عليها.
ووجدت الدراسة أن 44% من العمال يقضون يوم العمل الكامل من دون أن يأكلوا أي شيء. وأن 34% من العائلات أصبحت تتبع استراتيجيات طوارئ غذائية تدل على الخوف من فقدان مصادر الغذاء، ومنها الاضطرار لبيع الأصول الثابتة (عقارات وسيارات وغيرها) من أجل شراء المواد الغذائية وتخزينها. وبدأ معظم سكان فنزويلا بتخفيض إنفاقهم على شراء ما يدخل في إطار متطلبات الحياة الأساسية، وبدأ البعض بالبحث عن مصادر الغذاء في حاويات القمامة. وبات من الشائع في بعض الأحياء الفقيرة أن تضطر بعض العائلات لإجبار أطفالها على التسوّل، أو تشجيع أبنائها على الهجرة من أجل تخفيف الضغط على مخزونها الغذائي. وأشارت هذه الدراسة الإحصائية أيضاً إلى أن 47% من العائلات الفنزويلية كانت قادرة على شراء بيض الدجاج في ديسمبر الماضي، لكن هذه النسبة انخفضت الآن إلى 38%. وفي نهاية العام الماضي، كانت لحوم المواشي والدواجن ضمن قائمة الطعام اليومية لنحو 41% من تلك العائلات، لكن هذه النسبة انخفضت الآن إلى 33%. وأصبحت بعض مواد الطبخ الضرورية مثل الزيوت النباتية والسمن صعبة المنال. وبعد أن كانت هذه المواد في متناول 64% من العائلات في ديسمبر، انخفضت النسبة الآن إلى 34%.
وترى رافاللي أن هذه الأرقام يمكنها أن تتحدث عن نفسها. ورغم أن معظم الثروة النفطية التي تزخر بها فنزويلا لا زالت تحت الأرض، فإن صورة هذا البلد الذي كان يصنف على أنه بلد الطبقة المتوسطة، أصابها تشوش كبير بسبب الحالة الصعبة التي تعيشها معظم العائلات الفنزويلية الآن.

* محلل سياسي فنزويلي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا