الاتحاد

دنيا

«الدماغ» يتعامل مع الألم البدني والمعنوي بآلية واحدة

صحة القلب تتضرر بسبب الإساءات الاجتماعية والأحداث السيئة حقيقةً لا مجازاً

صحة القلب تتضرر بسبب الإساءات الاجتماعية والأحداث السيئة حقيقةً لا مجازاً

في مختلف الثقافات واللغات، يتحدث الناس عن الألم الحاد الذي يستشعرونه عند تعرضهم للرفض الاجتماعي في المكان الذي يعيشون فيه، أو ما يواجهونه من حسد أو حقد زملائهم أو غيرتهم وكأنه ألم جسدي بدني محض. فنسمع من يُردد بأنه “انكوى” من خيانة الزوج أو غدر الرفيق ويتشظى ألماً من مقابلته الوفاء والإخلاص بالخيانة والغدر، وآخر “انجرح” بالكلمات القاسية التي تلفظ بها زميل أو صديق في حقه، أو “انكسر” حين خذله شخص يُكن له معزةً خاصةً، أو أن قلبه “انفطر” حين استهتر حبيبه بمشاعره. كلها كلمات وعبارات موجودة في كل اللغات وتزخر بحمولاتها الثقافية والشعبية وتختزن وعياً اجتماعياً عميقاً لم يكتشفه العلماء إلا مؤخراً بعد سيل من البحوث والدراسات

أبوظبي (الاتحاد) - لا شك أن هناك سبباً لهذه المزاوجة اللسانية واللغوية بين كمد القلب وتراجع الحالة البدنية للنفس المكلومة والقلب المفطور. هذا ما أكده عدد متنام من الباحثين في مجال مُسببات الألم وأعراضه وعلاجاته. فالشبكة العصبية التي تتعاطى مع الآلام البدنية والاجتماعية في الدماغ هي واحدة. وفي الكثير من الحالات فإن الدماغ يميز بالكاد بين الإساءة اللفظية والإذاية البدنية. ولذلك فإن العلماء يؤكدون أن التطمينات الأبوية المعهودة بأن "الأحجار أو العصي قد تُهشم عظامك، لكن الكلمات لا يُمكن أن تؤذيك" هو كلام غير صحيح بالدليل العلمي والنفسي الملموس.

أذيات إجتماعية
ويقول العالم النفساني والباحث في هذا المجال الدكتور ناثان ديوول من جامعة كنتاكي إن كل شخص فينا يتعرض لشكل ما من أشكال الإذايات اللفظية أو الاجتماعية بمعدل مرة واحدة في اليوم من قبل زملائه أو المحيطين به بطريقة غير ملحوظة، لكنها تُسبب له ألماً يظل ينخُر في لاوعيه العاطفي ببطء، ويتراكم ذلك ليؤدي إلى نتائج وخيمة وأضرار بدنية ونفسية قد تحدث في غفلة من المتألم نفسه. غير أنه عندما ينتهي الأمر إلى الدماغ البشري، يضيف ناثان، فإن هذه الاستجابة العصبية المتطورة تكون مقتصدةً من حيث طريقة تعاطيها مع المشكلة. “فعوض توليد نظام جديد بالكامل للدفاع الذاتي ضد الأذاية الاجتماعية، تُحيل خاصية الدفاع الذاتي المتطور نظام الألم العاطفي إلى ألم بدني".
دارات عصبية
في الأسبوع الماضي، أظهرت دراسة جديدة أن هناك دليلاً إضافياً على وجود دارات عصبية في الدماغ. وأشارت هذه الدراسة التي نُشرت في مجلة "الأكاديمية الوطنية للعلوم" إلى أن المنطقتين المسؤولتين عن الحواس المرتبطة بمعالجة الألم البدني تنبعثان وتنشطان حين يُحدق الشخص مثلاً في صورة حبيب أو زوج أو صديق سابق ويسترجع معها مأساة الخذلان أو الهُجران وما رافقها من مشاعر ألم ووجع. وتُضيف هذه الدراسة معنى جديداً إلى فكرة الإيلام الذي يُحدثه الرفض الاجتماعي أو الإساءة اللفظية. ويُقدم الدور المزدوج الذي تضطلع به شبكة الدماغ العصبية مثالاً قوياً على العلاقة الموجودة بين الجسم والعقل، كما يمكنها من تفسير كيف يُمكن للتعب والإرهاق العاطفي أن يتسبب لصاحبه في مرض عضوي، وكيف يمكن للمعاملة الطيبة أن تحفظ صحة الإنسان البدنية. وتُسلط هذه العلاقة الضوء كذلك على اللغز الطبي الخالد المتعلق بسبب مُلازمة الكآبة- التي تُعتبر اضطراباً عاطفياً وألماً نفسياً- لغالبية المرضى الذين يُعانون من اضطرابات ألم مزمنة أو آلام الاعتلال العصبي.
تشابُك وتداخُل
في الوقت ذاته، فإن هذا التشابُك والتداخُل بين النفسي والعضوي يُبرز الأهمية الكبرى للعلاقات الاجتماعية كضرورات تطويرية وكمفاتيح تُمكننا من التحلي بقدرة دائمة على الصمود والبقاء كأفراد وجماعات في مجتمعاتنا. وتقول العالمية النفسانية ناعومي إيزنبورجر من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس "إن الألم البدني في الواقع يُسبب الشعور بعدم الراحة والتعب والإرهاق، لكنه يؤشر في الوقت عينه على أن شيئاً ما لا يسير على ما يُرام، وأن هناك خطأً أو خللاً ما يستدعي التصليح". وتضيف "أعتقد أنه يمكننا قول الشيء نفسه حول الألم الاجتماعي، فهو يُحفزنا على تقوية وإعادة ربط علاقاتنا الاجتماعية الإيجابية، وتفادي العلاقات الاجتماعية السلبية".
بحوث متناسلة
في سنة 2002 كانت إيزنبورج ما تزال طالبةً في سنتها الأخيرة في جامعة كاليفونيا قبل التخرج، وكانت تقوم منذ ذلك الحين بفحوص مسحية على الدماغ لمعرفة كيف يتعامل الدماغ مع الإساءة الاجتماعية والإذاية اللفظية. وكانت زميلتها التي تُشاركها المكتب، جوهانا جاركو، تدرُس مفهوم الألم الإنساني في أعمالها البحثية، وذلك باستخدام تقنيات التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي. وفي هذا الصدد تقول إيزنبورج "لاحظنا وجود تداخل وتشابك كبير بين نتائج فحوص الرنين المغناطيسي التي أجريناها". وتشير نتائج الدراسة إلى أن ما تسميه إيزنبورج "نظام إنذار عصبي للآلام البدنية والاجتماعية الشائعة" سبق نشر بحث عنه سنة 2004 أثار نقاشاً واسعاً وتناسل عن نتائجه سيل من الأبحاث حاولت كلها سبر حقيقة الروابط الموجودة بين الألم الاجتماعي والألم البدني.
ومن بين هذه البحوث، كانت هناك دراستان ألقتا بظلال جديدة على نوع هذه العلاقة. أولها نُشر في أغسطس 2009 وبين أن الحساسية تُجاه نوعي الألم كليهما من حيث علاقتهما بالعوامل الوراثية. وكانت إيزنبورج وزميلان لها من جامعة كاليفورنيا أفادوا أن الأشخاص الذين يحملون متغيراً نادراً لجين فردي يُعرف أنه يرفع حساسية الألم كانوا أيضاً ممن يتأثرون بشدة من الإذايات اللفظية، وأنه لم تكن لهم أية حصانة من أشكال الرفض الاجتماعي.
وفي ديسمبر 2009، نُشر بحثان آخران في مجلة "العلوم النفسية" ركزا على الرابط بين الألم الاجتماعي والألم البدني. وأظهر أحد هذين البحثين أن تناوُل جرعات يومية من الأقراص المخففة للألم مثل "أسيتامينوفين" جعل المشاركين في البحث أقل تأثُراً وتضرُراً من الإساءات الاجتماعية من أولئك الذين تناولوا حبوباً مماثلة في الشكل لكن دون مفعول لأغراض بحثية تجريبية. وفي البحث الثاني، لُوحظ أن المشاركين الذين خضعوا لفحوص دماغ مسحية لعبوا لعبة "كاتش" افتراضية تَبين فيها أن من يُشاركونهم في اللعب كانوا يتجاهلونهم ويتعاملون معهم بمنطق إقصائي. وبالمقارنة مع المشاركين الذين تناولوا أدوية غفل تجريبية، لوحظ لدى أولئك الذين تناولوا مُسكنات الألم نشاط أقل وأخف على مستوى الدارات العصبية بالدماغ المسؤولة عن التعاطي مع الألم البدني والاجتماعي، حتى مع استمرارها في نقل إشارات ومشاعر الألم.
خمود وكمون
أكد المشارك في الدراسة الدكتور ديوول على أن نتائج الدراسة لا تدل على أن تناول "تيلينول" مثلاً يُخفف الإحساس بالملل أو الألم، بل إن ما يحدث هو أن الدماغ يستجيب بطريقة ما عند تناول مسكن للآلام تقريباً بنفس الطريقة مع الألم الاجتماعي والألم البدني. ويُدافع الباحث جيوف ماكدونالدز من جامعة تورنتو على هذه الفرضية عينها. وقد قام هو وزملاء له بتقديم بحوث عرضوا فيها مسار الألم عقب التعرض لإذاية اجتماعية، ووصفوها بأنها شبيهة باستجابة البدن للإصابة البدنية. فالذي يحدث مبدئياً هو زيادة كبيرة في إفراز هورمونات التوتر، ثم تحضير الجسم للهروب من موقف الإساءة أو الإذاية أو مواجهته. وخلال هذه المرحلة، يبدو المتعرض للإيذاء وكأنه متبلد الإحساس، لكنه يظل قادراً على المشي والتحدث. وبعدما يتبدد مفعول هذا التدفق الهورموني لديه، يدخل شعور الألم في مرحلة خمود وكمون.
وقال المشاركون في التجارب التي أجراها ماكدونالدز إنهم يشعرون بتبلد أحاسيسهم فوراً عقب تعرضهم للإساءة اللفظية أو الرفض الاجتماعي. وبعد دقائق، يصبحون أكثر أو أقل إحساساً بالألم الاجتماعي. غير أنه وبعد مرور الصدمة المبدئية للإذاية وفواتها، أفاد المشاركون أنهم شعروا بألم حاد نتيجة ما تعرضوا له، حتى حين تبين أن الإذاية الاجتماعية التي عانوا من أثرها كانت تبدو طفيفة.

عن "لوس أنجلوس تايمز"
ترجمة: هشام أحناش

دارات ألم بدني
يشير ماكدونالدز إلى أن إحالة دارات الدماغ من الشعور بالألم الاجتماعي إلى دارات للألم البدني لم تكن حادثةً طارئةً، بل إنها استجابة مفيدة. فهي تُساعدنا على التركيز على أمور أهم من خلال ترميم القابل من العلاقات التي تربطنا بأطراف النسيج الاجتماعي الذي نعيش ضمنه، وتقوية العلاقات الإيجابية مع آخرين بعد تجاوزنا بسلام محاولات الإيذاء والإقصاء الاجتماعي الذي حاول البعض ممارسته في حقنا ويحفظ سمتنا الاجتماعية. وهي صفة خاصة بالإنسان فقط دون غيره من الكائنات الحية. ويختم ماكدونالدز تعليقه على نتائج الدراسة بالقول إن “الإحساس بالألم الذي يسكننا ولا يبرح أعماقنا إلا بعد مدة يُلفت انتباهنا ويجعلنا نتساءل مع ذلك “لماذا حدث الأمر بذلك الشكل؟ وكيف كان شكل سلوكي أو سلوكاتهم التي سببت هذا الشرخ في العلاقة؟ وكيف علي التصرف في المرات القادمة لمواجهة مثل هذه الإذايات الاجتماعية؟ وكيف أنجح في مواجهتها وامتصاصها بشكل وظيفي فعال ودون أن أسيء إلى صحتي النفسية والبدنية؟”

اقرأ أيضا