الاتحاد

الملحق الثقافي

الفن والإبداع في ظلال السياسة والأيديولوجيا

شهدت صناعة السينما في الحقبة السوفييتية، الممتدة ما بين الثورة البلشفية عام 1917، حتى انهيار الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى ثانية في العالم أواخر الثمانينات من القرن العشرين، تجارب سينمائية وضعت هذه السينما ضمن أبرز التجارب العالمية. وليس مؤكداً بعد أن كان في الإمكان حقاً الربط الوطيد بين قيام الدولة الاشتراكية وانطلاق واحدة من أهم التجارب السينمائية في العالم، وإلى أي مدى يصح مثل هذا الربط. وفي البداية أيضاً يمكن طرح السؤال المزدوج، فإذا كانت الثورة ساهمت في تطوير ـ وربما إطلاق ـ التجربة السينمائية، فما الذي قدمته للسينما، من جهة، ومن جهة مقابلة هل يمكن التأكيد على مساهمة السينما في «تسويق» الثورة، وما الذي قدمته هذه السينما في خدمة الثورة؟ ففي بحث هذه العلاقة المتبادلة يمكننا أن نتبين بعض سمات ومكونات السينما السوفييتية، وكيف استطاع السينمائيون في الاتحاد السوفييتي أن يصنعوا أفلامهم، وضمن أية ظروف فعلوا ذلك؟

ليس سهلاً تناول هذه التجربة الممتدة على مدى يقارب سبعين عاماً، لكن الممكن هو التوقف عند أبرز محطات هذه التجربة، بدءاً من إبداعات سيرغي آيزنشتاين وصولاً إلى أعمال تاركوفسكي ونيكيتا ميخالكوف، وما بينه المرحلتين من صانعي هذه السينما، مع الأخذ في الاعتبار أننا لن نتناول السينما في المرحلة الروسية الحديثة التي بدأت مع التغيير و(البيريسترويكا)، فقد شهدت هذه المرحلة تراجعاً واضحاً في تقديم تجارب جديدة بأهمية ما شهدته المرحلة السوفييتية، وهو ما يمكن أن يفيد بوجود تلك العلاقة الوثيقة بين الدولة الاشتراكية والسينما. لكن علينا الانتباه إلى أن القيصر كان يدعم التجارب البدائية في السينما قبل الثورة.

تقاليد الحضارة الروسية

بين تجارب الماضي المتألقة وتراجع التجارب الراهنة ثمة مسافة تتحدث عنها كارين شاهنازارنيف المدير العام لمؤسسة السينما الروسية قائلة: السينما الروسية (الآن) تفتقر إلى هويتها المتميزة مثل تلك الهوية الأصيلة التي كانت تميز السينما السوفييتية المفعمة بالمثل الإنسانية والتعميمات الفنية والاهتمام بالجوانب النفسية لشخصية الإنسان وطبيعتها العاطفية. وكانت السينما السوفييتية تتغذى على تقاليد الحضارة الروسية مما أكسبها حباً وتقديراً لدى المشاهدين. ولا أستطيع القول إن هذا الاتجاه باق في السينما الروسية المعاصرة إلا في حالات منفردة نادرة للغاية. وكان بإمكاننا أن نصف السينما السوفييتية بأنها ظاهرة عالمية في حين لا يجوز لها حتى الآن أن تطبق هذا الوصف على السينما الروسية، ولكن لا يعني ذلك البتة أنه يجب أن نخلد إلى يأس. فالشعب الذي يتمتع بمثل هذه التقاليد العريقة لا بد أن يملك سينما قوية بما فيه الكفاية، وأعلق الأمل على أن يتحقق كلامي هذا.

وتضيف كارين: قدراتنا التكنولوجية والفنية تتفوق اليوم على إمكاناتنا الإبداعية. وفي السابق كان الأمر على العكس من ذلك تماماً، بحيث كان الجانب الإبداعي هو المتفوق فكنا نعاني من التناقض بين توفر الأفكار الإبداعية الرائعة وغياب الإمكانات الفنية لتجسيدها على النحو المرجو. أما اليوم، ففي حوزتها أرقى التكنولوجيات العصرية في ظل شح الأفكار الإبداعية. فقد شهدت السينما السوفياتية على أثر الثورة الاشتراكية نهضة إبداعية خارقة للعادة. وتألقت آنذاك كوكبة رائعة من المخرجين أمثال دوفجينكو وبودوفكين والكسندروف ودونسكوي إلخ. وذلك في بلد فقير كان يعيش حالة الخراب. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية ونرى في أعقابها نهضة جديدة للفن السينمائي تقترن بأسماء بوندارتشوك وتشوخراي وغيرهما من المخرجين العباقرة.

منذ بدايات القرن العشرين، كانت السينما الروسية قد شهدت تجارب بدائية متواضعة رغم جديتها، وفي هذا السياق نحسب تجارب أولية مختلفة شكّلت الأساس الذي قامت عليه في ما بعد السينما السوفييتية التي تعود ولادتها فعلياً إلى عام 1919، حيث أصدر لينين قراراً بتأميم الصناعة السينمائية القيصرية. وقد كان لينين شديد الاهتمام بالسينما، وهو صاحب العبارة القائلة إن السينما هي الأكثر أهمية بالنسبة بين جميع الفنون.

نتذكر العام 1919؛ لأنه في ذلك العام قام سيرغي آيزنستاين بإنشاء معهد سينمائي يشاركه فيه المخرج بودوفكين وشاعر السينما الأول ألكسندر دوفزهنكو وغيرهما، وكان هذا المعهد الذي صنعه هؤلاء الشباب هو النواة الأولى للسينما السوفييتية. ومن هنا يأتي جزء من أبوة آيزنشتاين لهذه السينما، لكن الجانب الأبرز هو في ما قدمه من أفلام تعتبر حتى الآن من أهم التحف الفنية في السينما العالمية كلها، حتى قيل إن آيزنشتاين هو من صنف السينمائيين الذين كانت السينما ستتأخر لولا ظهورهم، وهم قلَّة قليلة. ولا ننسى أن مكانته كمخرج سينمائي أسطوري أهَّلته ليصبح من أعظم نقاد السينما ومنظِّريها، حيث أصبحت آراؤه النقدية ونظرياته السينمائية إحدى أيقونات النقد السينمائي وكتبه ومقالاته الشهيرة أصبحت في ما بعد من أهم الكتب والمقالات التي يقتنيها النقاد العالميون الكبار. معلوم أن الإنجاز الأعظم لآيزنشتاين في عالم السينما هو فيلمه الذي أدهش الدنيا طوال القرن العشرين، وهو «المدرعة بتومكن»، الذي أنجزه في العام 1925، وكان يبلغ من العمر 27 عاماً فقط، حيث استطاع أن يخلق من خلاله سينما ذات وجه مختلف وأساليب مونتاجية متفردة ولا مثيل لها في ذلك الوقت. ويكفي أن لجنة تحكيم من مؤرخي السينما في 26 دولة أعلنت في بروكسل عام 1958 أن هذا الفيلم هو «أفضل فيلم في العالم». يروي الفيلم قصة حقيقية عن بحارة يعملون على سطح المدرعة بوتمكين قرروا الثورة على وضعهم السيئ على السفينة نتيجة الإدارة القيصرية السيئة، فرفعوا علماً أحمر على السفينة وفجروا ثورة في مدينتهم «أوديسا»، ولقيت ثورتهم تعاطفاً من سكان المدينة الذين خرجوا لدعمهم، لتقابلهم مجزرة على يد الجنود القوزاق، حيث يعتبر مشهد سلالم الأوديسا، حيث يهاجم الجنود النساء والأطفال من أشهد المشاهد في تاريخ السينما، ولا يكاد دارس أن يقرأ في كتاب عن فن الإخراج أو المونتاج إلا ويجد شرحاً مفصلاً لهذا المشهد المركب، فأسلوب الإخراج في الفيلم يستحق الدراسة بحق، والمونتاج الذي ركب مشاهد الفيلم هو من عمل أيزنشتاين نفسه.

ثم عاد ليخرج في عام 1927 أحد أشهر وأهم أفلامه الصامتة، وهو فيلم «أكتوبر» الذي واصل فيه تطوير عناصره السينمائية وركز فيه على عملية المونتاج ليصبح من أهم من قدم نظرية في عالم المونتاج أيضاً، في ذلك الوقت الذي كان المونتاج فيه بديلاً للحوار الغائب عن السينما الصامتة. وهكذا جمع في مسيرته الإخراج والمونتاج والنقد معاً. وقبل أن نترك هذا المخرج الكبير، نقف، مرة أخرى، على سؤال العلاقة بين السينما والثورة، وذلك من خلال الوقوف على رأي مهم للكاتب محمود الغيطاني في تناوله لفيلمه «أكتوبر» 1928 الذي يتناول فيه المراحل الأولى من ثورة تشرين 1917 والاحتفاء بالأيام العشرة الأولى من هذه الثورة، حيث يقول الغيطاني عن آيزنشتاين وعلاقته بالثورة «ولكن بالرغم من سلامة نيته وإخلاصه الشديد للثورة نرى أن الثورة في المقابل لم ترض عن هذا الفيلم بالقدر الكافي؛ لأنه من وجهة نظرها لم يكن فيلماً دعائياً بالقدر الذي أرادته، بمعنى أن فن السينما لا بد أن يكون فناً شعبياً يفهمه الجميع أكثر من كونه فناً له قواعده المنهجية الخاصة، كذلك نرى تلك الروح الثورية الوثابة في جميع أفلام «أيزنشتاين» الثائر دوماً، فقدم لنا «خط الجنرال»، كذلك فيلم «أليكسندر نيفسكي» 1938 و»ايفان الرهيب» 1941. ولكن السؤال المهم الذي لا بد من طرحه حين تأملنا لسينما «أيزنشتاين» هو، من الذي أفاد الآخر، ومن كان أكثر إخلاصاً للآخر؟ «سيرجي أيزنشتاين» أم الثورة؟» ثم يجيب «هذا المخرج هو الذي أفاد الثورة أيما إفادة بسينماه التي تضج ثورة والتي خلدت ثورة البلاشفة في الأذهان حتى اليوم، بل وكان هو الأكثر إخلاصاً لها على الإطلاق».

جيل من المبدعين

ولم يكن آيزنشتاين وحيداً آنذاك، فقد أعطت تلك المرحلة للسينما دوراً جديداً كلية باعتبارها طاقة اجتماعية تربوية ضخمة. فظهر المخرج فزيفولد بودوفكين 1893 ـ 1953 الذي اعتبر أحد الأربعة الكبار للسينما السوفييتية في العصر الصامت مع ايزينشتاين ودوفيجنيكو وفيرتوف. ومن روائعه ثلاثة أفلام صامتة اتخذ لها موضوعاً واحداً هو نشوء الوعي ويقظة الضمير: عند عاملة عجوز في فيلم «الام» 1925، عن قصة مكسيم جوركي الشهيرة، وعند فلاح شاب أصبح جندياً في فيلم «نهاية بطرسبورج» 1927، وعند بدوى آسيوي في فيلم «ابن جنكيزخان ـ أو عاصفة على آسيا» 1928.

وفي الفترة نفسها، وضع بودوفكين عدداً من الأسس النظرية المهمة لفن الفيلم. ومع ظهور الفيلم الناطق لم يقدم بودوفكين شيئاً يوازي في القيمة أفلامه الصامتة الرائعة. وقد عمل بودوفكين ممثلاً في عدد من الأفلام من بينها فيلم «ايفان الرهيب» إخراج ايزنيشتاين عام 1945.

أما الكسندر دوفجينكو 1894 ـ 1956، فقد اعتبر «أعظم شاعر ملحمي ظهر في السينما». فهو يمزج التيمات الخالدة للحب والموت والخصوبة في سلسلة من الأناشيد الغنائية يكرسها لبلده. وكان رساماً وكاتباً حينما هجر كل شيء، وهو في الثلاثين ليصبح سينمائياً. أما سيرغي غراسيموف 1905 -1985، فكان ممثلاً ومخرجاً وترتبط باسمه صفحات عديدة من تاريخ السينما السوفييتية، كما كان منظراً ساهمت أبحاثه وكتبه بقسط كبير في علم السينما وأسس الإخراج السينمائي. وقدم مجموعة من الأفلام المهمة التي تعتبر بصمات في السينما السوفييتية ابتداءً من «الشجعان السبعة» و»كومسمولك» و»المعلم». و»الحارسة الشابة».. وفي عام 1985 أنهى غيراسيموف ثلاثية طويلة مقتبساً رواية «الدون الهادئ».

جيل جديد

نمر سريعاً على هذه التجارب الوسيطة بين جيل آيزنشتاين وجيل تاركوفسكي الذي يعتبر من أهم المحطات في السينما السوفييتية، يقول المخرج ميخائيل روم: في النصف الثاني من الخمسينيات ظهر عدد من المخرجين الذين استطاعوا توحيد (تكييف) تقاليد سينما الثلاثينيات مع الأوضاع والظروف الجديدة أمثال: جوغراي، كوليجانوف، شفيستر، ألوف ونوموف، وغيرهم. فهؤلاء الشباب استوعبوا الظواهر الجديدة في السينما العالمية بشكل جيد، وفي هذه المرحلة اتضح لي نحن جيل المخرجين القدماء بأن الاختلاف ليس في التجربة فقط، وإنما في الفهم المبدئي لجماليات السينما، ولكن في السنوات الأخيرة (مطلع الستينات) تألق فيلمان هما «الطلقة 41» لجوغراي، وفيلم «طفولة إيفان» لتاركوفسكي.

تجريب وفهم مختلف

مع أندريه تاركوفسكي، نلتقي بتجربة سينمائية مختلفة، سنتعرف إلى فنان معذّب، أو كما قال عنه أنغمار برغمان إنه «فنان أشبه بمعجزة، لقد ابتكر لغة جديدة متوافقة مع طبيعة الفيلم، فهي تصوّر الحياة كانعكاس، الحياة كحلم». وسيكون لحياته عموماً، ولعذابات طفولته خصوصاً، حيز واسع في تجربته الفنية التي تركز على الطفولة في صور عدة.

ويرى أحد النقاد أنه منذ آيزنشتين لم تجد السينما الروسية فناناً اهتم بالأسلوب التعبيري، وبمشاكل البحث الفني والتجريبي مثل تاركوفسكي، وهذا يجب أن لا يعني إنكار محاولات مخرجين آخرين، بل إن الصراع بين المعاناة الناتجة عن إدراك تراجيديا الواقع البشري المعاصر، الخالي من التناسب والاتساق والعدالة، وبين الثقة الطفولية بالإنسانية وبالحلم البشري عن عالم أخوي تحكمه الروح الإنسانية، كان إحدى مشاكل تاركوفسكي، مثلما كان شكل التعبير الفني عن هذا الصراع هو مشكلة جمالية بحتة أقلقته كثيراً.
مع بداية الستينات بدأ تاركوفسكي مساهماته السينمائية، وكانت أمامه تجربة أربعين عاماً من العمل السينمائي، وكانت السينما السوفييتية قد قطعت أشواطاً طويلة ومهمة، وشهدت صراعات فكرية وجمالية عميقة، كما عالجت قضايا اجتماعية وسياسية ملحة، وبذلك فإنها رسمت مساراتها بوضوح، وخلقت تقاليدها الفنية التي أفادت منها الأجيال، وتوقف عندها سينمائيو العالم كله. ومنذ باكورة أفلامه «طفولة إيفان» (1962)، استند تاركوفسكي إلى لغة مغايرة في بناء المشهد السينمائي. إذ كان يؤكد دوماً أنّ «الإيقاع هو العنصر الأساسي المكوّن للسينما». لكن هناك عناصر أخرى أخذت تبرز في أعماله مثل بصمة الزمن على الأشياء، وما تتركه على روح الشخصيات. يقول في حوار معه «تكمن أهمية الفن في أنّه يحمل شوقاً إلى المثال». هكذا، يقود أبطال أفلامه إلى عالم قاتم يحتاجون فيه إلى قوة للعبور نحو «البلد السعيد».

خلاصة أولية

هاتان تجربتان من عشرات التجارب السينمائية السوفييتية التي بتنا نفتقد إليها اليوم، لقد كان لهما حضور وتأثير كبيران في أجيال من المثقفين والمبدعين، خصوصاً في عقود الستينات والسبعينات وحتى منتصف الثمانينات، حين كانت النقاشات محتدمة حول العلاقة بين الفن (الإبداع عموماً) والسياسة والثورة. فهما تحضران برغم تباعد عوالمهما وموضوعات كل منهما، فواحدة ارتبطت بالثورة وأنجزت منجزاً فنياً هائلاً، والثانية كانت تنأى بنفسها عن الإيديولوجيات وقدمت إبداعاتها، الأمر الذي يعني أن المسألة تتعلق بطبيعة المبدع ومواهبه الفنية ونظرته إلى علاقته مع إبداعه ومع ما يجري من حوله. لكن المهم أنه لا حياد في الفن.

اقرأ أيضا