الاتحاد

الملحق الثقافي

هيفاء المنصور: المجتمع السعودي يحب السينما لكنه يخشى منها

مثلما عُرِض في هذه الدورة من مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي أفلام لمخرجين شبان من العالم العربي، مثل «ابن بابل» لمحمد الدراجي من العراق، و»ميناء الذاكرة» لكمال الجعفري من فلسطين، و»شيوعيين كنّا» لماهر أبي سمرا من لبنان، يتمنى كل مَنْ يعرف المخرجة الشابة السينمائية السعودية الشابة هيفاء المنصور أن يعرض عملها في الدورة الرابعة لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي في العام المقبل، وهو الذي فاز السيناريو الذي يخصّه بجائزة «منحة الشاشة» التي يقدمها المهرجان بهدف أن يستكمل المخرجين الشبان مشاريعهم التي تعطلت لأسباب تمويلية وبحيث يتيح لهم استكمال بناء السيناريو وإقامة علاقات مباشرة مع منتجين عالميين.

والجائزة التي حصلت عليها المنصور، منحتها لجنة أبوظبي للأفلام في اختتام أعمال مؤتمر «ذي سيركل» السنوي الثالث الذي عقد في فندق إنتركونتننتال في أبوظبي. وتبلغ المنحة مائة ألف دولار أميركي، وهي مخصصة لإبراز المواهب الصاعدة في السينما وفي التلفزيون في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وذلك لتطوير السيناريو ودعم ومتابعة الفائز.
وقد تم اختيار هيفاء عن سيناريو «وجدة»، وهو قصة فتاة سعودية طموح وحالمة بالحرية تعيش ضمن مجتمع يحد من أحلامها. وكانت هيفاء المنصور من ضمن خمسة مرشحين نهائيين للجائزة. وستتابع لجنة أبوظبي للأفلام مع الفائزة عن كثب سير المشروع في مختلف مراحل تطوره وعملية إنتاجه.
وفي ما يلي حوار مع هيفاء المنصور عن الجائزة وتجربتها السينمائية وواقع السينما في السعودية والخليج:
* إن السؤال الذي يبدو قد ملحّاً بعد فوزك بجائزة «منحة الشاشة» هو: هل سيساهم الفيلم الذي سيكون على أساسه السيناريو مختلفاً بالنسبة لتجربتك؟
* * إن فضيلة هذه الجائزة المهمة، منحة الشاشة، بالنسبة لكل سينمائيي الوطن العربي أنها تسلط الضوء دولياً على المخرج وكاتب السيناريو معاً، ذلك أن أغلب المشاركين في المسابقة كانوا من المخرجين الصاعدين. وهذا لا يساعد المخرج فقط على صناعة فيلمه، بل يضاف إلى ذلك أن الفيلم، إذ يمر بمراحل كثيرة بدءاً من الفكرة وحتى كتابة النص إلى ظهوره على الشاشة فإن المخرج يحتاج إلى مساعدة الآخرين إذ إنه لا يستطيع القيام بكل هذه الأعباء وحده، والمهرجان عموماً، وهذه الجائزة تحديداً تقدم المخرج للمنتجين من أوروبا وأميركا.
بمعنى أن فضيلة الجائزة ليس في قيمتها المادية فقط، بل أيضاً في أنها تفتح آفاقا واسعة للمخرج وفيلمه، بالتالي لا يعود هذا الفيلم مجرد صناعة محلية وخاضعاً لاشتراطاتها، إنما يخرج من نطاقه الجغرافي إلى الإنساني والكوني. هذا يعني أن بوسع المرء، عبر جائزة منحة الشاشة، أن يصل إلى منتجين عالميين، الأمر الذي لم يكن متاحاً سابقاً لأي كاتب سيناريو أو مخرج أن توجد مع منتجين عالميين فيتم تسليط الضوء عليه.
فتاة.. ودراجة
* ما حكاية السيناريو الذي سيقوم على أساسه الفيلم؟
* * يتحدث السيناريو عن قصة طفلة في الحادية عشرة من عمرها، على عتبة المراهقة، وتسعى إلى أن تجد مكاناً لها في الحياة. ويحدث أن تتعلق بدراجة هوائية أثناء ذهابها إلى المدرسة، فترغب باقتناء واحدة مثلها لكن المجتمع لدينا محافظ وأي نشاط للمرأة خارج المنزل يعتبر نشاطاً محرماً، لكن الطفلة لا تضع هذا الأمر في اعتباراتها؛ لأنها باختصار طفلة، لكن المجتمع يعاملها كامرأة ناضجة.
الفيلم يحكي قصة محاولة الطفلة الحصول على الدراجة تنطوي على الكثير من الدعابة وحس المرح.
وأقول، وأنا مدركة تماماً لجملة التطورات الإيجابية التي حدثت على وضع المرأة السعودية، أن المرأة هناك، بل المرأة الشرقية إجمالاً وضعها صعب. وبالطبع دون أن يعني أن المرأة العربية ضحية مجتمعها على جاري عادة الدراما العربية، بل أرى أن المرأة مملوءة حياة وتدفقاً ويمكنها خلق واقع جديد لو توافرت لديها الإرادة وهذا ما ينطبق على الطفلة في قصة الفيلم ولديها حس الدعابة والمرح وحب الحياة يدفعها دائماً للحصول على هدفها.
* هل سينبني الفيلم على رواية أو قصة قصيرة مثلاً؟
* * لا، بل على فكرة أخذت تختلف ثم تتطور باتجاهات إلى أنْ استقرت على نحو من الأنحاء، وليس على رواية أو قصة.
* لنتحدث قليلاً عن تجاربك السابقة؟
* * لديّ ثلاثة أفلام قصيرة، وفيلم وثائقي بعنوان «نساء بلا ظلّ»، أثار جدلاً في السعودية، وأشعر أنه كان انطلاقتي الحقيقية والذي أسسني بوصفي مخرجة، لكن هذا الانتقالة من الفيلم الوثائقي إلى الروائي مقلقة بالنسبة لي أكثر. كما شاركت بفيلم «كيف الحال»، وهو فيلم سعودي، وأنهيت دراسة الماجستير في السينما والنقد السينمائي مؤخراً من أميركا.
وأقول هنا أنني بوصفي مخرجة عمل روائي أول، إنني أحتاج إلى الكثير من الجهد، وأقول أيضاً إنني خرجت إلى قليل من الضوء الآن؛ خرجت من الإمارات، حيث السينمائيين الشباب الواثقين بأنفسهم، إلى الانفتاح على العالم بالمشاركة في هذه المسابقة، ينبغي أن نخرج من أمكنتنا، ونرى ماذا في الدنيا.
عندما صنعت هذا السيناريو لم أكن أتوقع أبداً أن ينظر أحد إلى هذا العمل، وقدمته أيضاً لغير جهة في العالم وقُبِل، بالتالي لقد أسست للفيلم خارج المنطقة العربية. والآن بهذا الفوز أسست له هنا في هذا المهرجان، أي في المنطقة التي خرج منها بالأصل ويتحدث عنها. وأظن أن صناعة الفيلم لا تكتمل بولادة الفيلم، بل أن يؤسس له صاحبه عند كل مَنْ يمكن أن يهتم به ويرعاه، وهذا ما وفره لي المهرجان، وبالتالي لجنة أفلام الإمارات وبالتالي منحة الشاشة.
إنها فرصة كنت أحلم بأن تتوافر لي بلا أية مبالغة، كنت أحلم بالطريق التي توصلني إلى المنتجين الذين التقيت بهم وإذا بي ألتقي بهم ونتبادل العناوين للتشاور بعد انتهاء المهرجان حول عملية الإنتاج. ذلك أن جملة العلاقات الإنسانية التي يبنيها المرء مع الآخرين هي بالضرورة مفيدة للطرفين في محافل من طراز هذا المهرجان.
إشكاليات محلية
* من وجهة نظركِ النقدية وبوصفكِ أكاديمية، ما هي الإشكالية الأساسية التي تواجه السينما في السعودية؟
* * تتحدد هذه الإشكالية في أن المجتمع السعودي يحب السينما، لكنه يخاف السينما، رغم أن المجتمع السعودي تقريباً يحب السينما. إن تذهب إلى البحرين، تجد السعوديين طابوراً طويلاً أمام شبابيك التذاكر. بالمقابل إذا اتُخِذَ قرار في السعودية بإنشاء هذه الصناعة، فأعتقد أنه بلد يمكن أن يكون منتجاً للسينما حاله حال الصين والهند ومصر، ذلك أنه ديموغرافياً هناك شعب واسع وممتد في المدن ولديه طاقة شرائية ويحب مشاهدة السينما، بالإضافة إلى قَدْر بسيط من الثقافة السينمائية. لكن أساساً هناك شعوب ترغب في الذهاب إلى السينما والسعوديين أحد هذه الشعوب. لاحظ أن أغلب القنوات موجهة إلى الشعب السعودي ليس لأن لديه طاقة شرائية بل لأن الناس يتابعون أيضاً مع توافر رقعة ديموغرافية واسعة.
لكن ثمة مخاوف، فلقد مرّت البلاد بمراحل كانت مغلقة فيها تماماً، وفيها الكثير من المحرّمات، وهذا ربما يبرر الارتباك في المشاعر تجاه السينما فهم يرغبون بالذهاب إليها، لكن لا يرغبون في أن تُصنع الأفلام في بلدهم.
على مستوى آخر، فإن بعض الأفلام التي تفتقر إلى التواصل مع المجتمع لأن ما تتوافر عليه من طرح ليس بعميق كفاية، بحيث يجذب المتفرج الذي سوف يتساءل: ما الذي يقدمه لي هذا الفيلم إذا كنت سأغادر مكاني وأدفع ثمن بطاقة دخول ثم أشاهده؟ إذن لأبقى هنا وأتفرج على مسلسل تركي أو مكسيكي فهو يشبعني عاطفياً أكثر عِوَضاً عن أن أذهب إلى مشاهدة فيلم لا يرضيني كمشاهد.
وهناك اليوم فرصة غير مسبوقة، فقد سبق أن كانت البلاد مغلقة والآن من المتاح أن نأتي بقصص من مجتمعنا ونعالجها، بحيث تخرج إلى الشاشة وتهم الفرد السعودي في مكانه. بمعنى أن يعطي المرء نفسه الوقت الكافي لكتابة السيناريو وإعداد الشخصيات، بحيث لا يكون المعنى من الفيلم هو استفزاز الناس بل أن تقترب منهم وتدغدغ مشاعرهم كبشر ليس إلا.
* لننتقل إلى المستوى التقني، فلا شك أن السينما في السعودية لا تزال ناشئة....
* * بل ما من صناعة للسينما في السعودية على الإطلاق.
* ألا يؤسس هذا العدد من الأفلام فيها لبدايات أو ما يشبه البدايات؟
* * بالطبع لا يؤسس لصناعة سينما. في فلسطين عدد أكبر بكثير من الأفلام لكن ليس هناك صناعة سينما. ينبغي أن يتوافر لديك معهدا لتدريس السينما ودور مؤهلة لاستقبال العروض السينمائية وبنية تحتية لصناعة الفيلم السينمائي.
* حتى على المستوى الخليجي؟
* * لا، ثمة بدايات هنا في دولة الإمارات، فثمة مهرجانات سينمائية ومعهد ودور عرض.. إلخ، لكن هذا لا يكفي، إذ إن صناعة السينما كصناعة النسيج تماما، إذ ينبغي أن يكون لديك من البناء والماكينات والكثير من العمال والمهندسين والتقنيين والمواد الخام ثم مستهلك للبضاعة التي ينتجها هذا المصنع.
* لكن كان هناك مهرجان جدة السينمائي؟
* * هذا المهرجان عبارة عن عرض لإنتاجات فردية، وقد تكون تاريخية. وأنا أكِّن كل الاحترام لهذا المهرجان، لكن ينبغي أن تتوافر لدينا معامل التحميض وسواها مما تحتاج إليه هذه الصناعة، بالمعنى الذي جعل دولاً أخرى صناعية. أظن أن مصر هي الدولة العربية الوحيدة في الوطن العربي التي تتوافر فيها هذه الصناعة. بمعنى أن هناك بوادر لظهور حركة سينمائية في السعودية وليس لصناعة سينما. بل وهناك الكثير من السينمائيين الشباب الذين لديهم ما يقولونه ويمتلكون وجهة نظر تجاه مجتمعهم ولديهم فكرة عن ذواتهم وعن المحيط الاجتماعي الذي يحيون فيه.
* لكنّ مهرجان جدة السينمائي قد تعطلت دورته الأخيرة؟
* * قلتُ إن المجتمع السعودي يحب السينما لكنه يخشى منها، ولم يحتضنها إلى الآن.
مجتمع مبرمج
* هل يتعلق الأمر بما هو حلال وحرام؟
* * لا، بل أكبر من ذلك. المشكلة أن المجتمع تبرمج على أن وجود هذه السينما كصناعة في نسيجه هو مصدر للتخريب؛ لأنها دخيلة عليه. وأعتقد أن السبب هو في أن هذا المجتمع كان مغلقاً. وكأي شيء آخر، فإنه عندما ينفتح المرء على الآخرين بعد انغلاق، فإنه يخاف ويرتبك ولا يستطيع التعامل بسوية مع محيطه على نحو طبيعي بسبب ما عاش من عزلة. وهذه هي حال المجتمع السعودي فهو يحتاج إلى أنْ يألف المجتمعات الأخرى والطريقة التي تحيا بها والمؤثرات التي ستهبّ عليه. ما يعني أن مسألة السينما في السعودية هي مسألة وقت لا أكثر ولا أقل.
* إذن، هي قادمة؟
* * نعم، بإذن الله. لأن التغيير أكثر في السعودية قادم، وهذا ما نراه نحن السعوديين.
* هل عُرضت أعمالكِ أو شيء منها في مهرجان جدة السينمائي؟
* * بالطبع، وحزت الجائزة الذهبية الأولى فيه، عن «نساء بلا ظلّ».
* لكنّ هذا المهرجان قد تعطل الآن؟
* * نعم، لكن توقفه لن يمنع الحركة السينمائية من الاستمرار.
* منذ متى اكتشفتِ علاقتكِ بالسينما؟
* * منذ صغري ومن مشاهدة الأفلام على شاشة التلفزيون. كنت أحبها جداً إلى درجة التعلق بها. حتى صنعت أول فيلم لي في البيت مع إخوتي، فمثّل أخي وقمت بالتصوير بكاميرا صغيرة.
ثمُ دخلت مسابقة أفلام من الإمارات وحاز فيلمي اهتماماً، فأحسست أن لدي صوت وبوسعي أن أقول شيئاً. أي أصبحت لدي أداتي الخاصة بي. أصبحت قادرة على التعبير عن وجودي كامرأة سعودية.
* ماذا عن السينما الخليجية بالتالي؟
* * أغلب المخرجين هم أقراني، وأعرفهم جيداً. حدث من خلال مهرجان الخليج السينمائي الذي يقام في دبي. وأشعر أنه ينبغي علينا التحرك جميعاً باتجاه آخر غير المحلية والإقليمية، ينبغي علينا أن ننتقل إلى مرحلة أخرى فنحلل رؤيتنا للعالم وللمجتمع، ولا ينقصنا الذكاء ولا فورة الشباب اللازمة لإحداث ذلك التغيير في الذات أولاً.
أتمنى أن ننظر إلى الخبرات الأخرى ولا نستفيد منها من عين محلية، بل إنسانية وكونية.
* قصدت، مثلاً، مقارنة السينما الخليجية بالسينما العربية كالتونسية مثلاً.
* * إنها في بداياتها ولم تتكوّن بعد بما يكفي. قد يكون هذا الطرح صادم للبعض، ينبغي على الآليات أن تتطور وتنفتح على التجارب السينمائية الأخرى، فالسينما في المغرب العربي لها جذور عميقة لذلك هي منفتحة على التجارب العالمية بلا أية مشكلة. هنا في الخليج لم نمرّ بهذه المرحلة بعد.
وفي الوقت نفسه، فإن الفرصة مواتية جداً أمام السينمائيين الخليجيين؛ لأن التمويل الذي من الممكن أن يتوافر لهم غير متاح أمام أي سينمائي عربي آخر.
* نعم، لكن هل هناك عوائق أخرى تحول دون تطور أو انفتاح السينما في الخليج؟
* * ثمة نقص كبير في الكوادر، فقد تحصل على مصوّر جيد وقد تأتي به من هوليوود ذاتها وينتج لك صورة خطيرة، لكن من أين تأتي بكاتب سيناريو يتحدث عن قنص الصقور ضمن قالب سينمائي؟ هذا أمر يستدعي الغوص عميقاً في الثقافة المحلية. بالتالي السينما الخليجية تفتقر إلى البنية التحتية أيضاً.
* إلى أين يذهب طموحكِ بعد الجائزة؟
* * إلى عمل سينمائي أجد نفسي فيه.

اقرأ أيضا