الاتحاد

دنيا

الثقافة الغربية غيّرت الشباب العربي.. والآباء مطالبون بأخذ أدوارهم

يذهب الكثيرون من الآباء والتربويين إلى اتهام الثقافة الغربية، الوافدة إلينا عبر القنوات التلفزيونية و«الإنترنت»، بترسيخ العديد من المظاهر والسلوكيات الدخيلة والشاذّة عن مجتمعاتنا وثقافتنا وتقاليدنا العربية، والتي هبطت بمستوى الذوق العام لدى شبابنا وأطفالنا على حدّ سواء، مما انعكس على لباسهم ومظهرهم العام، وحتى كلامهم ومصطلحاتهم التي يستخدمونها في مفرداتهم اليومية.
ويتساءل الكثيرون عن سبب وجود هذه الظاهرة وتناميها، فهل تعتبر الظروف الاقتصادية التي يمر بها المجتمع هي السبب في ما يحدث، بعد أن أصبح كل شيء يؤخذ بنظام الـtake away، أم أنَّ التنشئة الاجتماعية الخاطئة، وغياب الرقابة داخل الأسرة والمدرسة، وافتقاد عنصر التوجيه والإرشاد داخل دور العبادة، كانت سبباً في ما وصل إليه الشباب.. كلّها أسئلة نحاول الإجابة عنها في التحقيق التالي.

شعور بالغرابة
يقول سامي حاطوم إنَّه يشعر بالغرابة وهو يشاهد الشباب العربي، وقد بدا متأثراً بالثقافة الغربية إلى حدّ بعيد، وذلك من حيث المظهر والشعر والكلام، والسبب في ذلك يعود إلى التلفزيون، وكذلك بسبب العولمة والانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى.
ومن أجل السيطرة على هذه الظاهرة وعدم تفشيها بشكل أكبر، يقول حاطوم، إنَّ على الأهل مراقبة أبنائهم ونصحهم باستمرار، مع ضرورة إيجاد البديل، من قراءة الكتب وممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية، وغيرها من الأنشطة والدورات التدريبية التي من شأنها إشغال أوقات الفراغ لدى الشباب خاصة المراهقين.
ومن جهته يقول عيسى الكناكري إنَّ البعض يعتبر استعماله للغات الغربية والتشبه بأهلها، نوع من أنواع الانفتاح والتطور، لكنه يرى ذلك مضِّراً بالثقافة العربية، والدليل على ذلك أنَّ بعض الشباب لا يستطيعون أن يعبروا عما في خواطرهم باللغة العربية، سواء بالحديث أم بالكتابة، لافتاً إلى أنَّ وجود الخدم من غير العرب قد ساهم في طمس الثقافة العربية، وسادت الغربية عليها بشكل لافت جداً، فضلاً عن «الشات»، الذي يتم باللغة الإنجليزية وليس بالعربية. كما يشير الكناكري إلى أنَّ المطلوب هو توعية الأهل أنفسهم بخطورة هذه الظاهرة، لا سيما في المستقبل، حيث إنها ساهمت في تعميق الفجوة بين الأجيال.
وفي الوقت الذي يعترف فيه عبدالرحمن العجمي بتأثير الثقافة الغربية على جيل الشباب العربي من ناحية سلبية، حيث يبدو ذلك على الملبس والملفظ، فإنَّه يرى أنَّ القبائل العربية الأصيلة التي تنحدر من شبه الجزيرة العربية، لم تنقد وراء هذه الظواهر بفضل تحصنها وتمسكها بالعادات والتقاليد العربية، أما الذين انساقوا وراء الثقافة الغربية فهم الذين ينحدرون من أصول غير عربية، أو هم خليط من هذا وذاك.

انتشار الفضائيات
من جهته يقول عدنان عباس، مدير مدرسة النهضة الثانوية للبنين، إنَّ انتشار الفضائيات بكمّ كبير في المنازل قد أساء إلى الجيل الجديد أكثر مما نفعه. فهنالك محطات فضائية تقدم برامج مبتذلة وهابطة، وتعرض أفلاماً غير خاضعة لا لعملية مونتاج ولا لأية رقابة، ويتم فيها تداول مشاهد ومصطلحات غير لائقة، تتم ترجمتها بشكل غير صحيح. و»لأنَّ شبابنا وأطفالنا على سوية عالية من اللغة، فإنهم يفهمونها كما هي، وما ينطبق على المحطات الخاصة أصبح ينطبق على بعض المحطات الرسمية، علماً بأنَّ هذه الأفلام الأجنبية تعرض في بلادها على قنوات مشفرة، وإن عرضت علي القنوات العامة فإنها تعرض نظيفة ومصنفة حسب الفئات العمرية».
والواقع، بحسب عباس، أنَّ هذه الأفلام تسلخ الأطفال والشباب عن هويتهم، حيث يتعرضون إلى كم هائل من الدعاية والأفلام والمشاهد ومع غياب أرضية مقابلة، فإنهم ينسلخون تدريجياً عن هويتهم الوطنية. و«نحن نرى حالياً مناظر في مجتمعاتنا نضع عليها علامات استفهام، من قصات شعر تشبهاً بنجوم الغرب، وطريقة اللباس، والعبارات المتداولة بين الشباب باللغة الإنجليزية. وفي ظل الخوف من هذه المحطات، نجد بالمقابل أن الرقابة في المنزل ضعيفة، حيث الوالدان مشغولان بالعمل، ولا توجد برامج توعية بهذا الخصوص، لذلك يكون الطالب عرضة لها بشكل مباشر».
ولذلك يضيف عباس، المطلوب من التربويين تفهم الظاهرة وتحليل أسبابها، وإيجاد حلول لها بشكل لا يتنافى ولا يتعارض مع روح الشباب، بالإضافة إلى الدور الرقابي الذي يجب أن يمارسه الأهل في الرقابة على أبنائهم. كما «نحن بحاجة إلى برامج على مستوى الوطن وليس على مستوى المدارس، فالعام الماضي كان عام الهوية ومعناه التأكيد على العادات العربية الإسلامية، لكن المطلوب أن يكون كلّ عام هو عام الهوية، وأن تستمر الحملات السنوية والأنشطة والبرامج لتعزيز الهوية الوطنية».

تلوث سمعي
من جانبها تعزو إنعام المنصوري، استشارية أسرية، سبب ظهور هذه المصطلحات إلى إحساس الشباب باللامبالاة، مشيرة إلى أنها «تلوث سمعي» يتم تداوله بين الشباب على صيغة ألغاز بينهم. والمسؤول عن ذلك هم أولياء الأمور والقائمون على التنشئة الاجتماعية؛ لذا فإن الحلّ يتمثل في تضافر الجهود مع القائمين على رعاية الشباب داخل الجامعات والأخصائي الاجتماعي داخل المدرسة، هذا لأنَّ التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، ويجب ألا ننسى دور العبادة من مساجد، حيث يقع عليهم الدور الأكبر في التوعية والإرشاد.
وتقول المنصوري: «مع عصر الثورة المعلوماتية أصبح لكل عصر لغته الخاصة به، ومن ثم فهناك لغة مستحدثة أوجدها تفاعلنا اليومي مع (الإنترنت)، فانتشرت المفاهيم والمصطلحات الوافدة نتيجة لهذا التفاعل الحياتي بين الإنسان وبين المنظومة التكنولوجية، ومن هنا أضحت اللغة التي يستخدمها الشباب هي اللغة المتبعة في حياتهم يتناولونها في ما بينهم، ولأن لغة (الشات) فرضها الشباب على الواقع رغم أنها لغة موقف افتراضي، إلا أنها أصبحت الآن كلغة موقف واقعي، ولأن الشباب فئة عمرية مهمة تمتاز بالتجديد والإثارة، ظنوا أن هذه اللغة تساعدهم على إثبات ذاتهم فتمسكوا بها دون النظر إلى عاداتهم وتقاليد وتعاليم دينهم، مستغلين عدم مقدرة أسرهم على التفاعل مع التكنولوجيا الحديثة، والتعامل مع (الإنترنت) التي تعد أكبر ناقل لمثل هذه المصطلحات».
وترى المنصوري أنَّ هناك أسباباً أخرى أدت إلى ظهور مشكلة استخدام المصطلحات الغربية، لا سيما الهابطة لدى جيل الشباب، أهمها غياب القيم الأساسية، والتفكك الأسري، وغياب الأسر الجامعية، وعدم الانتماء والولاء، وعزوف الشباب عن المشاركات المجتمعية والسياسية، هذا بالإضافة إلى دور الأسرة باعتبارها الشريك الأساسي لحل المشكلة، وهي صاحب المصلحة الأول في الحفاظ على مستوى أبنائها، و«لكي نستطيع حماية المجتمع من تفشي هذه المصطلحات، لا بدَّ من أن يكون هناك دور قوي وواضح لدور العبادة، ولكافة وسائل الإعلام بكافة أشكالها من صحافة وإذاعة وتلفزيون لدعوة الشباب إلى التمسك بالأصالة والعادات والتقاليد السليمة».

اقرأ أيضا