نوف الموسى (دبي)

«كيف تُنتج حالة جمالية، تُعبر عن هوية المكان وتاريخه، بمنهج دقيق مستخلص من عمق ثقافي واجتماعي يثري المجتمعات المحلية؟!» سؤال جوهري يُطرح في أغلب الملتقيات المعرفية. وجاءت البرامج الثقافية الرمضانية هذا العام، حافلة بالبحث عن مسارات جديدة، للإجابة عن سؤالنا الذي يستند عادةً على مدى إدراك «مُنتج» الحالة الفنية والثقافية، لدوره المحوري في دراسة الإرث الإنساني، ومحاولة إعادة اكتشافه وإنتاجه مع الحفاظ على أصالته، خاصةً الفنون النادرة غير المتعارف عليها، مثل «فن القَط»، قدمته مجموعة «تماشي» المتخصصة في صناعة منتجات ذات بعد ثقافي وإرث مجتمعي، بهدف الحفاظ على هوية التفاصيل الفنية لشبه الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي، باعتباره أسلوباً فنياً، اشتهر في مقاطعة «عسير» الواقعة جنوب المملكة العربية السعودية، والمدرج بقائمة التراث العالمي غير المادي من قبل «اليونسكو».
محمد كاظم، شريك مؤسس لـ«تماشي»، أوضح في حواره لـ«الاتحاد»، أهمية إحياء العناصر الجمالية في الموروث الفني والثقافي ومنها «فن القَط»، وإثرائه عبر إجراء مجموعة من البحوث الميدانية، وتوثيقها عبر عمليات التدوين، الممزوجة بين تطلعات المشاهدات والمقابلات الشخصية مع الحرفيين وأهالي المنطقة، ورؤى المستشرقين القادمين للمنطقة، في وقت سابق. تشاركه منيرة التميمي كمؤسس لـ«تماشي» وفاعلة في دراسة القيمة الفنية لمخيلة النساء، وهن يستخدمن كل تلك الأشكال الهندسية، في «فن القَط» المعروف بأنه تزيين للمنازل تقوم به نساء عسير وتحديداً في غُرف الضيوف. تبدأ الحكاية برسم القَط عبر تهيئة الجدران بصنفرتها، ووضع المادة البيضاء تشبه الجص المستخرجة من صخرة محلية من جبال مجاورة تسمى «القضاض» أو «القصة». ويذكر محمد كاظم ومنيرة التميمي، أنه لا يُعرف الكثير عن تاريخ هذا الفن، إلا ما وجد من بقايا الرسومات، التي يعود تاريخها، إلى ما قبل 200- 250 سنة. ويعبر كل شكل هندسي عن الحياة اليومية لسكان تلك المنطقة.
اللافت أن شهر رمضان، مناسبة تفاعلية مجتمعية على مستوى التواصل الروحي، والمعرفي والفني كذلك، اتخذ منه القائمون على «تماشي»، فُرصة لفتح حوار ونقاش حول موروث الفنون في منطقة الخليج العربي، وأبعادها الثقافية على طبيعة الهوية في مجتمعاتنا، فالأخير جاء تأكيداً من قبل محمد كاظم، بضرورة الانتباه نحو التمازج العمراني والهوية، فبالنظر إلى مقاطعة «عسير» نموذجاً، فإن بيئتهم الطبيعية وروح قيمهم المجتمعية، انعكست على عمارتهم وملابسهم وأشغالهم اليدوية، وخاصةً «الألوان» الواضحة في تفاصيل ثقافتهم الغنية، بل وتُرى بشكل زاهٍ عبر «فن القَط»، بمدلولات «الأحمر» المستخلص من صخرة المشقة، و«الأصفر» المستخلص من الكركم أو قشر الرمان أو لحاء شجرة الثعب، و«الأخضر» المستخلص من البرسيم والأعشاب المحلية، و«الأزرق» المستخلص من نبتة النيلة.
في أوج حديث محمد كاظم، حول «فن القَط»، باعتباره حالة عفوية للنساء في التماهي مع جدران البيت بتشكيل مكونات أساسية للفن، على مستوى الخطوط والأشكال وهي: «التقطيع» و«الحضية» و«الختمة» و«الكف»، و«البترة» و«الأركان»، يوضح كيف أن الورش التعليمية والتثقيفية، لتجربة «فن القَط»، تتيح ممارسة شبيهة بالمعالجة عبر الفن، بسبب السكون والطمأنينة اللذين يقدمهما الفن. وبالعودة إلى سبب تسميته بـ «القَط»، أشار محمد كاظم إلى عدة نظريات من بينها «يعتقد أن تسمية القَط بهذا الاسم ترجع إلى الفعل قَطط. والذي يعني تقطيع الشيء إلى أجزاء أو الفعل نقط والذي يعني الرسم بالتنقيط»، وأضاف كاظم، أنه عند سؤال الأهالي في عسير، أطلعوهم على اعتقاد آخر، وهو أن «قط» من فعل رمي الألوان على الجدران، داخل الأشكال الهندسية، التي لها رموز عديدة، يذكر محمد كاظم منها: «البنات» و«الأمشاط» و«المحاريب» و«الأرياش» و«العروسة والوصايف» و«العذوق» و«الأشباك» و«البلسنة».
لفت محمد كاظم، أنهم يعملون في «تماشي» ضمن 4 مسارات رئيسية، لتعميق حضور الإرث الفني في حياتنا اليومية، أولها منتجاتهم المستوحي من أصالة الفنون نفسها، دون تقليدها بالمعنى الحرفي، ثانيها مشاركتهم بإقامة معارض فنية في «معرض سكة الفني»، و«حي دبي للتصميم»، ثالثها تنظيم لقاءات وورش تعليمية، تطرح رموز تلك الفنون واستدلالاتها في الهوية رمز «البنات» في «فن القَط»، وهو تجسيد لحضور المرأة في اللحظة الفنية بالتعاون مع وزارة الثقافة وتنمية المعرفة وهيئة دبي للثقافة والفنون، ورابعها رحلات ثقافية نحو المدن التاريخية وقراءة موروثها الإنساني والاجتماعي. هادفين من خلالها الاشتغال على 3 مرتكزات وهي: المساهمة في الحفاظ على الهوية، وتمثيل الثقافة بشكلها الراقي بترك أثر إيجابي من خلال: نشر المعلومات عن العناصر الفريدة التي تعكس تاريخ الخليج العربي الثري، وخلق شبكة للفنانين الصاعدين من المنطقة لنشر أعمالهم وإلقاء الضوء عليها.
يعيش محمد كاظم ومنيرة التميمي، تحديات أثناء إجراء عملية التدوين والبحث، للحصول على المعلومات من مصادرها الرئيسية أبرزها: آلية بناء الثقة مع الحرفين والمتخصصين، في تلك المناطق الغنية بالفنون المجتمعية، لذلك يسعى محمد كاظم إلى خلق علاقات إنسانية ومباشرة معهم، من خلال المبيت عندهم، مبيناً أن ما يستوقفه عادة عند الذهاب إليهم هو الشغف المستمر حول حرفهم اليدوية، وارتباطهم بالمعنى الجمالي لما يقومون به، قائلا ً حول ذلك: «نمشي بين البيوت، ونحاول أن نسأل أهالي المكان عن جّل ما يعرفون ويتذكرونه عن حرف أجدادهم»، من جهة أخرى، فإن بعض الحرفيين يعيشون في مجتمعات معزولة، يُندر فيها وجود الخدمات من مثل من يقطنون أعالي الجبال، والوصول إليهم يشكل صعوبة.