الاتحاد

الملحق الثقافي

دُنياكَ خارج سورها العالي

علي الحازمي ?

اخترتَ أَنْ تحيا حياتَكَ كالغريبِ
يمرُّ من بابِ المدينةِ غيرَ مأسوفٍ
على الماضي البعيدِ وناسِهِ
لأَيِّ دربٍ تُفْسِحُ الدنيا لخطوتِهِ... سَلَكْ
???
أمضيتَ عُمركَ بين تهوامِ السنينِ
وبين أَسئِلةٍ تُنَازِعُ عرشَ رُوحِك
كُلَّمَا امتلأتْ رؤاكَ بحَفْنَةٍ أُخرى
من التذكارِ والشجنِ القديم،
لم تنتظرْ دُنياكَ
خَارجَ سورِها العالي، هَرعتَ
إلى التماعاتِ النشيدِ وفجرهِ،
آخيتَ في سَفرِ المخيلةِ
طفلَ حُلمِكَ فارتقيتَ
لمنتهاهُ سلالماً من فِضَّةٍ
عَلَّلْتَهُ بالغيمِ في قَيظِ الدروبِ... وعلَّلَكْ
???
لم تستطعْ عيشَ الحياةِ
على حُطامِ كواكبٍ
غَرَبتْ عن الأَنظارِ،
أغرتْكَ التُّخومُ بشالِها وبعيدِها،
تمضي وتَسألُ
ما الذي أقصاكَ دونَ بلوغِ
ما منَّيْتَ روحَكَ باعتناقِ سحابِهِ،
ليسَ يعنيكَ انشغالُ الحظِّ
عن قدميكَ في شَرَكِ الهباء،
مَنْ كُنتَ تَنوي
أَنْ تُواصلَ صوبَ نجمتِهِ الصعودَ
قَسَا عليك... وأَنْزَلَكْ!
???
تغفو لتحلُمَ
بالأقَاصي وما انتظرتَ
من الأَهِلَّةِ في سماءِ الله،
ما كُنتَ تملِكُ من ندى عينيكَ
ما يكفي لِتَعْثُرَ في التماعتِهِ
على قبسٍ شحيحٍ للعبورِ إلى رؤاك،
صَدَّقتَ معنَى الدفءِ
في كَنفِ الأَحِبَّةِ
وارتهنتَ لظلِّهِم زمناً
فغادركَ الذي أسكنْتَهُ
سهلَ الحنينِ ونبضَهُ،
اختارَ أَنْ يُقصيكَ للذكرى
لتغدو من حياتِهِ آخِرِاً
واخترتهُ دوماً لِيُصبِحَ... أَوَّلَكْ
???
خيطٌ شفيفٌ للسؤالِ المعدني
يَشُدُّ ماضيكَ البعيدَ لحتْفِهِ
وأَنتَ ما بينَ التردُّدِ والتغرُّبِ
ما اهتديتَ لقِبْلَةِ الشجرِ الأَخير،
لم تلتفتْ لربيعِ مَنْ يهواكَ
مَنْ شطرَ الغيابُ فؤادَهُ نصفينِ، وانتثرَتْ
خُطاه على مهبِّ الريحِ تَعلقُ بالصدى
مَنْ ظَلَّ يحملُ عنكَ أعباءَ السنينِ... ودلَّلَكْ
???
إِطلالةُ الذكرى بعينِكَ لا تُهيِّؤُ للحقيقةِ
مَرْفَأً صَلْباً لِتُفرِغَ مَركباتُ الغَيْبِ
بعضاً من حُمُولةِ صمتِها،
تنحازُ للنسيانِ في تعبِ الطريقِ
ولَسْتَ تبلغُ سِدْرَةَ الحُلمِ الذي
أَشقيتَ عُمركَ بامتداحِ ظِلالِهِ،
لا أَنتَ تُوقِدُ ما انتهيتَ إليهِ من
حطبِ السؤال، ولا انسحابُ الفجرِ
عن قدمِ البدايةِ... أَمْهَلَكْ
???
ما كُنتَ لو تحظى بباقي العُمرِ
تُدرِكُ ما أضعتَ من الحياةِ وسِرْبِها،
ضَاقتْ بِخطوِكَ ضِفَّةُ الأَملِ القصيِّ
وجرَّدَتْكَ الأَرضُ من حِنَّائِها،
لم تَدَّخِرْ سبباً وحيداً كافياً
لرجوعِ صوتِكَ من غياهِبِ أَمْسِهِ،
ما كُنتَ تُفلِحُ في الوصولِ إلى
تُخُومِ أَنَاكَ في شَفقِ الهديلِ المرْمريّ،
ما خَفَّ من ريشِ التذكُّرِ... أَثْقَلَكْ
???
يختارُكَ الترحالُُ
فاسْلُك في مجاهِلهِ احتمالاً
لا يعودُ إلى التباسِكَ بالندى،
لا تحملِ التِّيهَ الفسيحَ
إلى حُدودِ الملحِ في رمقِ المدى،
للريحِ أَجنحةٌ
تُؤلِّبُ جَذْوَةَ العطشِ القديمِ وتوقَهُ،
مَنْ راحَ يبحثُ عن مَعِينٍ واضحٍ
في ظِلِّهِ الخالي من النجوى... هَلَكْ
???
فَتِّشْ إذاً عن طيفِ مَنْ غادرتَهُ
عن أُغنياتِ الغيمِ، عن وَتَرٍ يسيلُ
إلى براري الصمتِ في عينيكَ،
فَتِّشْ عن وجودِكَ
في السرابِ وفي الغيابِ وفي الصدى

لا بُدَّ من نَايٍ أَخيرٍ شَارِدٍ
نَايٍ بهيجٍ كُلَّمَا ضَيَّعْتَهُ في زحمةِ الدنيا
لِروحِكَ... أَوْصَلَكْ

? شاعر سعودي

اقرأ أيضا