الاتحاد

الملحق الثقافي

صلاح بوسريف :أنا متفائل بمستقبل الشعر

شاعر وناقد مغربي يعتبر أنه لم يعد ممكناً التغاضي عن التجارب الشعرية في الإمارات
صلاح بوسريف :أنا متفائل بمستقبل الشعر
يعتبر الشاعر والناقد المغربي صلاح بوسريف من بين الأصوات التي تصنع الحراك الثقافي في المغرب. فهو شاعر وعضو مؤسس بيت الشعر في المغرب وكاتب عام سابق لاتحاد كتاب المغرب فرع الدار البيضاء. أغنى المكتبة الشعرية بعدد كبير من الدواوين نذكر منها: “فاكهة الليل”، “على إثر سماء”، “شجرة النوم”، “نتوءات زرقاء”، “حامل المرآة”، “شهوات العاشق”، “شرفة يتيمة”. وله أيضاً في مجال النقد والتنظير: “رهانات الحداثة”، “أفق لأشكال محتملة”، “نداء الشعر”، “فخاخ المعنى”، “قراءات في الشعر المغربي المعاصر”، “مضايق الكتابة”، “مقدمات لما بعد القصيدة”، “الكتابي والشفاهي في الشعر المغربي المعاصر”.
محمد نجيم

وبمناسبة صدور كتابه الجديد “نداء الشعر” أجرينا هذا الحوار مع صلاح بوسريف.

? كيف ترون الشعر العربي اليوم، وهل تتفق معي أن ضوء القصيدة بدأ يخفت، وما الذي تراه ممكناً لاستعادة الشعر مكانته التي كان عليها من قبل؟
? لا يمكن النظر إلى الشِّعر بهذه البساطة، كثيراً، ما أقرأ، أو أسمع مثل هذا الحُكم على الشِّعر بـ “التدهور” أو “التراجع”، وهو تراجع، غالباً ما يُقاس بالقراءة، أو بالمبيعات، وليس بتلقي الشِّعر. فأنا هنا أميز بين مستويين؛ مستوى السوق، الذي تحكمت فيه مواقف الناشرين، من جهة، وهي في أغلبها ترفض التعامل مع الشُّعراء، في الوقت الذي يقبل فيه هؤلاء نشر ما يُكتب من دراسات عن الشِّعر، وهذا موقف غريب، ويطرح أكثر من سؤال، ومستوى المدرسة أو الجامعة، وأعني البرامج التعليمية، في المدارس العربية، التي ما زالت تعيش على إيقاع الماضي، وترفض الشعر الحديث، والمعاصر بشكل خاص، أو تكتفي في هذا الشِّعر، بنماذج تعود إلى الخمسينيات والستينيات ولا تتجاوزهما، من جهة ثانية.
ومستوى الإعلام، من جهة ثالثة، الذي لا يُتيح، بدوره للشِّعر أي مكان، وحتى عندما ظهرت برامج من هذا القبيل، ابْتَذَلَتِ الشِّعر، وعادت به إلى ما قبل التاريخ. هناك قصد في تهميش الحداثة، وفي ابتذال الشِّعر، وهذا كان مما جعل تداول الشِّعر، يعرف تراجعاً، بعكس تَلَقِّيهِ الذي يحظى بقبولٍ واسعٍ، وهذا ما يمكن ملاحظته في المواقع الشِّعرية الكثيرة على شبكة الويب، وعدد الذين يقبلون عليها. الخلل ليس في الشِّعر، بل في آليات التعامُل معه.

? هناك من يذهب إلى أن الشِّعر لم يعد يقرأه غير الشُّعراء، فيما بينهم، وكأنهم يتبادلون رسائل خاصة؟
? مهم جداً أن يقرأ الشُّعراء بعضهم، هذا أمر طبيعي. فأنا أقرأ كل ما يقع في يدي من شعر، لأنني أريد، دائماً، أن أختبر تجربتي، في ضوء تجارب الآخرين، بما في ذلك تجارب الشبان الجدد. لكن ما لا ننتبه له، هو أنَّ الشعر له قاعدة من القراء، لم تعد هي قاعدة المستمعين، الذين تعودوا على الشعر الشفاهي، وعلى النموذج التقليدي الذي تتحكم في هذه البنية، وهو عكس الشعر الكتابي، الذي يحتاج لقراءة متأملة، صامتة، أو ما أسميه بالوعي الكتابي، في مقابل الوعي الشفاهي.
هذه المسافة بين هذين النوعين من الوعي، هو ما لم نتعلمه بعد في التعامُل مع الشِّعر، وهو ما لم تَعِهِ المدرسة، وكذلك الإعلام. الشِّعر، اليوم، يحتاج لقارئٍ متأمل، وليس لقارئ، يعاني من عطب في حواسه، أو يكتفي بالسماع، دون وعي المكتوب.

? ماذا عن الشِّعر المغربي، وكيف تنظر إلى أفقه ومستقبله، ومن هي أهم الأصوات التي قام عليها هذا الشعر؟
? الشعر المغربي، اليوم، يعرف انتقالاً، أولياً، في حجم المساحة الشعرية التي اتسعت بشكل كبير، وأصبح للصوت النسائي فيها حضوراً لافتاً، كما عرف تراكماً، كمياً، في عدد الدواوين والنصوص الشعرية التي تنشر في المجلات والملاحق والصفحات الثقافية. لهذا، طبعاً، انعكاس على طبيعة التجارب. ثمة كثير من الكتابات، لا داعي لها، لأنها لا تشي بأي أفق أو مستقبل، وهي مجرد ظاهرة إعلامية، لا غير، وثمة تجارب، أصحابها يشتغلون في هدوء على تجاربهم، ويراهنون على المستقبل، وهؤلاء هُم الذين يعطون الشِّعر المغربي خصوصيته، ويجعلون منه استثناءً، في التجربة الشِّعرية العربية، رغم ما يعانيه هذا الشعر من إهمال إعلامي، خصوصاً في المشرق العربي.
إن أهم ما أنتجته الشِّعرية المغربية المعاصرة، هو ما حدث بداية من الثمانينيات، حين تَخَلَّصَ هذا الشِّعر من الخطاب السياسي الذي أكل من تجربتيْ الستينيات والسبعينيات الشيء الكثير.
بالأسف، لم يترك شعراء هذين الجيلين أي تأثير على الشعر المغربي، ما جعل من الشعراء الذين جاؤوا بعدهم يذهبون إلى أراضٍ لم تكن متاحةً من قبل.
? من هي أبرز الأصوات والتجارب الشعرية المغربية الشابة، وكيف تقيم أعمالها؟
? كما أشرتُ، هناك تجارب لها أهميتها، بين هؤلاء الشبان، وبعض هؤلاء لهم مواقعهم في الشِّعر المغربي المعاصر، وحتى في الشِّعر العربي، ويعملون على تجاربهم، حيث يمكنك أن تلمس فيها بحثاً، وانشغالاً جادين، وهم ليسو مشغولين بالإعلام، لكن عدداً من هؤلاء، يعانون خللاً في فهم العلاقة بالشِّعر، وما يتطلبه من بحث وعمل ذائبين. فحين لا يختبر هؤلاء تجاربهم، أو لا يتأملونها، في ضوء ما يجري حولهم، فهذا يجعلهم يعيدون كتابة نفس الشيء بنفس اللغة، وبنفس الرؤية.
إذا كانت اللغة مهمة في الكتابة، فهي ليست كل الشِّعر. الشِّعر تجربة تحتاج لمعرفة لا يمكن حصرها في الكتابة بالنثر، أو بلغة هي نفسها التي تقرأها عند هؤلاء دون وجود فرق. لستُ في حاجة لذكر الأسماء لكنني أثق في تجارب شبان لهم ما يكفي من الوعي بأهمية الشِّعر، وما تقتضيه المسؤولية الشِّعرية من حرص على الكتابة، بالنظر إلى مستقبل هذا الشعر وليس لماضيه.

? برأيك، هل يواكب النقد التجارب الشعرية الموجودة حالياً في المغرب، وكيف تقيم أعمالها؟
? بالأسف لا يوجد عندنا نقاد للشِّعر. الذين اشتغلوا على الشِّعر كانوا شُعراء. أغلب الذين يكتبون اليوم في الشِّعر، جاؤوا من الجامعة، أعني أنهم لم يخرجوا من الإطار الأكاديمي الذي غالباً ما يهتم بالنظرية، أكثر من اهتمامه بالنص، وهو على أيٍّ نقد لا يخدم الشِّعر، ويعاني من عطب في الإحساس بقيمة النص.
هناك نقاد لهم خبرة بالنصوص، لكنهم يشكلون حالات محصورة، قياساً بهذا النقد الجامعي، أو النقد الصحفي الذي لعب دوراً كبيراً في إفساد الشِّعر في المغرب، خصوصاً في جرائد الأحزاب السياسية.

? في عملك الشِّعري “شُرفَة يتيمة”، بجزئيه، يتقاطع السير ذاتي مع اليومي، لماذا الحرص على الجمع بين هذين الزوجين في الديوان، الذي هو نص واحد، ممتد على مساحة الكتاب كاملةً؟
? منذ أكثر من عقد من الزمن، وأنا أشتغل على مفهوم “الكتابة”. في هذا المفهوم، حاولتُ أن أعمل على “العمل الشِّعري”، وأعني “الكتاب”، تحديداً. الأعمال الصادرة لي، كانت في أغلبها عَملاً واحداً، وليس نصوصا متفرقةً، كُتِبَت في ظروف مختلفة. في مفهوم الكتابة، عملتُ على الاشتغال على الصفحة الشِّعرية، لم يعد الشفاهي، هو المهيمن في النص، كما لم يعد المكتوب، هو الدال الوحيد للنص، فالبياض، والفراغات، وأشكال التوزيع الخطي، واختلاف الخطوط، وتنوعها، صارت كلها دَوَال، لها أهميتها في النص. في هذا العمل، بجزئيه، يبدو الوعي الكتابي أكثر حضوراً، قياساً بالوعي الشفاهي الذي تراجع، أو لم يعد مُهَيْمِناً، كما يجري في الشِّعر العربي المعاصر الذي لم يتخلص بعد من هيمنة الشفاهي، أو لم يعِ الكتابة، كانتقال، أو كقلبٍ معرفي جديد، في فهم الشِّعر وقراءته.
في هذا السياق، طبعاً، عملتُ على الجمع بين السيرذاتي، الذي هو استعادة، واسترجاع، ليس بما يحمله الاسترجاع من تفاصيل، بل بالتركيز على لحظات لها أهميتُها في السياق الشِّعري، وبين اليومي، الذي هو الإطار المرجعي لهذه اللحظات، أي لما هو سيرذاتي. أتاح لي السرد الشِّعري، أن أبتعد عن كثير من التفاصيل الزائدة، التي استغرقت كثير من الكتابات السيرذاتية، التي جاءت من خارج الشِّعر.
لا يمكن استبعاد اليومي، كما أن هذا العمل، تقاطعت فيه كثير من اللحظات، وربما كان اليومي، هو أحد مكونات النص التي لا يمكن قراءتُه، دون الوعي بأهميته.
في الآونة الأخيرة، فقد المغرب بعض رموزه الفكرية، وعرف المشهد تراجعاً للمثقفين، الذين فضلوا الانسحاب، في ظل هذه الضبابية التي تَلُفُّ الواقع الثقافي في المغرب، بما في ذلك الصراعات والتطاحُنات، بين المثقفين والكتاب، ووزارة الثقافة، كيف تنظرون إلى ما يجري؟
كان لرحيل بعض المفكرين المغاربة، من مثل محمد عابد الجابري، وعبد الكبير الخطيبي، تأثير واضح في المشهد الفكري، وهو خسارة، ليس للثقافة المغربية، بل للثقافة العربية عموماً. لكن هذا لا يعني انحسار مجال التفكير أو الإبداع. مجال الفكر لا يمكن حصره في مشروع دون آخر، ثمة دائماً أفكار ومشاريع، ما دام الواقع متحركاً، و مادامت الأسئلة مفتوحة ومستمرة. فما قام به الجابري، كان لحظة أساسية في قراءة التراث، وكان نقلةً كبيرة في المعرفة بالتراث، أو في فتح طرقٍ جديدة للقراءة، لم تكن متاحةً من قبل.
ما يجري اليوم في الساحة الثقافية في المغرب، هو انعكاس لطبيعة التحولات التي يعرفها المغرب، في مختلف المجالات. صحيح أن الكثير من المثقفين صمتوا، أو تراجعوا إلى الوراء، وهي نفس وضعية الجمعيات التي كانت تلعب دور المحرك الثقافي، في سنوات الستينيات والسبعينيات، وهذا، بالأسف، كان له تأثيره على ما يجري اليوم بين بعض المثقفين ووزارة الثقافة.
فاختيار عدد من المثقفين للسلطة، وانسياقهم وراء خُدعة التناوب السياسي، دون وعي المسافة التي تفرض على المثقف أن يبقى بمعزل عن السياسي، هو ما جعل هؤلاء يبقون صامتين إزاء ما يجري، فهم اليوم يكتفون بتبرير مواقعهم، ومواقفهم.
من الطبيعي أن يحدث مثل هذا الانشقاق، وهو من ضروررات الانتقال الذي يحدث اليوم في المغرب. أما بخصوص وزارة الثقافة، فهي اليوم تتغذى على هؤلاء، وهم الذين يعطونها مبرر وجودها وعملها، في مواجهة من اختاروا أن يبقوا بعيدين عن هذا النوع من الولاءات.
لعل في ما جرى في معرض الكتاب، في السنة الماضية، وما يجري في المعرض الحالي، ما يكفي لفضح صمت هؤلاء، وخصوصاً اتحاد كتاب المغرب الذي يعيش انهياراً تاماً، وهو، بالأسف، من المتواطئين مع وزارة الثقافة، رغم ما يتعرض له من احتقار من طرف وزير الثقافة، الذي هو عضوٌ في هذه المؤسسة.

? ما هي أبرز الأصوات الشِّعرية العربية اليوم؟
? لا أريد أن أُكرر خطأ أدونيس، حين اختزل الشِّعر العربي المعاصر، في أربعة أسماء. هذا النوع من الحكم، هو عودة إلى مفهوم الطبقات الذي كرَّسَه النقد القديم، وهو منطق المفاضلة، كما عرفناه عند الأصمعي وابن سلام وغيرهما.
أرى أنَّ هناك شعراء يكتبون اليوم بطريقة مختلفة عن شعراء الستينيات والسبعينيات. هناك اليوم نوع من الوعي الكتابي، الذي أتاح للشِّعر مساحة جديدة، ونقل المعرفة الشِّعرية إلى مجال أوسع، وهؤلاء لا يمكن حصرهم في جيل دون غيره. الشِّعر العربي اليوم، يوجد بتنوعه، وبوفرته، وبمقترحاته التي لم تعد تنحصر في جغرافية دون غيرها، أو في شاعر دون آخر. ثمة خصوصيات هي ما يمكن الحديث عنه هنا.

? هل أنت مطلع على التجارب الشعرية الإماراتية، وكيف تقيم هذه التجربة؟
? ما يحدث في الإمارات من تجارب شعرية، لم يعد ممكناً التغاضي عنه، فهي لها أهميتها في القراءة، وفي الحديث عن الشعر العربي.
بالأسف لا يزال النقد العربي محكوماً في رُؤيته، بما سمَّيْتُه بالمركزيات القاتلة. ما زلنا نختصر الثقافةَ، كما نختصر الشعر، في بيروت والقاهرة، وننظر إلى باقي الأمكنة كأطراف، أو هوامش، وهذه رؤية لم تعد تصمد أمام الواقع. ما يحدث في الخليج العربي، وما يحدث في الإمارات من تجارب شعرية، لم يعد ممكناً التغاضي عنه، فهي لها أهميتها في القراءة، وفي الحديث عن الشعر العربي. اختزال الشعر في مكانين، دون غيرهما، هو خطأ في الرؤية، وفي القراءة، وهذا أمر ينبغي التخلص منه، وتوسيع أفق القراءة و الرؤية، لنتمكن من معرفة حقيقة ما يجري في المشهد الشعري العربي، دون اختزال، أو تضليل. هذا ما يجعلني حريصاً على معرفة هذا ما يجري في الإمارات، وسرَّني كثيراً ما بدأ يصلنا من قراءات في هذه التجارب، التي كان آخرها، ما كتبه الدكتور المقالح.

? كيف ترى مستقبل الشِّعر في الوطن العربي، وهل من أصوات، برأيك، ستصنع هذا المستقبل؟
? أنا متفائل بمستقبل الشِّعر. رغم انحسار مساحة القُرَّاء اليوم، فالشِّعر العربي يعرف انتقالاً هادئاً، في معرفته، وفي لغته، وفي مقترحاته، التي عرفت تنوعاً كبيراً، وعرفت تَوَسُّعاتٍ حتى في مفهومات الشِّعر، التي لم تبق مفهوماً مُغلقاً أو شاملاً. انتفت المعايير، وأصبح النص هو من يخلق معاييره إبان لحظة الكتابة.
لاشيء سابق عن لحظة الكتابة. كما أن الشِّعر شرع في وعي الكتابة، وفي توسيع دَوَاِّله. لم يعد الوزن مشكلة في الشِّعر، فهو أحد دوال الشِّعر، وليس دَالَّهُ الأكبر كما في القصيدة التي كانت تحتكم في فهمها للشِّعر للوعي الشفاهي، وهو ما بينتُه في كتابي “حداثة الكتابة في الشعر العربي المعاصر”، الذي سيصدر خلال الأسابيع القادمة.

? في ظل الهجوم الكاسح للفضائيات والأنترنت، ومخالب العولمة، أي دور بقي للشاعر؟
? للشاعر أراضيه التي لا يمكن استبدالُها بغيرها من الأراضي. فالشِّعر عرف كيف يستفيد من الفضائيات ومن الأنترنت، ومن هذا الامتداد الكاسح للعولمة. وكما أشرتُ من قبل، فهذه الإمكانات الحديثة أتاحت للشِّعر أن يصل إلى أمكنة لم يكن وصلها من قبل، ومواقع الشِّعر اليوم لا حصر لها، وهي بلغات مختلفة. فالتقنية لم تزاحم الشِّعر، بل ساعدت في انتشاره، وفي توسيع مجال تداوُله، وترجمته. ما نتحدث عنه من انحسار للشِّعر، في مقابل غيره، ليس صحيحاً، حتى في مستوى النشر.
فعدد الدواوين الشِّعرية التي تُنْشَر سنوياً، في العالم العربي يفوق كثيراً ما يُنشر في غيره من الأجناس الأخرى. وأنا هنا أتحدث عن النشر الورقي، دون أن أذهب إلى النشر الإلكتروني الذي يعرف، بدوره انتشاراً واسعاً. علينا أن ننتبه للحكم على الأشياء، إذا لم نكن نملك ما يكفي من المعطيات.

? في قصائد بعض شعراء الحداثة الشِّعرية “نَشُمُّ” رائحة نصوص رائدة لسان جون بيرس، بول فاليري، رامبو، أندري بروتون، وأسماء غربية أخرى، كيف تفسرون هذه الظاهرة؟
? لا أُسَمِّي هذا ظاهرةً. الشِّعر، دائماً، كان أرض َ لِقاءٍ مع غيره من الثقافات والمعارف. فحين يذهبُ الشَّاعر إلى هؤلاء الذين ذكرتَهُم، فهو لا يذهب إليهم ليستعير منهم لُغَتَهم، أو طريقتهم في الكتابة، بقدر ما يسعى، لاختبار تجارب هؤلاء، وقدرتها على التجاوب مع تجربته هو، في سياقها الجمالي والمعرفي. الشِّعر اليوم، لم يعد إلهاماً، أو كتابةً دون بحث ومعرفة. الشَّاعر اليوم، أمام تجارب وثقافات، وتراكمات معرفية كبيرة، ليس هي نفس ما كان يجري قبل هذا التاريخ، حيث كان الشَّاعر يكتفي بما في يده.
هذا الذهاب صوب الآخر، لا أعني بالضرورة الأوربي، بل الياباني والصيني والهندي، وغيرها من ثقافات الشرق الأقصى والأدنى. لم يعد الأمر اليوم اختزالاً للمعرفة في ثقافة دون غيرها، كما أن الشعر يقتضي في وضعه الراهن الانفتاح على التشكيل والمعمار، وعلى تعبيرات الجسد، في الرقص الكوريجرافي، وغيرها من الفنون التي هي من ضرورات المعرفة الجمالية التي لم يعد ممكناً النظر إلى الشِّعر دون الالتفات إليها.
حين نُغَيِّر رؤيتنا للشِّعر، ونُغير طريقة قراءتنا له، ونخرج من منظور القراءة المدرسية البسيطة، سنكتشف غنى الشِّعر وعمقه، كما سنكتشف معنى حضور تجارب الشُّعراء غير العرب في الشِّعر العربي، وكيف يُدِير الشِّعر الحوار مع هذه النصوص والتجارب، ويتجاوزُها، في نفس الوقت.

? كيف ترون الوضع الثقافي الراهن في المغرب؟
? سبق أن تحدثتُ في هذا الموضوع، وكتاباتي الأخيرة، في الصحف العربية والمغربية، وفي بعض المواقع، كانت تسير في هذا السياق. ولأختصر المسافة أكثر، فالثقافة المغربية اليوم، تعرف انتقالاً من هيمنة السياسي, وأجيال الحركة الوطنية، الذين كانوا يهيمنون على كل شيء، إلى أجيال جديدة، نقلت الأسئلة من السياق السياسي المباشر الذي كان مُهيمناً على الثقافي، إلى الثقافي الذي أعاد صياغة المعرفة السياسية من منظور ثقافي، وليس العكس. هذا التحول هو ما يتبدى اليوم في المشهد الثقافي المغربي، وهو ما جعل الذين يَحِنُّونَ لهذا الماضي القريب يرتبكون، وهو ما دفع أغلبهم للانخراط في مؤسسات السلطة، والكتابة عندهم أصبحت نوعاً من تأكيد الحضور ليس أكثر. في ضوء ما أشرتُ إليه يمكن تفسير انهيار مؤسسات مثل اتحاد كتاب المغرب، وبيت الشعر، والمآزق التي أفضى إليها تسيير مثقف من هذا الجيل لوزارة الثقافة المغربية، وهو ما وقع فيه من كان قبله، من نفس الجيل.

? يُقال إن الرواية سحبت البساط من تحت أقدام الشعر. هل توافق ون هذا الرأي؟
? هذا رأي كما أشرتَ، لكن الواقع يشير إلى أمور أخرى. ففيما أشرتُ إليه في جواب سابق ما يجيب عن هذا السؤال. وأَوَدُّ هنا أن أضيف أن الشِّعر ليس كتابة عابرةً، مثلما يحدث في الرواية اليوم. أغلب الروايات التي تُنشر، تنتهي بمجرد قراءتها، فهي مُسْتَنْفَذة، لأنها بدون مستقبل، وهذا يعود إلى موضوعاتها وأفكارها، وإلى افتقادها للقدرة على الاختراق. الشِّعر، يختلف من هذه الزاوية، وهو تأجيل، لأنه يصبو إلى المستقبل، ولا يرهن نفسه بالعابر، مثلما نجد في الرواية، ليس عندنا نحن فقط، بل في العالم.
يمكن للشِّعر أن ينحني قليلاً، أمام هبَّات أجناس كتابية أخرى، لكنه، دائماً، يعيد تجديد نفسه. في الشِّعر جُرأَةٌ لا نجدها في الفكر ولا في الرواية، وهذا ماـ دفع كثير من الفلاسفة الكبار مثل هايدغر، أن يتعاملوا مع الشُّعراء، في صياغة بعض تصوراتهم، بعكس أفلاطون الذي سعى لقتل الشِّعر، لأنه لم يكن قادراً على جُرأَة الشُّعراء، في فضح الأشياء، بلغة، ربما، لم يفهمها أفلاطون جيداً، فاعتبرها انحرافاً وفساداً.

أندلُسٌ..


حَجَرٌ
تَوَارَى خَلْفَ غُبَارٍ قَدِيم ٍ
لغَة ٌ
تُرَاوِدُ ظِلّهَ
وخِمَار ٌ يُدَاعِبُه ُ البَيَاضُ
مَنْ شَذّبَ هَوَاءَ المَكَان ِ
ومَنْ أسْنَدَ ظِلَّهُ
على
عِطْرِ جَارِيَةٍ
خَضَّبَتْ
بِضَحَكَاتِها
زُرْقَةَ الهَوَاء
ثمَّةَ نافِذَة ٌ
نِصْفُهَا نُور ٌ
ومَا
تَبَقَّى فَرَاغ ٌ

البلد الذي لا أين له
إلى أيِّ طَرِيق يُفْضِي هذا الجِسْرُ
أكُلُّ العابِرين نَجَوْا وهُم يَسِيرُونَ بِحَذَر ٍصَوْبَ
حَتْفٍ مَجْهُولٍ
لا أحَدَ
كان يَشُكُّ في فَدَاحَةِ الشَّرَكِ
وَلا أحَدَ ظَنَّ أنَّ السَّاعَةَ سَتكُونُ مَجْرىً
لِنَهْرٍ لا يُفْضِي إلاّ إلى مَصَبّ آثِم ٍ
كَمْ كَانَ يَلْزَمُكَ مِنَ الوَقْتِ لِتُدْرِكَ أنّ الشّمسَ لا تُشْرِقُ
بِمَحْضِ الصُّدْفَةِ
وأنّ الليلَ نَهَار بَكَى لِفَدَاحَةِ مَا رَأى
جَاءَ فِي رِوَايَة:
أنَّكَ وأنت تَعْبُرُ بِدَايَةَ العُمر
زَاوَلْتَ النّظَرَ بِلا تَوَقُّف
وطَوَيْتَ الأرضَ
في بَرْزَخَيْنِ وَاحِد
سَمَّيْتَهُ نُوراً، وبه أضَأتَ مَسَالِكَ الرُّوحِ
والآخر آوَيْتَهُ، وبِهِ زَرَّرْتَ فُتُوقَ جُرُوحِي
كُنْتَ وأَنْتَ في أَوْجِ فَرَحِكَ تَشُبّ كَجَمْرٍ فَاتِن
تُرَاوِغُ الرِّيحَ وتَنْجُو بِنَفْسِكَ مِنْ رَمَد
أصَابَ أبْصَاراً شَرُدَتْ في ظُلُمَاتِ أوْهَامِهَا
ألَسْتَ أنْتَ مَنْ رَأى
أنَّ الظُّلْمَةَ أُخْت العَدَمِ
وأنّّ هَذا الفَلَكَ اللاَّزَوَرْدِيَّ
شَرَر، كُلَّما خَبَتْ أوْهَاجُهُ
كُنْتَ بِدَمِكَ تُشْعِلُهُ.
مِنْ أيِّ أيْن كُنْتَ تَأتي وفي يَدَيْكَ بعض الضَّوْءِ
الذي بِهِ فَتَحْتَ كُلَّ هذه النَّوافِذ
لَمْ يَكُنِ البَلَدُ يُوَارِي حِقدَهُ
حِينَ،ما فَتِئْتَ تُدَاهِمُ ظُلُمَاتِهِ.
فَرِحاً،
دَنَوْتَ مِنْ حَتْفِكَ، وبِقَلَق ٍ نادِرٍ، حَرَّرْتَ أوْهامَكَ
مِنْ خُيًولٍ جَرَتْ بَيْنَ أسَارِيرِ نَهْرِكَ النَّائِمِ
مَنْ يَرُدُّ عَنْكَ إذَنْ
كُلَّ هَذِهِ الطَّعَناتِ
وَيَصْبو بِلِسَانِكَ صَوْبَ ضَوْءٍ لا يَمُوتُ

اقرأ أيضا