الاتحاد

الملحق الثقافي

تداخلات وتباينات الخريطة الحزبية التونسية

تعيش تونس منذ أكثر من عامين واقعا سياسيا جديدا ليس من اليسير فهم كل تفاصيله، فعدد الأحزاب التي تم الاعتراف بها قانونيا اليوم تجاوز المائة و115 حزباً مختلفة الاتجاهات ومتنوعة التيارات، حتى ان المتابع العادي للحياة السياسية في تونس يعسر عليه فهم الخريطة السياسية، وجاء هذا الكتاب الذي يحمل عنوان «التنظيمات السياسيّة والمدنيّة» لكي شرح توجهات مختلف هذه الأحزاب بأسلوب مبسط ولغة سلسة صمن سلسلة عنوانها العام: «في الانتقال الديمقراطي في تونس».
وقدم عبد العزيز الجربي في توطئته للكتاب قراءة للسّاحة السياسيّة التونسيّة غداة الرابع عشر من يناير 2010 أكد فيها ان تلك الساحة شهدت حراكا سياسيّا لافتا للاهتمام ومشهدا حزبيّا لا عهد لها به، فقد تداعت أركان النظام السّابق وتهاوى حزبه الذي دأب على الانفراد بالعمل السياسي في البلاد رغم وجود ما لا يقلّ عن ثمانيّة أحزاب معترف بها يذهب كثير من الملاحظين إلى أن نصفها تقريبا كانت ذات وجود صوريّ.
ولا تعدو أن تكون ديكورا للإيهام بوجود تعدّديّة سياسيّة يخدم بها النظام القائم مصالحه في الداخل على أساس أنّه لا يمنع التعبيرات السياسيّة المختلفة عنه من حقّ الوجود والنشاط موفّرا لنفسه بذلك حجّة يبرّر بها رفضه الاعتراف بالأحزاب والحركات السياسيّة التي لا تروقه، باعتبار أنّ الأحزاب الموجودة تكفي لاحتواء كلّ التيارات والتوجّهات الفكريّة السياسيّة، كما يخدم بها مصالحه في الخارج لأنّه يجعل منها واجهة لما يتبجّح به من ديمقراطيّة واحترام للحقوق السياسيّة في مواجهة الأصوات والأقلام المرتفعة داخل البلاد وخارجها، خاصّة للتشهير بديكتاتوريّة وآلته الإعلاميّة والبوليسيّة الموظّفة في قمع كلّ التحرّكات الشعبيّة المنادية بالعدالة الاجتماعيّة والدّاعية إلى حريّة العمل السياسي واحترام حقوق الإنسان.
ويشير كاتب مقدمة الكتاب إلى ان التخلّص نهائيّا من حزب «التجمّع الدستوري الديمقراطي» كان واحدا من المطالب الأساسيّة إلى رفعتها الجماهير في تحرّكاتها بمختلف جهات الجمهوريّة بين يومي 17 ديسمبر 2010 و14 يناير 2011، وقد بدأت بوادرها تظهر وتتبلور في الأحداث التي عاشتها كثير من الجهات في السنوات الماضية.
ورغم المحاولات اليائسة التي قام بها بعض رموز هذا الحزب لإظهاره في صورة الضحيّة لغطرسة رئيسه السابق ومناورات أعوانه المتنفّذين فقد تحقّق هذا المطلب الشعبي بحكم قضائيّ، فزال بذلك معلم من معالم منظومة الاستبداد السياسي في البلاد التونسية.
ولم يكن حظّ الأحزاب المتذيّلة للسلطة السابقة والمعروفة بـ«أحزاب الموالاة» أفضل حالا من حزب السلطة نفسه، إذ شهدت انقلابات وحركات تصحيحيّة من الداخل لم تكن كافية للتخلّص من الوهن الذي أصابها بعد أن فقدت مصداقيتها لدى الشارع التونسي بكلّ مكوّناته.

مناخ الحرية
ويحلل عبدالعزيز الجربي الوضع السياسي الجديد بعد قيام الثورة مؤكدا أن التونسيين استشعروا مناخ الحريّة الذي أصبحت عليه البلاد رغم حضور مظاهر التوتّر في الشارع التونسيّ لاهتزاز أسس الدولة، فأقبلوا على العمل السياسيّ والجمعيّاتي بنهم غير مسبوق. لقد انتعشت الأحزاب القائمة قبل 14 يناير والتي رفضت بإصرار مهادنة النظام السابق وتقديم التنازلات التي كان يطالبها بها لتمكينها من مجال أوسع للنشاط، وتتساوى في ذلك الأحزاب المعترف بها وتلك التي لم تكن تحظى بالاعتراف القانونيّ. كما بادرت أعداد كبيرة من المواطنين إلى إنشاء أحزاب وجمعيّات تعبّر عن رؤاها السياسيّة والاجتماعيّة فتوالدت الأحزاب والجمعيّات بنسق فاق لتصوّرات وأدّى إلى حصول تجاذبات تضاعفت حدّتها مع التحرّكات الشعبيّة المطالبة بمراجعة عمل الحكومة ومع تبلور الرؤية بخصوص الاستحقاق الانتخابي الذي تحوّل بفضل الضغط الشعبيّ من انتخابات رئاسيّة في البداية، يقوم إثرها الرئيس المنتخب بالدعوة إلى انتخاب مجلس يراجع الدستور ويحدّد نمط الحكم في البلاد، إلى انتخاب مجلس تأسيسيّ يضع دستورا للبلاد تتمّ على أساسه الانتخابات الرئاسيّة التشريعيّة.
وكان من الطبيعيّ أن تطفو على سطح مسألة النصوص القانونيّة المنظّمة لتكوين الأحزاب والجمعيّات، فقانون 1988 لم يعد مقبولا ولا قابلا للتطبيق لأنّه من جهة قانونيّة خالصة أفتقد شرعيته بعد تعليق العمل بالدستور الذي انبثق عنه، وهو دستور 1 يونيو 1959، بمقتضى المرسوم عدد 14 المؤرّخ في 23 مارس 2011، وهو من وجهة نظر عمليّة لا يتلاءم مع المرحلة الجديدة لأنّه وإن لم يبلغ الحقّ في التنظيم السياسيّ فقد تضمّن عددا كبيرا من الأحكام الزجريّة الغاية منها التضييق على حريّة تأسيس الأحزاب وإيجاد الوسيلة القانونيّة المناسبة لرفض كلّ طلب في إنشاء حزب لا ترضى عنه السلطة القائمة. فصدر في 24 سبتمبر مرسومان يتعلّق الأوّل منهما وتحت عدد 87 بتنظيم الأحزاب السياسيّة، ويتعلّق الثاني بتنظيم الجمعيّات. وهما يمثّلان نصّين مختلفين تماما عن سابقيهما رغم بعض النقد الموجّه إليهما والمتمثّل أساسا في أنّهما لا يستندان إلى دستور يضفي عليهما الشرعيّة الكافية.
في هذا الكتيّب دراستان تعملان على توضيح عديد الجوانب في المرسومين المذكورين وكذلك في الحراك السياسيّ الذي شهدته الساحة الحزبيّة في تونس منذ 14 يناير، ومدلول نتائج انتخابات المجلس الوطنيّ التأسيسيّ بالنسبة إلى الأحزاب الناشطة على الساحة الوطنيّة وما يمكن أن تؤدي إليه من تعديلات في إستراتيجيات العمل السياسيّ لكلّ حزب في المستقبل.

أحزاب وتيارات
ويقدم منير السعيداني، وهوأستاذ جامعي واحد مؤلفي هذا الكتاب، قراءة للمشهد السياسي والحزبي في تونس اليوم وهي قراءة تساعد على فهم الخريطة السياسية الجديدة التي تشكلت بعد نهاية النظام البائد وسقوطه وقيام النظام الجديد، والمؤلف يرى أنّ التيارات الفكريّة السياسيّة التي يتوزّع عليها المشهد الحزبي في تونس غداة 14 يناير2011 كما يلي:
التيّار الاجتماعيّ: وفيه ـ وفق قراءة المؤلف ـ اتجاهات ماركسيّة لينينية ماوية (نسبة إلى الزعيم الصيني ماوتسي تونغ)، وأخرى يطلق عليها المؤلف صفة: «ماركسيّةـ لينينية» فحسب، وأخرى «ماركسيّة عامّة»، مرورا بالتيارات التي تعتبر تروتسكيّة أو ماركسيّة من غير تخصيص أو فوضويّة أو غيفاريّة... مع مواصلة التدرّج حتّى الوصول إلى الاتجاهات الاشتراكيّة الديمقراطيّة. وبصرف النظر عن التفصيلات الداخليّة ضمن التيار فإنّ السمة المشتركة الغالبة فيه هي ارتكازه إلى فلسفات تركز نظرتها على مظاهر الحيف الاجتماعي والتفاوت الطبقي والاستغلال الاقتصادي، وتركز تمشيها السياسي على العمل على تحقيق العدالة الاجتماعيّة عبر سياسات تثويريّة أو إصلاحيّة للأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي لا تستجيب لمصالح غالبيّة الطبقات والأصناف المهنيّة الاجتماعيّة الفقيرة والضعيفة أو متوسّطة الملكيات والثروات والدخول.
التيار العروبي: وفيه اتّجاهات توحيديّة عامّة وأخرى ناصريّة وأخرى بعثيّة مع تلوينات داخليّة، مع مواصلة التدرّج حتّى الوصول إلى ما يعرف بالاتجاهات العروبيّة الجديدة التي تأخذ إلى هذا الحدّ أو ذاك من التيارات الأخرى.
وبصرف النظر عن التفصيلات الدّاخليّة ضمن التيار فإنّ سمة المشتركة الغالبة فيه هي ارتكازه على فلسفات تركّز نظرتها على مظاهر التجزئة السياسيّة والتفاوت الاجتماعي وقلّة الفاعليّة الحضاريّة للأمّة العربيّة، وتركّز تمشيها السياسي على العمل على تحقيق الوحدة العربيّة عبر سياسات تثويريّة أو إصلاحيّة للأوضاع السياسيّة للأقطار العربيّة وأجهزة الدولة ضمن مسار الأمّة العربيّة نحو تحرّرها من مظاهر الاستعمار القديم والجديد، وفي فلسطين خاصّة..
التيار الليبرالي: وفيه اتجاهات تحرريّة فكريّةـ عقائديّةـ سلوكيّة وأخرى سياسيّة وأخرى اجتماعيّة. وبصرف النظر عن التفصيلات الداخليّة ضمن التيار فإنّ السمة المشتركة الغالبة فيه ـ وفق قراءة المؤلف وقناعاته ـ هي ارتكازه على فلسفات تركز نظرتها على مظاهر تكبيل حريّات الأفراد والجماعات والمجموعات وصولا على المتحدات الاجتماعيّة الكبرى وعطالة الأجهزة الرسميّة والمؤسسات المجتمعيّة في تحقيق تلك الحريّات أو دوسها لها، كما تركّز تمشيها السياسي على العمل على نشر الحريّات وحقوق الإنسان الأساسيّة والاقتصاديّة الاجتماعيّة الثقافيّة عبر سياسات إصلاحيّة على الغالب للأوضاع السياسيّة والقانونيّة والثقافيّة والعمليّة بحيث تيسّر حريّة التفكير والاختيار والمشاركة.
التيار الإسلامي: وفيه اتجاهات سلفيّة جهاديّة وعلميّة وتحريريّة وإخوانيّة (نسبة إلى اتّجاه الإخوان المسلمين) ودعويّة وصوفيّة مع مواصلة التدرّج حتّى الوصول إلى الاتجاهات الإسلاميّة الجديدة، وبصرف النظر عن التفصيلات الداخليّة ضمن التيار فإنّ السمة الغالبة المشتركة فيه هي ارتكازه على فلسفات تركز نظرتها على مظاهر التباين بين واقع الحياة التي تحياها الأمم والشعوب والدول الواقعة ضمن العالم العربي الإسلامي وبين أمثلة مستقاة مبادئها العّامة من القرآن والسنّة وباقي التراث الديني والثقافي والحضاري العربي الإسلامي، كما تركّز تمشيها السياسي على العمل على تحقيق ما يضيّق الفارق بين الواقع والمثال عبر سياسات تثويريّة أو إصلاحيّة لمجمل المؤسسات القائمة مع بعث أخرى.

خريطة متحركة
ويرى المؤلفان للكتاب ان المليون ونصف مليون صوت التي تحصلت عليها حركة «النهضة» في انتخابات المجلس التاسيسي تجعل منها جبهة أكثر منها حزب وأنّها بفعل ذلك «تخترقها» اتجاهات سياسيّة وفكريّة وعقائديّة كثيرة. ولكن هذا التوجّه الجبهويّ ـ وفق ما جاء في الكتاب ـ ليس مقصورا على «النهضة» أو التيار الإسلامي عامّة. وبالفعل فقد شهدت الأسابيع الأخيرة من سنة 2011 عملا تأسيسيّا لجملة من الجبهات استدل المؤلفان على اتجاهه العام بأمثلة أربعة اهمها:
? جبهة 14 جانفي (يناير) وخاصّة الجبهة بين حركة الوطنيين الديمقراطيين وحزب العمل الوطني الديمقراطي وحزب العمّال الشيوعي التونسي ممّا يعني تعزيز عمل جبهة تمثّل التيار الاجتماعي بمنأى عن الاتّجاهات الليبراليّة ذات التوجّه الديمقراطي الاجتماعي.
? بناء جبهة ليبراليّة قد تتّخذ صبغة الحزب الديمقراطي الواسع بين القطب الديمقراطي الحداثي والحزب الديمقراطي التقدمي وحزب «آفاق تونس» وحزب «المبادرة» وبعض الأحزاب البورقيبيّة وغيرها من المكوّنات التي يمكن أن تؤكّد توجهها الليبرالي بأجنحة ديمقراطيّة اجتماعيّة أو ببئية أوغيرها، مع الإشارة بانه بعد نشر الكتاب تغيرت هذه الجبهة وأصبحت تضم حزب: «نداء تونس» برئاسة الباجي قائد السبسي والحزب الجمهوري وقد سعت أحزاب كثيرة إلى التجمع في جبهات استعدادا للانتخابات المقبلة التي تقررت مبدئيا أن تجري في أواخر هذا العام، والحقيقة أن خريطة الأحزاب في تونس هي خريطة متحركة.
والملاحظ انه عشيّة انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011 كان عدد الأحزاب السياسيّة التونسيّة الحاصلة على تأشيرة العمل القانوني ارتفع عما كان عليه قبل 14 يناير 2011 من 9 إلى 115 حزبا. وعلى اعتبار حالة التكاثر الحزبي المفاجئ حتّى لمن كان يتوقعها وتعدّد حالات الانشقاق والتوحّد ومعاودة الانشقاق وتناوب التحالفات مع التقاطعات المتعارضة فإنّ التحديد الموقعي لكلّ حزب بات أمرا عسيرا فضلا عن مراجعاته الدائبة. وعلى ذلك فإنّ توزيع الأحزاب على تيارات كبرى سيمكّن من الإمساك بمفاتيح قراءة تحوّلات المشهد وهذا ما حاول المؤلفان القيام به في هذا الكتاب، الذي أكد أن التقسيمات الاعتياديّة التي دأب عليها التناول الصحفيّ وتُصرّ على استخدامها الدعاية لا تُرضي السياسيين والحزبيين لعدم خضوع التوزيع إلى يمين ويسار وما ينهما من وسط إلى قاعدة تحديد واضحة إذ سرعان ما تتداخل خطوط التباين من جديد، إذ ما نظرنا إلى مكونّات اليسار من حيث أصولها الماركسيّة أو الاشتراكيّة أو العروبيّة أو الإسلاميّة وكذلك الأمر في ما عداها. وعلى ذلك فان هذا الكتاب سعى إلى توزيع المشهد الحزبي إلى تيارات تكونها اتجاهات هي ذاتها حركات أو مجموعات أو حلقات سياسيّة منظّمة إلى هذا الحدّ أو ذاك.
وتعتمد تلك التيارات دعامتين هما:
? الدعامة الفكريّة ويقصد بها المعيّن الفكري الذي ينهل منه التيار أصول تفكيره.
? والدعامة السياسيّة ويقصد بها السمة العامّة التي تطبع ممارسته السياسيّة من حيث الأهداف والوسائل والتمشي.

اقرأ أيضا