الاتحاد

الملحق الثقافي

تأرجحات دولة جون لوك

تشهد عملية النشر في مصر حالة من التفتيش في الذاكرة والعودة إلى المطبوعات القديمة لأسباب عديدة من بينها أن الأفكار القديمة تطرح مجددا للنقاش العام ومن هذه الأفكار نظرية الدولة المدنية وهكذا نجد أمامنا طبعة جديدة من كتاب «جون لوك.. الحكومة المدنية» ترجمة محمود شوقي الكيال، كان الكتاب قد صدر ضمن سلسلة «اخترنا لك» التي أسسها في الستينيات من القرن الماضي د.محمد عبدالقادر حاتم حين كان وزيرا للثقافة وللإعلام بمصر وتوقفت برحيله عن الوزارة.
نصف قرن تقريبا تفصل الطبعة الأولى عن الطبعة التي بين ايدينا، والحق ان هذه الطبعة كانت تستحق مقدمة جديدة تشرح أسباب إعادة نشرها، خاصة أنها نشرت على حالها القديم، حيث كان الهدف تثقيف المواطن العادي البسيط لذا وجدنا الطبعة الأولى تجمع إلى جوار كتاب «جون لوك» مقتطفات عابرة من كتاب جان جاك روسو «العقد الاجتماعي» بدعوى ان روسو تأثر في هذا الكتاب ببحث لوك حول الحكومة المدنية.. وكان يجب الفصل بينهما، فلا يصح في عام 2013 ان نقدم للقارئ مقتطفات من كتاب روسو، خاصة أن ذلك الكتاب ظهر كاملا مترجما إلى العربية وصدرت حوله العديد من الدراسات والأبحاث وضعها باحثون عرب متخصصون.

فيلسوف التسامح
كان جون لوك قد شهد اهتماما خاصا خلال العقدين الماضيين، بكتابه عن التسامح، الذي قدم له د.عبد الرحمن بدوي ترجمة كاملة إلى العربية مع دراسة فلسفية مهمة، كما ظهرت له ترجمة اخرى للدكتورة منى ابوسنة وصدرت في الاعمال الأولى للمشروع القومي للترجمة.
جون لوك فيلسوف انجليزي ولد في القرن السابع عشر، سنة 1632 في مدينة رنجتون ثم رحل إلى فرنسا وهو في الاربعين من عمره وبقي بها سبع سنوات كاملة حيث عاد مرة ثانية إلى لندن لكن تبين أنه كان موضع مراقبة وشك من العائلة الحاكمة في انجلترا، فغادرها إلى هولندا حتى عام 1688 ثم عاد إلى بلده حيث صار معتمدا للمملكة في شؤون التجارة والمستعمرات وغادر عالمنا في مطلع القرن الثامن عشر، سنة 1704، لم ينل حظا وافرا من التعليم ومع ذلك قدم آراء مهمة في السياسة والاقتصاد، جعلت منه احد فلاسفة السياسة الكبار في الغرب، حيث لعبت أفكاره دورا مهما في ثورة 1688 التي ادت إلى صدور وثيقة «الحقوق الأساسية للإنسان» وانتقلت أفكاره لتلعب دورا مؤثرا لدى فلاسفة وأفكار الثورة الفرنسية ثم في صياغة الدستور الأميركي.
الكتاب الذي بين أيدينا يتصدى فيه لوك للاستبداد وحكم الفرد.. يقول «إن الحكم المطلق الذي يقبض فيه أفراد قليلون على كافة السلطات لا يمكن أن يقوم بجانبه مجتمع مدني، وبالتالي لا يأخذ شكل الحكومة المدنية..» والأصل في الأشياء لدى لوك أن الحرية أمر أساسي للإنسان... يقول «يولد الفرد حراً متمتعاً بكافة حقوق القوانين الطبيعية وامتيازاتها، متساوياً في ذلك مع غيره من الأفراد في أنحاء العالم، ولديه من القوة ما يكفل له المحافظة على ممتلكاته -حياته وحريته ومصيره- ضد من تسول له نفسه الاعتداء عليها».
يتوقف لوك مطولا أمام دعاة الحكم المطلق، بالمنطق الأبوي فالأسرة تعتمد على حكم الأب -وحده- ومن ثم تعتمد الحكومة أو الدولة على «الأب» أي الحاكم الفرد الذي لديه كافة السلطات على الأفراد، وهذا ما يرفضه تماما ويقوم بتنفيده قائلا«والذي يعتقد أن الحكم المطلق يتلاءم مع الطبيعة البشرية ويطهر دماء الإنسان لابد له من القراءة عن تاريخه، حتى يقتنع بأن الأمر على النقيض من ذلك».

الأسرة أولاً
ولا يكتفي بهذا القول بل يناقش مفهوم الأسرة ودور «رب الأسرة» أو «سيد العائلة» كما يطلق عليه، وهذا السيد لا يمكنه السيطرة على أفراد العائلة إلا بنسبة محدودة سيطرة لا تتيح له التحكم فيهم جميعا أو كما يقول «إن سيد العائلة لا يتمتع بسلطة شاملة، إذ إن السلطة تتوزع على أفراد عائلته في أوقات معينة باختلاف أشخاصهم». وهذه الأسرة هي التي تلعب الدور الفاعل في تكوين ما يطلق هو عليه «المجتمع السياسي»، وهو يستعمل السياسي هنا بمعنى المدني.
وشرط مهم وضروري لقيام هذا المجتمع هو احترام ملكية الأفراد «لا يمكن أن يقوم أي مجتمع سياسي إلا إذا كانت لديه القوة للمحافظة على الملكيات ومعاقبة المعتدين عليها، فهذا وحده هو دعامة المجتمع السياسي، حيث يتنازل كل عضو فيه عن حقوقه الطبيعية ليضعها بين يدي الجماعة، فتتولى حمايتها بالقانون الذي تصوغه شاملا ووافيا لحاجة الجميع».
يتنازل الفرد ـ طوعاً ـ عن جانب من حرياته لصالح الجماعة وهذا يعني أن يلتزم الفرد برأي الأغلبية، لكن دون القضاء على حريته أو توقف النقاش حول القضايا العامة وحريات الأفراد، والذي ينظم ذلك هو «الدستور» ومن ثم فإن سلطان الحكومة والملك وكذلك البرلمان يجب أن يكون ملتزماً بالتقاليد الدستورية وقواعد الأخلاق العامة.
الملك والبرلمان والحكومة مسؤولون أمام الشعب أي مجموع الأفراد ومن ثم لا سلطة مطلقة للحاكم ولا للحكومة ولا سلطة كهنوتية أو دينية.
المشتغلون بالفلسفة السياسية وقضايا الحريات يدركون ان أفكار لوك باتت الآن خاصة في بلاد الغرب من المسلمات السياسية، ودخلت ذمة التاريخ بمعنى انه لم يعد يثور الجدل والنقاش حولها، لكن في بلادنا وفي مجتمعاتنا العربية ما زالت هذه الأفكار بحاجة إلى جدل ونقاش حتى يتم القبول بها فما زال بيننا من يقاتلون من أجل بقاء الحكم المطلق، حيث الحاكم هو كبير العائلة ورب الأسرة الكبير، كما كان يحلو للرئيس السادات أن يطلق على نفسه، ويرى هؤلاء أن تبقى الحكومات غير مسؤولة أمام البرلمان ولا الدستور والقانون.

اقرأ أيضا