الاتحاد

الملحق الثقافي

شاعرة رحلت يوم ولد ديوانها

من المتوقع أن يكتب الشاعر قصائده ليعيش تألقها، واستقبالها عند حضورها بين أيدي المتلقين، لكن أن يكون الشاعر غائباً في لحظة خروج قصائده إلى الناس، فتلك مصادفة حياتية غريبة.
يخرج الشاعر من الحياة، تدخل قصائده إلى الحياة.
وما بين خروج الشاعر إلى الغياب، تدخل القصائد إلى الحضور، هو لم يحضر وجودها الحي، وهي لم تحضر غيابه المؤلم، تلك معادلة غريبة، تحصل للقلائل من الناس، ولم تحصل للشعراء مطلقاً، عبر كل قراءاتي لتاريخ الشعر العربي البسيطة، لم أجد شاعراً في لحظة ولادة ديوانه يواجه الغياب، الغياب بمعناه الوجودي المطلق.
أتساءل حقاً: هل عوضت القصائد بحضورها غياب صاحبتها ـ وأقصد الشاعرة هنا ـ تلك المرأة التي رحلت يوم خرج ديوانها إلى الوجود، العدم يقابل الوجود هنا، ولا نعرف حقاً من انتصر في النهاية.
أتساءل حقاً: هل انتصرت الشاعرة على غيابها حين سبقت ذلك الغياب فأكدت حضورها عندما قررت أن تصدر ديوانها الشعري الذي غابت في يوم ولادته؟
ما معنى الولادة/ الحضور بما يقابل الموت/ الغياب، وكأننا نسمع صوتاً، همساً ربما، يأتي خفيضاً، غير محسوسٍ، مطلقاً لكي ينده تلك الشاعرة ويدعوها إلى أن تؤكد حضورها بعد سنوات طويلة من التأجيل والممانعة.
لماذا في هذا الوقت تحديداً استجمعت الشاعرة قواها، وقررت أن تصدر ديوانها في حياتها التي قررت أن تواجه رحيلها بأثر يذكرنا ببقائها معنا.
أتساءل حقاً: ماذا يعني حضور الشعر للغائب الشاعر، هل يتلذذ المتنبي، أو المعري أو السياب أو درويش الآن بتمجيدنا قصائدهم، وهم غياب؟ وهل يسمع أولئك الشعراء بأن أمّة كاملة تردد أشعارهم، بل أصبحت تلك الأشعار جزءاً من الكلام والعبر والأمثال والمواعظ، والاستشهادات الجميلة حين يراد ترصيع الكلام بأحلى حليه؟
أتساءل حقاً: ما المتعة التي تجعل الشاعر يقول شعراً إن لم يجد في حياته من يقول له ما أروعك، ما المتعة التي تنطق فيها (ما أروعك) وهو لم يسمعها ولن يسمعها؟ وهل ظل استمتاع المتنبي ودرويش والسياب والمعري ناقصاً، ومنهم من كان الاستمتاع بأجمل قصائده لم يصل إليه.
تلك قضية معقدة، أساسها التضاد بين غياب الشاعر عن الوجود وحضور الشعر إلى الحياة.

حادث أليم
هذا ما حصل فعلاً للشاعرة الإماراتية أسماء الفهد التي رحلت بحادث سير أودى بحياتها في اليوم الذي صدر لها ديوانها «تراتيل بوجه الوطن» عن دار الواضح ـ الإمارات.
يقول فلاح الكبيسي في تقديمه لـ»تراتيل..»: «أنهت الشاعرة أسماء الفهد (أم ذياب) يرحمها الله ديوانها الشعري «تراتيل لوجه الوطن» وفي نفس التاريخ وبعد مضي ساعة تعرضت لحادث سير أليم أودى بحياتها، وكان نهاية رسالتها في هذه الحياة الدنيا».
ويمضي الكبيسي قائلاً: «لم يمهلها القدر أن ترى هذا العمل المتميز مكتمل الملامح».
ويقول الدكتور عبدالرحمن الجابري في كلمة الناشر عن دار الواضح ـ الإمارات: «أكملت ـ ويقصد الشاعرةـ رسالتها بديوانها المتميز «تراتيل لوجه الوطن» وفي التاريخ نفسه كان نهاية أجلها في حادث سير أليم».
ويختتم الجابري قوله في كلمته: «نرجو من كل من يقرأ هذا الديوان الدعاء لها بالرحمة والمغفـرة من الله تعالى».
وعلى طريقة وأسلوب تأليف العرب القدامى يختتم مقدم الكتاب كلامه بطلب الدعاء للمؤلف، معتبراً الكتاب أثراً لمنشئه، وحضوراً لغائبه، وصرحاً لبانيه، ورمزاً لصائغه، وكتاباً لكاتبه.

قوة اللغة
ذلك كان تقديم ديوان «تراتيل لوجه الوطن» الذي حضر ورحلت منشئته، فكان عنها ناطقاً، معبراً عن خلجات نفسها، وهنا يدعونا القول إلى أن اللغة تحضر حين يغيب الإنسان لتؤكد قوة حضوره، وصلابته، وبخاصة في ميدان الشعر وموسيقاه العذبة.
ومن هذه الرؤية يمكننا أن نحكم على وجود المتنبي وأبو العلاء والسياب ودرويش وكل الشعراء الذين غابوا بأنهم كانوا يتوقعون حين انشأوا شعرهم، بأنهم سيحضرون في ضمير الناس وعلى ألسنتهم وهم في لحظة اصطياد الألفاظ ليضعوها فوق بعضها وهم في حياتهم، إذ كانوا يتأملون، بل يحلمون بأن أناساً سوف يتلذذون بما سيقولون، يستمتعون بجمالية ما ينسجون، إذ أنهم في:
غيابهم رأوا حضورهم، وفي حضورهم رأوا غيابهم.
تلك هي معادلة الموت والحياة لدى هؤلاء المبدعين من الشعراء كونهم ربطوا الحضور بالغياب، فلم يعد الحضور لديهم حضوراً، ولم يعد الغياب لديهم غياباً، ولذلك يمكننا أن نتصوَّر أن هؤلاء الشعراء قد تخيلوا لحظة المتعة على ألسنة الناس فيما بعد وهم غياب.
كانت أسماء الفهد من ضمن هذه النخبة ممن احترفوا القول الشعري على بساطة شعرها ومباشرته وتمجيده للوطن.
نحن هنا نتحدث عن صاحبة الأثر وعلاقتها بالأثر نفسه، أما عن مستوى الأثر، فذلك يحتاج إلى أن نفصل في طبيعته وتشكلاته التي تلقي الظلال على خباياه وسماته الشعرية.
كتبت أسماء الفهد قصائدها في موضوعات شتى ضمن ديوانها الذي ضم 64 قصيدة فيها من القصائد الكلاسيكية والقصائد الحرة والنثرية الشيء الكثير، ومن موضوعاتها: الوطن، الوصف، والحب، والحياة، والمراثي، والقصة، والحنين.

الوطن
كتبت الفهد: :يا درة الأوطان» و»أبا سلطان»، و»أبناء الشمس»، و»اتخافين»، و»السيف الإماراتي»، و»بنت الإمارات»، و»زعيم الكرام»، وغيرها الكثير.
وبدت قصائد الشاعرة في هذا الغرض مباشرة لا ترميز فيها، بل هي تعبير عن خلجات نفسها تبثها عن وطنها الذي تصوره الأجمل، حيث تقول في قصيدتها «عاجل»:
يجيء حبك يا وطني
طفلاً يفتش أروقة القصيدة
ويسكن الحرفُ كأنهُ
مجرات وانجمٌ وليدة
وبهذا الهمس المصور للوطن عبر صور بدأت تصف فيها حبها الذي يتجسد في القصيدة.
وبكل بساطة تتعامل الشاعرة مع الصورة المتخيلة، إذ هي لا تحملها الكثير من التعقيد، وهذا نابع من قناعتها بأن الشعر الذي يكتب للوطن لا بد أن يكون كالوطن صفاء، ومحبة.
ولا تنس الشاعرة أن تضمن في قصائدها أبياتاً من قصائد عربية مهمة، كما في قصيدة «أباة الوطن» التي ضمنتها قول أبو القاسم الشابي «إذا الشعب يوماً أراد حياة» ولم تستخدم صدر البيت كما جاء عند الشاعر «إذا الشعب يوماً أراد الحياة»، وهي هنا قد حذفت «ال» التعريف من المعرفة «الحياة» إلى النكرة «حياة» وكأنها بذلك تريد أي حياة يريدها الشعب بتعددها، فإن المجد بديل موضوعي للقدر ـ باستخدامها ـ حيث يحققه الشعب متى ما أراد.

الوصف
في قصيدة «ركام الانطفاء..؟!» تتوقع الشاعرة موتها، غيابها، حيث تصف ذلك الغياب بقولها:
تيهٌ بحجم اشتياقي لموتٍ، يبعثني حَيّا
وتسرد حكاية ذلك الموت المفاجئ، حيث تقول:
يا صوت الريح في قارورة جمراتي
هل أنا صمت فانتهي
أو أنتم غناء يتساقط تحت غيماتي
وتدعونا الشاعرة إلى أن نتخيل الصورة المركبة في وصفها عندما تمزج بين صوت الريح في القارورة بما يقابل صمتها الذي يقود إلى الانتهاء، كذلك تشبه الغناء وأنغامه بالمطر المتساقط من تحت الغيمات:
ناديت من خلف قافيتي
يا اسياد الشمس هل غدوتم
وميضاً في سفر مجراتي
كتبتُ في صحائف الوداع رغبتي
ونسجتُ من خيوط الروح مشهد احتضاراتي
وتبدو هذه القصيدة بضميرها الذاتي وبصوتها المعبر عن صور شتى تقودنا إلى تخيل صور غير مباشرة، كما وجدناها في قصيدة الوطن:
علقت بمضغة الوجود سنبلة
ومضيت أزرع موتي في حقل أبياتي
وبكل بساطة تكتب هذه الشاعرة حياتها وتصور غيابها متوقعة نهايتها حين تود الرحيل.

الحب
في قصيدة «عاد» نقرأ:
من قال إني نسيته
ولم أذكره ليلة عاد..!
من قال إن شفتي نسيت ياقة قميصه
وعطري خلسة أضاع أكمام يداه..!
بهذه المقدمة تبتدئ الشاعرة قصيدة عودة الحبيب، وهي تعيش عتاباً في بنية قصيدة هادئة، شفافة، معبرة عن بساطة حلم الساردة فيها مع بساطة الحس النثري الذي يغلب على لغة القصيدة:
من قال إني ما عدت
أهواه
وإن أشواقي بعد اليوم لن تلبي
نداه.
وهي في ذلك تستنكر على الآخر شكه في قوله بأن لن تلبي عودته ولن تشتاق إليه ثانية، فتكسر الوهم حين تقول أيضاً:
من قال إني نسيته
وإن ضفائري لن تذكر حنان يداه
ولنلحظ استخدام أسماء الفهد لضرورة الشعر، حيث قالت: «حنان يداه» توافقاً مع القافية «هواه، نداه، يداه»، بينما نرى القاعدة النحوية تخفض «تجر» يداه بالإضافة إذ الواجب القول «حنان يديه»، ولكنها لم تستخدم هذا توافقاً مع القافية التي ابتدأت بها فاستخدمت الضرورة.
وفي قصيدة «سفر الوجوه» نقرأ للشاعرة مناجاة أخرى نقيضة تماماً لموضوعة قصيدة «عاد» السابقة، إذ نرى في سفر الوجوه رحيلاً لا عودة، حين تقول أسماء الفهد فيها:
لن تجيء بموعد الآن
هربت تاركاً روحك ببابي
يا قلبي عذراً تبوح بالنبض
وانت المذبوح بلا اسبابِ..!
أنجبتني الأرض عطراً
وسال دمي من الاهداب
من عشرين كذبة كتبوا
بأوراقهم تلمودي وسفر عذابي
كم عاشقاً عانق صوتي
ورثى موته بقصيد غيابي..!؟
في هذه القصيدة نجد الرحيل والغياب هاجس الشاعرة، وكأنها تعبر عنهما من خلال ألفاظها التي هي ليست ألفاظها الواعية، وإنما هي ألفاظ عقلها الباطن الذي يحدثنا عن الغياب والرحيل المفاجئ، وكأنها تعرف ما سيجري لها يوم أن صدرت تلك القصائد مجتمعة في ديوانها الجديد «تراتيل ...».
تبدو مفردات: (الروح، والهروب، والموت، والغياب(، تلك هي العناصر المهيمنة التي تحفل بها قصيدة «سفر الوجوه»، حيث تمثل تماماً الرحيل لتلك الروح الهاربة إلى الموت في غياب أبدي، والتي تركت خلفها قصائدها بوصفها الصورة الأخرى عن الحضور الذي لن يحصل إلا عبر اللغة الشعرية.

الحنين
في قصيدة «أسراب الحنين» تربط أسماء الفهد بين الرحيل والعودة، بين الغياب والحضور، حيث تطلق الأسراب وتحن إلى أيكها العصافير فتقول في استهلالها:
«أطلق اسراب الحنين
وَهَيَا
اكتُب يبابك بكف نيساني»
وهي في هذه الأمرية «أطلق، اكتب» ودعوتها بـ «هَيَا»، إنما تريد تأكيد صلة الساردة بالراحل الذي يدعوه حنينه بالعودة في نيسان ليطرق باب حبيبته:
أطلق سراب الفراش
وهيّا
انقش الماء
وبين الأمرية «أطلق وانقش» ودعوتها بـ «هيّا» نجد توازياً بين هذا المقطع والآخر الذي قبله.
إن أسماء الفهد تكتب شكل قصيدتها الخاصة بها، دون تزويق لفظي، حتى ليأتي هذا التزويق والبناء عفوياً مستخدمة ما تسمعه من شعر في القصيدة العربية التي تقرأ أو القصيدة العربية التي تغني:
من أنا.. يا أنا..؟
أنا القصيد المعذب
وبين التساؤل «من أنا..» والنـداء «يا أنا..» والتقرير «أنا القصيد» يأتي عذاب الشاعرة في هذه القصيدة وحنينها بين الغياب والحضور أي السفر والعودة.

المراثي
قصيدة المرثية نمط قديم، تفنن فيه الشعراء، وأبدعوا نصوصاً شعرية منها ما تناول رثاء ملك أو خليفة أو رثاء أقاربه (زوجته، ابنه، أمه) ومنهم من رثى نفسه.
وأجمل المراثي تلك التي يرثي فيها الشاعر شيئاً مفترضاً حينها تخرج قصيدة الرثاء صافية حقيقية، وعادة ما يكون الرثاء في هذا الباب وأقصد الصدق، لأن المرثي قد ارتحل وليس بينه وبين الشاعر إلا الصدق، ولهذا فإن روح التواصل بين الغائب «المرثي» والحاضر «الشاعر» تكون موصوله لصدق القصيدة.
في هذا الغرض تحاول أسماء الفهد، وهي ترثي غائباً أن تخرج من صيغ الرثاء إلى الوصف، وبخاصة في رثاء الشاعرة للحياة:
قد نرجعُ إلينا ذات حلم
يتراءى ظلان يقطعان أرض الخيال
يلتقيان والنبض يحرق برد الشتاء
والقمر الحزين يسابق صدى العصور.

القصة
تحاول الشاعرة أسماء الفهد أن تستخدم أجزاء أو ملامح من قصة ما، في نصوصها الشعرية، وفي الكثير من النصوص تعتمد الرمز بأسماء الحكايات، كأن تستخدم لفظة «سومري» و»التلمود» و»سفر العذاب»، وهي إشارات رمزية لقصص في التاريخ استخدمت هنا كقناع لقضية معاصرة. وتنحو الشاعرة في قصيدة «ما أبقت لنا الحياة ..» إلى سرد قصة عاشقين، ترمز لهما بالظلين لم تبق لهما الحياة شيئاً، حيث استحال الظلان في نهاية القصيدة إلى هيكل دمعٍ «مال على صدر السراب.. وانكسر» كما تقول الشاعرة:
وعودة من شحوب الصبا/ تلعق بقايا الكلمات
ظلان من عناق السحاب
ينهمرُ إذا ما دنا المساء بحذر
كيف جف لقانا يا تشرين/ والموج انحسر؟
تلك هي الشاعرة أسماء الفهد التي غابت وظل شعرها ينده إليها، لتستمع اليه وهو يقرأ على شفاهنا، تلك الشاعرة التي أحبت وطنها وناسه فأنشدت له.

عالم العجائز في رواية دينا عبد السلام «نص هجره أبطاله»
تنقيبات الذاكرة


الرواية لدينا عبدالسلام بعنوان «نص هجره أبطاله»، الصادرة حديثا، تدور أحداثها بالإسكندرية حيث سيدة عجوز تدعى منال نجيب تنقب في بقايا ذاكرتها لتسطر سيرتها وهي على فراش الموت لأجل رأب الصدع الذي ألم بعلاقتها وابنتها الوحيدة سحر جلال والتي شدت الرحال إلى القاهرة حيث استقر بها المقام غضبًا من الماضي وثورةً عليه، فتبدأ الرواية بمذكرات الأم بين راحتي الابنة بالقاهرة.
وتبدأ الابنة رحلتها في غياهب تلك المذكرات، فإذا بنا أمام عالم مليء بالكمد والآهات وقدرٍ كبيرٍ من الوحدة والانعزال فلقد تيتمت منال وهي تبلغ من العمر عاما، فتولت جدتها لأمها (اعتدال هانم) رعايتها. وفي عالم منضبط على إيقاعات صارمة ومأهول بالعجائز، تعلمت منال الفن الكلاسيكي واستقت أصول الحياة الأرستقراطية.
وحين بلغت عامها الثالث، ألحقها جدتها بمدرسة فرنسية حيث عاشت تحت إمرة راهبات كاثوليكيات شديدات الحزم وفي سعيها الحثيث للخلاص من تلك الأجواء الخانقة، استغرقت في التأمل ما أثار حفيظة زميلاتها وزاد من عزلتها. وتظل الرواية تمهد لدخول شخصيات جديدة ووقوع أحداث ستقلب حياة البطلة رأسًا على عقب على نحو لم تعتده أو تتوقعه البتة.
وبنهاية الرواية نرى الابنة في حالة من الارتباك والتخبط الشديدين، فالمذكرات تطرح الأسئلة أكثر من كونها تقدم الإجابات، ما يدفع بالابنة لكشف النقاب عن خبايا وأسرار الماضي، فتقرر العودة أدراجها إلى الإسكندرية فإذا بالنص يصبح مفتوحا للاحتمالات والتأويلات.
وللرواية طابع غير تقليدي فلقد خرجت على هيئة مذكرات حقيقية بدءاً من كونها مكتوبة بخط اليد ، مروراً بالحذف والكشط والإضافات حيناً، وارتجاف وارتعاش الخط حينًا ما ينم عن مدى الوهن والإعياء الذي أصاب البطلة جراء معانتها النفسية والجسدية على فراش الموت.
وعن ذلك الاختيار تقول دينا عبد السلام: «أرى أننا اغتربنا كثيرًا في الآونة الأخيرة عن خط اليد والذي تم استبداله بحروف المطبعة الجامدة، أردت أن أحتفظ بحرارة وحميمية الرسائل والمذكرات ومن هنا جاء قراري بإخراج العمل على تلك الشاكلة، والتي أرى أنها تضيف لمصداقية العمل وتمنحه بعدا إنسانيا».
ولعل كون الكاتبة مخرجة كان عاملاً محفزا لخروج العمل على تلك الشاكلة فهي ترى الأشياء على صورة سينمائية قبل البدء في التعبير عنها لغويًا، لذا جاء إصرارها على البعُد المرئي والذي أخرجته جنبٍا إلى جنب مع كتابة العمل،
وتجدر الإشارة إلى أن الحنين والتوق إلى الماضي سمة رئيسة للعمل فلقد استحضرت الكاتبة في روايتها زمانًا لم تعشه وعهدًا لم تعاصره فالأحداث تقع في قلب العصر الذهبي الكوزموبوليتاني السكندري، ما يؤكد أن سحر وألق تلك الفترة الزمنية، نفذا إلي وجدان الأجيال الجديدة عبر حكايات الآباء، والأجداد، وبقايا المعمار السكندري القديم الذي يقف شاهدًا على روعة حرموا منها فظلت تداعب خيالهم وتلهم أعمالهم.
ورغم كونها متخصصة في الأدب الإنجليزي، فإن الكاتبة آثرت الكتابة بالعربية، فاللغة بالنسبة لها ليست كما قد يراها البعض وسيلة اتصال فحسب ولكنها تمثل وجدانها الذي تشكل على مر الأيام، فصاغ وعيها وحسها ورؤيتها للحياة، فالعمل علي سبيل المثال يعج بالأمثال الشعبية، والآيات القرآنية، والعادات والتقاليد التي تنبثق من لغة أضحت هي ذاتها ثقافةً ووجدانًا ووعيًا.
وعن هذه الرواية يقول الكاتب الروائي إبراهيم عبد المجيد: «فاجأتني الدكتورة دينا عبد السلام بهذه الرواية المدهشة أنا الذي لم أقرأ لها شيئا من قبل . صعب جداً أن تبدأ في رواية فلا تتركها من يدك في هذا الوقت المليء بالضجر الذي تدعوك إليه الأحداث كل يوم . لكن رواية» نص هجره أبطاله «كأنما كانت حلما انتظره أخذتني إليه فقرأتها في نهم ولم أترك مكاني إلا وأنا منته منها. وفي قلب الإسكندرية الضائعة وأهلها الذين طواهم الموج، تحقق لي ما كتبته يوما عن الإسكندرية، قصص الحب قد يأخذها الموج لكن لا يطويها النسيان، تعود من جديد سحبا خريفية.
وهنا لسنا أمام قصة حب فقط، قصة عالم جميل اندثر تحكيه البطلة (الأم) على مهل في لغة محملة بالموسيقي والشجن مرتاحة كزمانها وترتاح هي بين الصفحات تشطب وتنام فتترك آثار الشطب والفراغات فإذا بنا لسنا أمام نص أدبي فقط لكن صورة سينمائية أيضا ووهم بالحضور في قلب الغياب، فالكاتبة مخرجة وفنانة. تحية من القلب لمن أسعدتني بالقراءة والنشر أيضا».
صدرت عن بيت الياسمين للنشر والتوزيع، والمؤلفة هي مدرس بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، حاصلة على درجة الدكتوراه في مجال النقد الأدبي عام 2010 كما أخرجت فيلماً روائياً قصيراً بعنوان «هذا ليس بايب» والذي شارك في العديد من المهرجانات العربية والدولية وحاز جائزة مخرجات عربيات من مهرجان بغداد السينمائي الدولي في العام 2011.

اقرأ أيضا