الاتحاد

الملحق الثقافي

الفانتازيا المستفزة

بدأ الأمر من هناك، من مطلع تلك الألفية السابقة على الألفية الأولى لميلاد السيد المسيح. إذ بحسب الأسطورة أن الفئران هي التي أكلت جذر السدّ، فتخرّبت وانهدمت جنّات عدن من جرّاء ذلك وأصبحت المدن التي كانت تجري إليها مياه السدّ أرضا يبابا. إنها المأرب التي دخل خرابها إلى المزاج الثقافي والشعبي العربي على أنه فألٌ سيّء. فيما بعد حدث ذلك للكثير من المدن العربية: بابل، وأريحا، والقدس، ودمشق، وبغداد، والكثير مما لا يُحصى مشرقاً ومغرباً، غير أن الافتراق بين المأرب وسواها أنّ ما عداها من خراب كان بسبب الغزاة لا بسبب الكوارث الطبيعية، ولعل ذلك هو ما أبقى المأرب مثلاً راسخاً في الوجدان. فضلا عن أن خراب المأرب قد أدّى إلى شتات القبائل العربية، وللمفارقة لملمة اللسان العربي من لهجاته ورطانته وجعله لساناً يكاد يكون واحداً.


ذهبت المأرب وجنّات عدن إلى المتخيّل الحكائي، وصارت قصصاً عن ملوك وملكات سادوا يوماً ما ولم يبق من آثارهم سوى تلك الأوابد الملقاة هنا وهناك وأصبحت واحدة من مشاغل علماء اختصوا بالأنثربولوجيا والأركيولوجيا ومحللي النصوص القديمة والحكايا الخرافية. لكن المدينة ذاتها استمرت في الوجدان الثقافي العربي العميق على أنها فأل سيّء على الخراب إلى حدّ أنّ عندما كنَّ يقلن، على سبيل المثال: «إن شاء الله خراب الدوايمة» كنّ يقصدن ما تعرضّتْ له قراهنّ ومدنهن من خراب بسبب متوالية من الاحتلالات التي لم تنته.
والمثير للانتباه في هذا السياق هو أن المدن التي أصابها الخراب، سواء من الطبيعة أو أنها حرّكت أطماع الغزاة أن تلك المدن قد باتت راسخة وعريقة ومؤثرة في الناس والدول والأرض وزمانها ولم تكن من طراز تلك المدينة التي أنشأها غزاة عابرون أوروبيون من مثل «ماكوندو» في الرواية الأكثر شهرة للكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز «مائة عام من العزلة».
والأرجح أنّ الناس، من الساكنين الذين أسهموا في إنشاء المجتمع الأهلي في أي مدينة من المدن على وجه الإطلاق، مهما اختلفت حول أمر مكان عيشهم، أيُدار بهذه الطريقة أم تلك، فإنهم لا يرضون بخراب يمسّها إلى حدّ هجرانها تماماً لتصبح بعد ذلك حكاية أو قصة متخيَّلة، إذ أن الناس تنزع، عموما، إلى الاستقرار والرسوخ وتعاقب أجيال في إثر أخرى، فينشأ لديهم وتبعا لمكان سكناهم ومنطق هذا المكان إلى بناء متخيلهم حوله ونسج حكايتهم التي تخصّهم عنه والتي تصير جزءاً من فكرتهم عن أنفسهم وعن مستقبل أبنائهم أيضاً. من هنا يصبح المكان عزيزاً على أهله وعلى ساكنيه من غيرهم.
في بلادنا، وعندما يُسأل المرء عن أحواله، يقولون له: وين بلادك؟ أي مرّ دهرٌ ولم نرك هنا، ففي أي أرض حللْت وأغوتك بالمكوث فيها لهذا الزمن كله. هذا السؤال عن المكان، يستدعي، وجدانيا، السؤال عن الشخص ذاته إذ يُعرف حال المرء من حال المكان. وهذه لم تدخل بعد في سياق الحكمة والمَثَل إنما في سياق العيش اليومي للناس وبحثهم عن سبل أخرى نظيفة للعيش.

تخيلات مستفزة
على هذا النحو، وبقَدْر كبير من الاستفزاز، هل من الممكن تخيّل دبي على أنها مجرّد خرائب؟ وأن أهلها وساكنيها قد هجروها إلى الأبد ولم يبق فيها سوى عدد من الحيوانات تجوس أزقتها وشوارعها كأنما تحصي الخرائب من فرط الضجر؟ أي هل من الممكن أن العام 2017، قد كان عاما كارثيا على نحو أزلي فاندثرت المدينة الناشئة بكل تعقيد التكوين الاجتماعي فيها وسعى أصحابها إلى أن تكون مدينة كزموبوليتانية وبتركيبتها السكانية ومنفتحة على الآخر كلّه؟. أغلب الظن أنه مهما اختلفنا أو اتفقنا حول أمر دبي «المدينة ـ الحاضرة والباقية» فإن من غير الممكن أن نتخيل خرابا هي مقبلة عليه بعد سنوات أربع. أي لا أحد يتنفس في دبي وليس أحد ينطق بالضاد فيها، سوى بضعة عائلات من السكّان البدو الأصليين الذين يجاورونها.
ما من مناسبة لهذه الكلمات عن «دبي المتخيلة هذه»، حيث هذا التوصيف مُنتزع من عنوان مسرحية للراحل الكبير سعد الله ونّوس: دمشق الحرائق»، سوى معرض يحمل توقيع المصور الفوتوغرافي البريطاني ريتشارد ألّنبي- بارت، مثلما يحمل العنوان: «المهجورة أو التي هُجرت أو انهجرت» وبالانجليزية الصرفة من باب التأكيد: ABANDONED.
ينبني المعرض، أساسا على حكاية سردية متخيلة تتحدث عن أحداث وقعت في دبي ولدبي في العام 2017، حيث مع نهاية ذلك العام كانت دبي قد انهجرت تماما ولم يعد فيها سوى حيوانات غريبة عجيبة هي تركة حدائق الحيوان والمحميات الطبيعية والمجموعات من الحيوانات المحلية فيما يسكن على أطرافها بضعة عائلات من بقايا البدو الذين لم يُقدَّر لهم أن يُهاجروا.
ومن الواضح أن المصور الفوتوغرافي البريطاني قد التقط الصور في إثر الأزمة المالية التي حدثت منتصف سبتمبر من العام 2008 وما تلاها من تداعيات، خاصة تلك العقارات التي توقفت أعمال البناء فيها لفترة من الوقت. ومن الأرجح أنها تعود لموسم شتاء 2008 ـ 2009 على وجه التحديد.
حتى هنا لا خلاف مع المصور البريطاني، فما من أحد يجادله في الأمر لو توقف عند هذا الحد فحسب، لكن الرجل يأخذ هذه المسألة بوصفها ذريعة «فنية» ليقدم لجمهوره دبي أخرى هي «دبي الخالية» بناء على المتخيّل السردي الذي افترضه، فقام بتركيب الصور ومزجها بحيث تبدو دبي لا بشر فيها ولا ساكنين بل هي الحيوانات من طراز الضباع والخراتيت والكلاب البرية والطواويس والمها ووحيد القرن والزرافات والنعام والوزّ البرّي، في حين لا أثر لإنسان سوى أنه ترك كل شيء على حاله وولّى هاربا.
بهذا المعنى تبدو الصور زائفة، لكن بتحليلها بالقياس إلى فن التصوير الفوتوغرافي فإن من الممكن القول بأن فكرة الخرائب، بل إن ريتشارد ألّنبي ـ بارت يمتلك مخيلة خاصة جعلته يوظّف كل إمكانيات المعالجة ببرامج الكمبيوتر لإنتاج هذه الصور التي تشير بالفعل إلى مخيلة الرجل في هذا المعرض التي هي مخيلة خرائب لا أكثر ولا أقل، إنما في الوقت نفسه فهذا الاتجاه في فن التصوير الفوتوغرافي، أي تركيب الصور ومزجها بواسطة تقنيات تجعل الصور غير واقعية وتلتقط أحداثا لم تحدث، هو اتجاه واسع في هذا الفن وله أنصار ومريدون في الثقافات كلّها.

لماذا دبي؟
لكن المثير هنا هو: لماذا دبي وليس سواها من المدن؟ مدينة حاضنة لأكثر من مئتي جنسية ومفتوحة أبوابها للإبداع في مختلف الحقول على مصراعيها وتسعى إلى أن تكون لها مكانتها العالمية على شاطئ الخليج العربي وبوصفها مدينة هي في الأساس تحمل هوية عربية وإسلامية بأفق مفتوح على الفضاء الواسع للمعارف والأفكار والتغيرات التقنية، أي هي مدينة يفخر بها ناسها ويحبونها ويحبون لها أن تكون بخير، مثلما لا يتمنى أي عربي أنْ يطالها أحد بسوء أو أذى سواء أكان مقيماً في هذه البلاد أم في بلاده، ويحبّ الناس إجمالًا بأن تكون هناك مدينة عربية بهذه المواصفات. لذلك فإن من شأن مثل هذه الصور أن تثير حفيظة أي واحد منهم كما من شأنها أن تستفز المشاعر والأسئلة: لماذا دبي وليست لندن مثلًا؟.
أيضاً، للمدن أوجه تتقلّب على التآويل والمعاني والمواقف الفردية، ما يعني أن من حق أيٍّ منّا أن يرى خراباً ما في مدينة ما وبمعنى ما ووفقا لقراءة معينة تخصّه وحده لكن من غير المعقول أن تُرى مدينة بأكملها وقدّ مرَّتْ بها الحرب ولم تترك فيها أي أثر سوى مجموعة بشرية هلامية كانت هنا ثم هاجرت هكذا دفعة واحدة، وخلّفت وراءها مجموعة من الحيوانات الغريبة عن المكان وفي أوضاع فانتازية ـ غرائبية. هنا تحديداً، فإن في المعرض هذا، الذي يستمر حتى نهاية مايو المقبل في صالة عرض «شلتر» في منطقة القوز بالسركال أفينيوـ مقابل المخرج 43 في شارع الشيخ زايد، يستثير الكثير من الأسئلة التي لا بدّ أنْ يطرحها على نفسه أي زائر له، هذا فضلا عن أن ما تداولته الصحف الأجنبية والمواقع الالكترونية من الممكن متابعتها على صفحة Richard Allenby Partt في الفيسبوك حيث صور المعرض كلها تقريبا موجودة هناك، ولْيَرَ من يَرى.
تاليا، ترجمة للنص المرافق للمعرض والموجود قبل الصور في مطوية المعرض وهو النص الذي انبنى عليه المعرض. لا يحمل النص هنا توقيع المصور الفوتوغرافي ريتشارد ألّنبي ـ بارت، بل إن واحدة من المقالات التي تحمل توقيع جوليان غافاخان ونشرت في الثامن عشر من يونيو من العام الماضي ونشرت على هذا الرابط الإلكتروني: daily.mail.co.uk ما يعني أن المعرض قد نُقل إلى دبي أن أنه عُرض سابقا فيها في صالة عرض تحمل المسمّى: «الربع الخالي» أو The Empty Quarter Gallery بحسب ما ورد في نهاية المقال الذي يرد فيه أيضاً النص التالي ذاته إنما حاملًا توقيع المصور الفوتوغرافي ريتشارد ألّنبي ـ بارت.

هواجس وتآويل
ومن خلال النص الذي تتضمنه المطوية وتنقله الصور يمكن تلخيص التالي:
كانت دبي قد انهجرت في العام 2017، من قِبَل الجميع باستثناء بضعة عائلات من ساكنيها البدو الأصليين. لقد فتح حرّاسُ حدائق الحيوانات في الإمارات العربية المتحدة والمحميات الطبيعية وكذلك مجموعات من الحيوانات المحلية الأقفاصَ والأبواب. رفض البعض منها مغادرة مبيتها المألوف وماتت هناك، لكن الكثير منها قد فرّ بعيداً إلى الشوارع الخاوية.
في يناير من العام 2017 أعلن الرئيس التنفيذي لوحدة الطاقة في شركة «جنرال إلكتريك»، خلال مؤتمر صحفي عُقِد في نيويورك، أن مختبرات البحث الخاصة بالشركة قد نجحت في تطوير تكنولوجيا تفصل الهيدروجين عن ماء البحر، على نحو فعّال وغير ضارّ.
كان مشهد مستقبل مصادر الطاقة، الذي بدا فارغا تماماً ورخيصاً ومن الممكن مصادرته عن طيب نَفْس، قد هزّ العالم. جاء ردّ فعل الأسواق مباشِراً فانخفض سعر برميل النفط الخام إلى أقلّ من عشرة دولارات.
دفع الانهيار في أسعار النفط المملكة العربية السعودية إلى استعراض قوة الدولة ما أنتج حركة ثورية. حفّزت الحرب الأهلية إيران على إرسال قوة تدخّل عسكرية في غضون أشهر.
امتصت جارات السعودية الخليجيات الحرب الإقليمية. فأسقط المجتمع الدولي الخجل من التدخّل في الصراع. كان النفط ما زال يتدفق إلى منتجيه الأساسيين، وعموما، امتلأ به الشرق الأقصى والغرب الذي سدّ حاجته من النفط والغاز من مصادر ليست أعضاء في مجلس دول التعاون الخليجي ويكفي لدعم صناعة البتروكيماويات وأصبح جسراً نحو فترة انتقالية تحققت خلالها، مباشرة، تكنولوجيا الهيدروجين بهدف إنتاج الطاقة.
خلال العام 2017، كانت دبيّ قد تصحّرت فعليا. مدينة المليونين من الناس انخفض عديد ساكنيها إلى عشرة آلاف شخص تقريبا. فرّ الأثرياء، صحبة عائلاتهم وأصدقائهم وأركان حربهم، إلى بيوتهم في بلاد أجنبية. أمّا رحيل المغتربين فبدأ على نحو بطيء لكن سرعان ما أصبح زحفاً مذعوراً. وقد غادر أغلب الأثرياء المغتربين قبل الصيف، لكن بضعة آلاف من العمّال الآسيويين قاتلوا من أجل الحصول على وسائط نقل، فالكثير من ما تعرّض للتلف مثل محطّات الوقود والشجيرات التي تزيل الملح والبنية التحتية الأساسية قد ذهبت إلى انتهاء. لقد نظّفت سفن الإغاثة التي سعت إلى العبور نحو الفارّين جنوب شاطئ الخليج كلّه من احتياطي الناس اليائسين، وفي حقيقة الأمر، كان الفراغ من ذلك خلال نهاية السنة.
وكانت ما تزال واقفةً في دبيّ وضواحيها الكثير من مشروعات البناء غير المكتملة وتلك التي تبقّتْ على حالها منذ ازدهار البناء مطلع الألفية. بقيّة البدو الذين اكتشفوا الحُفَرَ والطوابق الأرضية الخفيّة، صار بوسعهم أن يسرقوا في أوعية الاكتفاء الذاتي المياهَ الجوفية وبذلك اخترعوا واحات نصف طبيعية في أمكنة شتّى حول المدينة.
أماتَ العشبَ في حدائق المدينة وملاعب الغولف فيها شحُّ مياه الريّ مباشرة. إنما، وفي الوقت المناسب، غذّتْ التربة الزراعية المستوردة والخصبة جدا تلك الأشجار شديدة القدرة على الاحتمال والشجيرات والأعشاب التي نمت على طول واحات المياه الجوفية، فكانت تكفي النظام البيئي الذي بدأ بالتبرعم.
على نحو خفيّ، وبعد مرور بضعة سنوات، باتت أنواع معينة من الحيوانات، التي فرّت من حدائق الحيوانات والمحميات، غير قادرة على التكيُّف مع البيئة الفظّة فماتت خارجها، لكن الأغلب من بينها نجح في التأقلم وخلق مجتمعات قابلة للحياة حتى هذا اليوم. هي، عموما، قد تلبَّدتْ، ذلك أنه عندما أصبح الإقليم مستقراً بما يكفي وأصبح بالإمكان إعادة بناء المطار الدولي، صار لدبيّ إمكانات هائلة بوصفها مكاناً سياحياً.
هذه الصورة المتخيلة عن مدينة مزدهرة، حولها ريتشارد ألّنبي ـ بارت إلى مجموعة من الصور المعالجة إلكترونيا لكي يقدم فانتازيا مستقبلية، سمتها الأساسية أنها تنضح بمرضها ولا تعبر عن أي نوع من الجمالية، ولا تقترح رؤية مستقبلية تحمل شبهة الحقيقة.

اقرأ أيضا