صحيفة الاتحاد

تقارير

هايتي تجعلنا أفضل

في عام 1787، الذي أقيم فيه المؤتمر الدستوري في فلادليفيا، وصل أفريقي أسود مهاجر من هايتي يدعى «بيير توسان» إلى نيويورك. كان شخصاً من النوع الذي يتمنى المرء لو قابله. فهو خالٍ من أي ضغينة، ومواهبه كبيرة، وجوده بلا حدود وعطوف إلى أقصى حد. حصل توسان على حريته في نهاية المطاف وأصبح واحداً من أوائل الحلاقين ومصففي الشعر الشهيرين في نيويورك. ومن عائدات نشاطه الاقتصادي الناجح أصبح مستثمراً وفاعل خير محبوباً. وأطعم توسان اليتامى وآوى اللاجئين وعالج المرضى، وساعد في بناء أول كاتدرائية في نيويورك. وفي عام 1996، وضعه البابا يوحنا بولس الثاني في مصاف القديسين، وأطلق عليه لقب «الموقر».
وبينما كان توسان يتدرب على تصفيف الشعر، وصل مهاجر آخر من هايتي إلى الولايات المتحدة. ولم تستأثر فكرة أن «كل الناس خلقوا سواسية» بالعبقرية الفريدة لـ«جون جيمس اودوبون» الذي كان مترعاً بعبقرية تعز على التصنيف، والتي وجدت لها دوماً تربة خصبة وضياءً دافئاً في أميركا. وكان «اودوبون» فناناً موهوباً، وقد حصدت لوحته المعروفة باسم «طيور أميركا» 11.5 مليون دولار في مزاد أقيم عام 2010. وأكثر من ملعب من ملاعب الرئيس دونالد ترامب للجولف التي ينفق فيها ساعات كثيرة للاسترخاء، تفتخر بشراكتها مع جمعية أودوبون الفنية.
وتداخلت شهرة أودوبون مع الصعود المشهود لـ«لويس مورو جوتشالك»، الطفل المعجزة في التأليف الموسيقي على البيانو، وهو من لويزيانا. وحظي أول ظهور لجوتشالك في باريس بإشادة كل من شوبان وبيرليوز. وأصبح جوتشالك، وهو ابن مهاجر من هايتي، واحداً من أعظم الموسيقيين الأميركيين في عصره، ومزج بين الأفكار الأوروبية وعناصر ثقافية لشعوب الهند الغربية وكوبا ونيو أورليانز. ولا يمكن سرد قصة موسيقى الجاز، وهي واحدة من أعظم صيغ الفن في العالم وفي أميركا، دون ذكر إسهاماته الرائدة.
وفي قمة شهرة جوتشالك في عام 1868، ولد طفل في ماساشوستس يدعى «وليام إدوارد بورجارت دو بوا» لوالده الذي كان مهاجراً من هايتي. هذا الشاب أصبح شخصية محورية في القرن العشرين. فقد أصبح أول أميركي أفريقي يحصل على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد، وهو مؤسس الجمعية القومية لتقدم الملونين، وهو باحث وثق وقائع حياة السود وأعماله أثرت في حركات التحرر من أميركا الجنوبية إلى المستعمرات في أفريقيا. وأشاد به القس مارتن لوثر كينج في عام 1968 في ذكرى ميلاده المئوي قائلاً: «الدكتور دو بوا أدرك أن حجر الأساس في القمع هو أسطورة الدونية؛ لذا فقد كرس مواهبه العبقرية للتخلص منها». وأعلى وسام شرف تمنحه جمعية علم الاجتماع الأميركية يحمل اسم دو بوا.
وبينما كان دو بوا يحتضر كان استوديو في هوليوود يستعد لعرض فيلم في عام 1963 بعنوان «ليليك الحقول»، وهو مرحلة مهمة في الثقافة الأميركية. ولعب سيدني بوتييه دور النجم ليصبح أول أميركي أسود يحصل على جائزة أوسكار لأفضل ممثل. ورغم أنه ولد في ميامي ونشأ في جزر الباهاما، لكن اسم العائلة يشير إلى أنه من سود هايتي. وفي عام 1967، قام بواتييه ببطولة ثلاثة أفلام هي: «إلى السيد، مع المودة»، «في حرارة الليل»، و«خمِّن مَن القادم على العشاء». وقد حققت جميعها نجاحات مهمة، ما جعله من أبرز نجوم الصناعة. وكان لبواتييه دور في تغيير وجهة النظر تجاه الحقوق المدنية. وعلى سبيل المثال، فقد صرح نورمان جوسون الذي أخرج فيلم «في حرارة الليل» الذي فاز بجائزة أوسكار لأفضل تصوير عام 1968 لمجلة «فانتي فير» أن أفلام سيدني تناولت بطريقة أو بأخرى التمييز العنصري و«جميعها صنعها حضوره».
وبينما كان بواتييه يمارس سحره على الشاشة كان هناك طفل في حي برونكس في نيويورك يدعى «ريجنالد فيس - آمي» ينشأ في أسرة مهاجرين من هايتي. فقد استطاع «فيس - آمي»، باعتباره رئيساً لشركة «نينتندو أوف أميركا» التابعة لشركة «نينتندو» اليابانية، أن يقدم لعبة الفيديو «سوبر ماريو أوديسي» إلى العالم الذي ينتظرها في أكتوبر الماضي، وخلال ثلاثة أيام باعت اللعبة أكثر من مليوني نسخة.
ويمكنني المضي في سرد القائمة الطويلة مثل الإخوة جونسون وجيمس ويلدون وجون روزاموند، وهم من أعمدة نهضة هارلم الفنية والثقافية في عشرينيات القرن الماضي في نيويورك، وسوزان فاليس هيل الكاتبة البارزة والمنتجة للمسلسل التلفزيوني المتميز «عالم مختلف»، والفين بوسان أستاذ علم النفس في كلية الطب بجامعة هارفارد.. وغيرهم من الأسماء الكثيرة. وكان الرئيس دونالد ترامب قد سأل في الأيام القليلة الماضية: «لماذا يأتي كل هؤلاء الأشخاص إلى أميركا؟»، من مناطق مثل هايتي. والإجابة سهلة، وهي أن النتائج توضح أنهم ونسلهم يجعلون بلادنا أفضل.

*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»