الاتحاد

تقارير

المشهد العراقي... وتجاوز التراشق السياسي

منذ سقوط الديكتاتورية لم تتحرك سائر القوى السياسية العراقية نحو ترصين المواقع المنتهكة بفعل السياسات السابقة المبتذلة، التي امتدت لعقود متعاقبة نخرت في العقول وشلت الطاقات تاركة مخلفات تبقى بحاجة إلى جهود وطنية مخلصة لتجاوزها، لأن غسل أدران الماضي هو أول الواجبات الوطنية الآن.
ولاشك أن ذلك الماضي الثقيل الزاخر بألوان المعاناة، وشتى صنوف الآلام، تفرض الظروف الآن قراءته بوعي لفك التلازم القسري بين سياسة الجبر والإكراه، والتطلعات المشتركة للمكونات العراقية التي تعد إحدى الميزات ونقاط القوة التاريخية في بلاد الرافدين. ومن المؤسف أن فطنة النخب تتغيب عن استخلاص دروس كثيرة قريبة وبعيدة.
والراهن أن افتقاد الأرضية المشتركة بين المكونات الاجتماعية العراقية لعب دور حجارة سنمار في بناء الدولة العراقية في أغسطس عام 1921، حيث شكل الحاضر الجديد حينها امتداداً لماضٍ تعسفي، فعاشت البلاد دولة مهزوزة تمزقها الصراعات، وحبلى بأشكال المؤامرات التي استنزفت الموارد البشرية والاقتصادية وما تزال تداعياتها حتى اللحظة تساهم في تحطيم مجتمعي منظم، إلى جانب خسارة الطاقات الطبيعية، وساهمت في ضياع شيء من الاستقلال بالضرورة، وقيدت الإرادة بالحاجة. وتلك إحدى محن الأمس، فهل يا ترى تنفع الذكرى؟!
إن عقدة التشاور على طريقة استقدام آراء الآخرين للتعاطي مع هموم وشجون داخلية تضيف منقصة جديدة لاستقلالية الرأي، وغياب النظرة الموضوعية، وتكرس مراهقة سياسية تفتقر إلى النضوج والتحسب. والأخطر أن تبني رأي الآخرين من خارج السور العراقي في قضية وطنية ليس سوى لعبة خطرة، وإن كانت في الوقت نفسه مضحكة، وهي إحدى العقد التي عانى منها العراق كثيراً، حيث إن عدداً من ساسته في عهديه الملكي والجمهوري صرحوا بأنهم أقدموا على اتخاذ قرارات ظالمة لمكونات عراقية بناء على متطلبات سياسية تم إملاؤها من الخارج، وآخرهم كان رأس النظام المخلوع.
في تاريخ العراق السياسي ثمة أسلوب للتعبئة لأهداف تتنافى مع أهداف ومصالح المجتمع، ولكنها ظفرت بشيء من المقبولية والتدافع، لاعتمادها العزف على أوتار العاطفة وشبوبها على أنغام أيديولوجية، وطروحات فكرية، ومواقف متصيدة في المياه العكرة، فهل من مصلحة لتوظيفها مجدداً ونحن نتحدث عن عراق جديد؟! وما الجديد إذا كان يتم بعث القديم بثوب مهلهل جديد لا تغيير فيه سوى شخص الفاعل وهويته؟ ألا يكفي أن ذلك يذكر البلاد والعباد بماضٍ بغيض وفصل مسرحي مخادع؟
في مجرى المشهد السياسي وتداعياته المتدحرجة لا تلوح في الأفق أية مؤشرات على جهود متجهة نحو صياغة أرضية جامعة بمفردات وطنية تنأى بأوضاع البلاد المزرية، وتتجه نحو درء مخاطر المهاترات الفوضوية، والعنتريات البائسة، والانتباه لأوضاع البلاد التي ما زالت ترزح تحت ثقل مواريث السياسات السابقة، وآثار الحروب الكارثية، والتدمير الذي لم تمتد إليه يد الإعمار والبناء!
إن غياب وحدة المواقف والاتفاق عامل مهم في تعليق العديد من القضايا الوطنية وملفاتها وتعريضها للتدويل والمماحكات الخارجية التي لا تنظر بعين الوطن، فضلا عن إساءتها إلى تاريخ البلاد الحافل بإرث حضارات مشهودة، ومن هنا أهمية إدراك القوى السياسية لأهمية انتزاع المشتركات من بطون التاريخ بدلا من صراع الديكة، فهذا أجدى وأنفع. وارتهان الحاضر بإرادة محاصرة من شأنه جر البلاد إلى أتون دوامات موجعة، لا تستطيع منها فكاكاً في المدى القريب، ودليل ذلك لغة التهديد والخطابات النارية برهن المكاسب السلطوية، التي تتحدث عن التصعيد الذي سيطال الاستقرار السياسي، وكأن الاستقرار المهزوز المتحقق قد امتلك أصلاً زمام المبادرة نحو بلاد أكثر أمناً ورخاءً. ولكن في لغة السياسة الدارجة لم يسمع أحد بارتهان أمن المجتمع لغايات سياسية من قبل قواه السياسية وهي سابقة تسوقها الفصول المرة من التجربة العراقية الجديدة التي تفتقر في بعض مفرداتها لدى البعض إلى الحياء المجتمعي والخجل الأخلاقي.
والآن تتوالى الأشهر فيما الفرقاء السياسيون بانتظار نتائج التجاذب المزمن عسى أن تميل الكفة لأحدهم وسط تناسٍ ساذج للمتطلبات الدستورية ومحدداتها العددية بشأن تشكيل الحكومة وما يتطلبه ذلك من تحالفات. ولاشك أن هنالك مساجلات منتظرة، ومناظرات عقيمة، بدلا من التفكير الجدي في إيجاد مخارج للحالة الراكدة التي تشير إلى توقف استثنائي غير مقبول على طريق مواصلة المشوار الديمقراطي، والسير الحثيث نحو إيجاد المزيد من الفرص والحلول المتاحة والبدائل المقبولة، كي تستقيم حالة البلاد والعباد.
أما إذا تم تبني المواقف التصعيدية الصلبة، والدخول في معمعات متواصلة، وتأجيج نيران التراشق السياسي، فستستفحل أزمة سياسية مفتوحة تقود دوامة الدوران في الحلقات المفرغة، التي لا تعكس سوى اللامبالاة اتجاه ما يجري على أرض الواقع من كوارث مزرية، تتعلق بأبعاد سياسية، واجتماعية، واقتصادية، حافزة لخلق الشراكة المفترضة بين المجتمع والنخب السياسية من أجل مصداقية المشروع السياسي، ونيله الثقة المطلوبة. وخطر فقدان الثقة وضياع المعايير مؤشر يستهدف ركن البناء الأساسي في العملية السياسية الديمقراطية وهو المجتمع، مع ما يدفع إليه ذلك من مشكلات بعضها خارج عن السيطرة.
إن العراق بحاجة حقيقية إلى أن تتفهم النخب السياسية وتدرك متطلبات المرحلة وضروراتها وحساسيتها ومقابلة ذلك بما يقتضيه من تضحية، ففي أتون الفوضى وأطنابها يخسر الجميع المباراة بحسرة وندم، ولينظروا في تواريخ الأيام السالفة، ولغة البارحة، وحجم الوعود، لعل... وعسى أن يستقيم الجدل وتصحو الحالة!

أحمد ناصر الفيلي - كاتب عراقي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «منبر الحرية»

اقرأ أيضا