الاتحاد

ثقافة

بحث واقع ومستقبل الرواية العربية في دمشق

جانب من الملتقى

جانب من الملتقى

هل الرواية العربية منتج أصيل نشأ ضمن سياق تطور اجتماعي روحي، أم أن نشوءها كان نتيجة المحاكاة للمرجعية الغربية؟ وهل استطاعت أن تكوّن شخصية مستقلة، أم أنها بقيت أسيرة الأشكال النموذجية في الغرب، وهل هناك إمكانية لابتكار أشكال روائية أصيلة في مجتمع لا يعترف بالتغيير ويصر على ترسيخ الثوابت بأشكالها المتعددة؟ وهل باتت الرواية العربية المعاصرة تحقق العلاقة الوثيقة مع الحداثة؟ وهل تمكن التجريب من ملازمة الفنون والآداب لتستحق معاصرتها؟
هذه الأسئلة وغيرها طرحت في الملتقى الأول للرواية العربية الذي انطلق في العاصمة السورية دمشق يوم الاحد الماضي وينتهي اليوم بمشاركة نخبة من كبار الروائيين والنقاد العرب، وتستضيفه احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية، والذي يسعى إلى فحص واختبار واقع الرواية العربية وأسئلتها الراهنة، وذلك عبر ثلاثة محاور أساسية هي ''تحولات الشكل الروائي'' و''جماليات اللغة الروائية'' و''الكتابة الروائية الجديدة: قطيعة أم نص مغاير''·
وجاء في كلمة للدكتورة حنان قصاب حسن الأمين العام لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية لعام 2008 أن الرواية العربية تحظى اليوم بمكانة متقدمة بين مختلف الأجناس الإبداعية، وقد قطعت شوطاً كبيراً في المشهد الروائي العالمي، إذ ترجمت في العقود الأخيرة عشرات الروايات العربية إلى اللغات الأخرى، خصوصاً بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل·
وتلا حفل الافتتاح عرض فيلم وثائقي بعنوان ''بلد واحد هو العالم'' يرصد تحولات الرواية السورية، وهو مهدى للروائي السوري الراحل هاني الراهب، ثم عقدت الجلسة النقدية الأولى برئاسة الروائي السوري نبيل سليمان، وبمشاركة السوريين حسن صقر ووليد إخلاصي والموريتاني موسى ولد ابنه، وقد بحثت في تحولات الشكل في التجربة الروائية العربية·
قدم الروائي السوري وليد إخلاصي ورقة بعنوان ''الرواية العربية ـ الجذور والواقع المعاصر'' حاول من خلالها أن يتقصى العلاقة بين الرواية والحكاية، وتساءل هل باتت الرواية المعاصرة تحقق العلاقة الوثيقة مع الحداثة التي صارت من صفات هذا العصر؟ وهل تمكن التجريب الذي توضحت أهمية من قبل في العلوم، من ملازمة الفنون والآداب لتستحق آنذاك معاصرتها، ورأى إخلاصي أن أهمية الفنون والآداب قد ترسخت لأنها تحولت بشكل عام إلى ناطقة رسمية باسم التجريب الذي هو الحداثة في حقيقتها·
كما تحدث الروائي والناقد حسن صقر عن الأثر الاستعماري في شكل الرواية العربية· وخلص إلى أن هناك أزمة مصيرية تواجه الرواية العربية ولاسيما في عصر العولمة، حيث تزول الحدود وتهيمن ثقافة السيطرة في جو من المنافسة غير المتكافئة·
وتحدث في الجلسة الأولى أيضاً الروائي الموريتاني موسى ولد ابنه عن الرواية والمعلقة وما بعد الحداثة، وعدّ أن روايته (حج الفجار) تتناص في لغتها وخطابها مع آثار شعرية وسردية معروفة طبعت أسلوبها، وأضاف: إن تناص الرواية مع المعلقة الجاهلية هو الذي أسس لشاعريتها، وذلك لأن النص المحاور هو في النهاية الشعر نفسه، فلم تعد بين الشعر والنثر حدود فاصلة تماماً، كما لا نستطيع أن نميز بين إيقاعاتهما، وذلك لأن النثر قد صمم بطريقة الشعر نفسها، ومن المادة اللغوية الخام نفسها·
وفي الجلسة الثانية من الملتقى التي ترأسها الناقد والروائي المغربي محمد برادة تحدث الناقد الفلسطيني الدكتور فيصل دراج عن تحولات الشكل في الرواية العربية وانطفاء النموذج، فرأى أن الرواية العربية جمعت في ميلادها الأول بين الوضوح وبداهة الأمل المنتصر، وحررها منظورها المتفائل من الغموض والالتباس والاحتمال، فارتكنت إلى سرد خطي محدد البداية والنهاية، وأوكلت قولها كله إلى بطل رومانسي منتصر يتوزع على الحاضر والمستقبل معاً، وهذا ظهر واضحاً في روايات عديدة، مثل ''عودة الروح'' لتوفيق الحكيم، و''أيام'' لطه حسين·
وأضاف دراج: بعد رواية التنوير ظهرت رواية التحرر الوطني، التي أكدت البعد القومي، وأخذت بدورها ببطل مفرد إيجابي الملامح والمصير· ومع أن البطل المنتصر في نماذجه المختلفة بدأ في الانحسار بعد إخفاق دولة الاستقلال الوطني في إنجاز وعودها، فإن فكرة البطل ـ النموذج لم تنته، بل أخذت شكلاً جديداً هو: البطل المغترب، الذي أسست له رواية محفوظ ''اللص والكلاب''، بيد أن اضطراب العالم العربي المستمر ودخوله الدؤوب إلى أطوار سديمية ما لبث أن أنهى كلياً فكرة النموذج، فيما تحدث الكاتب والناقد السعودي محمد العباس عن المعاناة المركبة للرواية السعودية على المستوى الفني والموضوعي لإثبات حضورها كشكل أدبي تحرري يضع الفرد في قلب اهتماماته، حيث تتحرك ضمن محيط استقبالي مسيج بالممنوعات، ومشبع بالثقافة التقليدية، بالإضافة إلى أن كتابها لم يتمثلوا خبرات الكتابة الروائية، مع وجود شرط تاريخي على درجة من التحدي، ويتمثل في مرويات رسمية وشبه رسمية شديدة الصرامة، وعليه جاءت الموجة الروائية الحديثة لتتحمل عبء تصحيح خطأ تاريخي، من خلال تنصيص الواقع الجديد، والتأسيس لذاكرة شعبية مغايرة، بالتأكيد على قيم المجتمع المدني والنضال لاستحضارها عبر الرواية، أي إنتاج خطاب تنويري يتحقق فيه وبموجبه دستور الحرية الفردية·
كما تناول الملتقى في يومه الثاني موضوع اللغة الروائية وتحولاتها، واليوم الثالث خصص لموضوع ''الكتابة الجديدة: قطيعة أم نص مغاير''· أما اليوم فستعقد مائدة مستديرة يشارك فيها مجموعة من الروائيين والنقاد.

اقرأ أيضا

«دبي للثقافة» تعلن عن خطة الـ 100 يوم