الاتحاد

تقارير

تسيُّس الجنرالات... ماكريستال على خطى بترايوس!

من الصعب النظر إلى الجنرال ستانلي ماكريستال دون إبصار الجنرال ديفيد بترايوس في الخلفية، فالجنرالان مهووسان بالرياضة، وقادران معاً على تخطي جنود يصغرونهما سناً في أي سباق للجري، وعندما تولى كل واحد منهما القيادة خلال حربين متعثرتين تعهدا بإعادة تشكيل قواتهما. فقد كتب ماكريستال في شهر سبتمبر الماضي مخاطباً قواته في أفغانستان: «علينا أن نغير طريقة تفكيرنا وعملنا»، وهذا إعادة لما أكد عليه بترايوس في العراق عندما تحدى قواته بتبني عقلية «الجندي- المعمر- الدبلوماسي». والحقيقة أن نقاط التشابه هذه كانت مفيدة لإدارة أوباما التي قررت خلال الصيف الجاري العثور على شبيه للجنرال بترايوس يتميز بالموهبة والقدرات الإدارية التي تمكنه من دفع الجيش الأميركي في أفغانستان إلى الانخراط في التنمية الاقتصادية والانغماس في المشهد العشائري الداخلي.
ولكن، لعل ما جرى في الأسبوع الماضي يظهر أن استعادة تجربة بترايوس واستنساخها في أفغانستان يمثل عبئاً ثقيلا سواء بالنسبة لماكريستال، أو البيت الأبيض، ففيما كانت الإدارة الأميركية تناقش استراتيجيتها في أفغانستان وجه وزير الدفاع، روبرت جيتس، ومستشار الأمن القومي، جيمس جونز، توبيخاً علنياً إلى الجنرال ماكريستال، الذي يطالب بزيادة مهمة في عدد القوات الأميركية بأفغانستان، لما صرح به في لندن من أن خفض القوات الأميركية في أفغانستان واقتصار المجهود الحربي على قتل إرهابيي «القاعدة» ينطوي على «قصر النظر».
والواضح أن آخر ما يريده البيت الأبيض و«البنتاجون» هذه الأيام هو جنرال يتجاوز سلسلة القيادة ويخاطب الرئيس مباشرة، أو أن يكون هو الصوت الأميركي المهيمن في شؤون الحرب. وبمعنى آخر فإن الإدارة الأميركية الحالية لا تريد بترايوس آخر. فمع اقتراب الولاية الثانية لبوش من نهايتها تعهد الرئيس الذي كان يعاني من ضعف شديد في الإقناع، فيما يتعلق بالعراق، إلى جنرالاته في الميدان، حيث كان بوش دائم التواصل مع بترايوس من خلال دائرة الفيديو المغلقة لمناقشة أمور الحرب، وهو ما أعطى الجنرال وزناً مهماً في واشنطن ومنحه نفوذاً واسعاً على البيت الأبيض. وهذا النفوذ هو الذي ساهم في التأثير على المشرعين الأميركيين الذين تسابقوا لزيارة بغداد واللقاء بالجنرال بترايوس، كما ساعده على إعادة صياغة دور القائد الميداني للحرب. ولكن أوباما يريد طريقة أخرى في التعامل مع جنرالاته، وهو ما عبر عنه الكولونيل المتقاعد والمؤرخ العسكري بجامعة بوسطن «أندرو باسيفيتش» بقوله: «عندما يتيه شخص مثل الجنرال ماكريستال في المنطقة الرمادية بين الحرب والسياسة ثم يُوبخ على ذلك فإنه يعكس رغبة الإدارة في وضع حدود واضحة وفاصلة بين المجالين».
وبالرجوع إلى بترايوس نجد أن صعود نجمه خلال حرب العراق كان نوعاً من الخروج عن المألوف بسبب الظروف التي جمعت بين رئيس ضعيف وجنرال مهيأ للخوض في سياسات الحرب داخل واشنطن، ولاسيما أنه أمضى جزءاً مهماً من مشواره العسكري في خدمة جنرالات الأربع نجوم في «البنتاجون»، وحتى عندما لم يكن في خدمة أحد الرؤساء المتنفذين عرف كيف يشق طريقه في دهاليز واشنطن ويحجز لنفسه مكاناً على طاولة الكبار، فقد تمكن بترايوس وهو لم يزل برتبة رائد وباحث في جامعة جورج تاون من التسلل إلى أحد اجتماعات البيت الأبيض بواشنطن عشية الغزو الأميركي لهايتي في عام 1994، وحينها فاجأه نائب مستشار الأمن القومي في عهد بيل كلينتون بسؤال «من أنت؟» فرد بترايوس بخضوع أنه جاء بدعوة من نائب وزير الخارجية «ستروب تالبوت».
وهذه الغريزة السياسية رافقت بترايوس إلى العراق، إذ عندما برز الفراغ الذي خلفه سقوط نظام صدام حسين سارع الجنرال إلى ملئه، وهكذا قضى بترايوس باعتباره قائد الفرقة الأميركية بالموصل في عام 2003 أسبوعاً كاملا يفاوض القوى العراقية من الشيعة والسنة والأكراد واليزيديين لإنجاح الانتخابات العراقية الأولى. كما تولى بترايوس مهمة التفاوض مع سوريا وتركيا لقبول النفط العراقي مقابل الكهرباء. وقد فاجأت صفقة سوريا وزير الخارجية وقتها، كولين باول، الذي كان يسعى حتى تلك الفترة إلى عزل دمشق. وفي صيف وخريف عام 2007 عندما بدا الأمر وكأن الكونجرس يتهيأ لسحب تمويل الحرب في العراق وتقليص القوات الأميركية أصبح بترايوس هو الوجه العلني للحرب، وهو الدور الذي قاومه سلفه الجنرال جورج كيسي ولم يستسغه العديد من زملاء بترايوس من الجنرالات. بل لقد أقر حتى بترايوس نفسه لبعض أصدقائه المقربين بأنه ليس مرتاحاً لبروزه على الساحة السياسية، ولكنه في الوقت نفسه اعتبر أن تدخله العلني هو الأسلوب الوحيد لضمان نجاح استراتيجية بوش في العراق بعد الهجوم الذي تعرضت له في الكونجرس و«البنتاجون». ولذا عندما وصل ماكريستال إلى كابول خلال الصيف الجاري بدا وكأنه يقرأ من كتاب بترايوس نفسه، وقد زاد من تعزيز هذا الانطباع التشابه القائم بين الرجلين بدءاً من ميل ماكريستال للخوض في التفاصيل وليس انتهاء بممارسة رياضة الجري في الصباحات الباكرة ورفضه ارتداء الدرع الواقية من الرصاص أثناء اجتماعه مع أعيان القبائل في أفغانستان، أو خلال جولاته في الأسواق. بيد أن أفغانستان بلد والعراق بلد آخر، كما أن أوباما ليس بوش بعدما اختفت تحت الإدارة الجديدة اللقاءات الأسبوعية التي كان يجريها بوش مع بترايوس. فخلال الشهر الجاري وفيما كان البيت الأبيض يفكر في استدعاء الجنرال ماكريستال إلى واشنطن لحضور أحد الاجتماعات حول الحرب في أفغانستان تقرر أن يبقى في كابول ويشارك فقط عبر الفيديو، وهو ما يعكس تفضيل أوباما التعامل مع وزير دفاعه والأدميرال مايك مولين، رئيس هيئة الأركان المشتركة كمخاطبين رئيسين للبيت الأبيض.
ولكن الاختلاف يمتد أيضاً إلى الجنرالين نفسيهما ففيما استطاع بترايوس النفاذ إلى الدائرة السياسية الضيقة لواشنطن والعمل مع كبار الجنرالات ظل ماكريستال ضابطاً ميدانياً بامتياز تُعزى سمعته الجيدة إلى الدور المهم الذي لعبه في تفكيك التمرد السني بالعراق وضرب الجماعات الشيعية المتطرفة التي تدعمها إيران، ولكن دون أن يمتلك مهارة بترايوس في التعامل مع المشهد السياسي في واشنطن وفهم خباياه.


جريج جاف
المراسل الحربي لصحيفة «واشنطن بوست»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا