الاتحاد

ثقافة

الشعراء مكتئبون والمحكّمون يطالبونهم بالفرح

أعضاء لجنة التحكيم

أعضاء لجنة التحكيم

أبوظبي (الاتحاد)

صولات وجولات خاضها أربعة متسابقين منها ما خاض في العقل والرؤى، ومنها ما ذهب وراء العاطفة، لكن القصائد بمجملها كانت تستحق إصغاء كبيراً من جمهور المسرح.

عصام والجوزاء

أول فرسان الأمسية الثانية الشاعر عصام خليفة من مصر، طبيب وجراح، وقد قرأ قصيدة بعنوان «لا تسأل الجوزاء»، جاء فيها:

كم قلتُ «للجَوْزاء» إنّ بقاءَه

سَيَعُوقُنَا عَـنْ أنْ نُعَانق فجرَنَا

ولأنَّنا شَعْـبُ يَفِيض تَمَرُّداً

لا نَبْتَغىِ نَجْماً يخطّ مَصِيرَنَا

لَوْ أرسَلوا مِليـون «هارونٍ» لنا

لَنْ نُسمع الفِرْعَوْنَ قَوْلاً لَيِّنا

بداية، علق الدكتور صلاح فضل على قصيدة الشاعر بقوله: تحمل على كاهل قصيدتك عبء الهم العربي كله، وهو عبء ثقيل، وكم أتمنى لو تفاديت في مطلع القصيدة كلمة أوردتها «كفر هو التنجيم»، حتى لا يقال أول القصيدة كفر، صحيح أنه كفر بالتنجيم وهو مضاد للعلم، مضيفاً أجمل ما في قصيدتك المقطع الأخير فهي دعوة وإن كانت مباشرة غير أنها قبس من نور الشعر.

أمّا الدكتور علي بن تميم فقال: بداية قصيدتك عتاب واضح، البداية تميل للتصوير والنهاية تميل إلى التقرير، هذا الاختلال عطل المشاعر متسائلاً لماذا لم تلجأ إلى التسامح كأبي تمام الطائي الذي لم يتهم التنجيم بالكفر بل بالكذب، مؤكداً إلى أننا بحاجة للتفكير في زمن التكفير.
وبدوره قال الدكتور عبدالملك مرتاض: إنّ لغة القصيدة لغة رمزية عالية يذهب بها الشاعر إلى البعيد جداً، هي لغة ترمي فتتوارى إلى الوراء دون التخلي عن وظيفتها الرمزية، مشيراً إلى أنّ الشاعر يتحدث لغة الساعة بأسلوب السهل الممتنع.
 

الكلباني وعنادل المنفى

ثاني فرسان الأمسية الشاعر العماني ناصر الكلباني الذي قرأ قصيدة بعنوان «عنادل المنفى»، جاء فيها:

إني رهينُ المحبسينٍ ولم يكنْ

??إلاَّيِ في أصلِ الوجودِ يُجادلُهْ

سفري بعيدٌ يا بُنيةُ إنني

??ما ظل من عمري تضيقُ مغازلهْ

وقال الدكتور علي بن تميم معلقا على القصيدة: نتحدث هنا عن نص يطال العالم العربي، هذه القصيدة بوح جميل إلاّ أنها مليئة بالحزن والسر يكمن في بطن الشاعر، ففي القصيدة يبدأ الشاعر منكسراً متماهيا مع أبي العلاء المعري، لكنك ترتبط بالواقع، بينما الشعر هو انزياح عن هذا الواقع، موضحاً إلى أنّ القوافي مليئة بالحشو بحيث أن المعنى يستقر أحياناً قبل القافية وتتكرر هذه المسألة حتى نذهب إلى القول: إنّ هناك اهتمام كبير بالألفاظ دون الصورة الشعرية.

فيما قال الدكتور عبدالملك مرتاض: صورة كئيبة يصورها الشاعر من خلال هذا النص الذي يهيم في عوالم بعضها مجهول وبعضها كأنه معروف للعالم وفي كلا الحالتين نشعر بالحزن، في هذا النص صورة قاتمة تصورها بعض الألفاظ، لكأن الشاعر خلق جديد من أبي العلاء المعري في سيرته وفي مذهبه.
وقال الدكتور صلاح فضل للشاعر: أنت تمثل نفسك عنادل المنفى تأتي للشعر مثقلاً بالشجن والأحزان، دون أن تبوح بشيء تكرر 7 مرات في مقطوعة صغيرة كلمة «حزن» دون أن تقول لنا ما بالك، وأنت تغني «سفري بعيدٌ يا بُنيةُ»، أمّا في الواقع فعنادلك لا تغني لا تضيء بل تنذر بأنها ستموت من صقيع المنفى، تتكاثر عليك الجراح مثل جدك أبي الطيب المتنبي، فافرد جناحك للأمل والغد المشرق، فالشعر والوطن بحاجة لشاعر مثلك.
 

نفين ونبية الأحلام

ثالثة فرسان الأمسية كانت الشاعرة الفلسطينية نفين عزيز طينه التي أتت في هذه الحلقة لتتغنى بالقدس كامرأة جميلة، موضحة أن الانتظار صعب، لكن الثقة غلبت على هذا القلق، وقد قرأت قصيدة بعنوان «نبية الأحلام» جاء فيها:

أنا نبيّةُ أحلامٍ معتّقَةٍ
ووحيُ فجريَ في كلِّ الدنا ذاعَا
لم يستطيعوا بقعر الجبِّ رميَ غدي
وما استطاعوا بذكرِ الذئبِ إقناعا
ولا توارى صِبا وجهي ولو ركضتْ
قال الدكتور عبدالملك مرتاض: إن عبارة العنوان تبدو كبيرة «نبية الأحلام»، النبية لا تحلم بل يوحى إليها، الإلقاء في غاية الروعة لكن بالغت وكل ما يتجاوز الحد انقلب إلى الضد، القصيدة غنائية خطابية متسائلاً ما الذي منع شاعرة مثلك من كتابة قصيدة التفعيلة أفترض أنك كنتِ لتبدعي أكثر، استعرت من القرآن الكريم قصة مريم وقصة عيسى عليهما السلام، موضحاً كنا نريد نصاً يداعب المشاعر ويحركها فيطربها وأنتِ فعلت ذلك بالإلقاء، أنت بحاجة لمزيد من القراءات في الشعر الحديث، لكن ملامح لغتك الشعرية كامنة، أنتِ حقاً مشروع شاعرة فتمسكي بهذا.
بدوره قال الدكتور صلاح فضل: أمامنا لا أقل من نبية جديدة تطل علينا لتفخر علينا، متسائلاً هل تقوى نبية الأحلام على دحر الواقع المرير الذي نعيشه، وما نستشعره من خلال هذه القصيدة نص من نور وعلى الرغم من ذلك هي ـ كما تصف كلامها ـ «خفة روح الكون»، هي حاملة لسفر الهدى عادت بخيالها والأمجاد تصاحبها، في هذه القصيدة صياغات شعرية مكينة وصور رائعة.
أمّا الدكتور علي بن تميم فقال: القصيدة تخوض معركة شرسة تنتصر فيها الذات الأنثوية، وأجمل ما في هذه الذات الشعرية هي ذات تدافع عن إبداعها وهي قصيدة قوية كنت أتمنى لو ابتعدت الشاعرة في هذا النص عن المنافرات المتخيلة والمفتعلة وركزت على الحقيقة.
 

ياسين وإعجاب متكامل

رابع فرسان الأمسية الشاعر ياسين حزكر من المغرب قرأ قصيدة بعنوان «طين مجنح» إلى طائر أحرقه الظلام، جاء فيها:

وحَبِيبَتِي الحَمْقَاءُ يَكْبُرُ حُسْنُهَا
لَمَّا تُنَادِينِي حَبِيبا أَحْمَقَا

يَا أَيُّهَا الوَطَنُ الشَّهِيُّ عِنَاقُهُ..

لَا تُلْغِ بالتَّوْدِيعِ طَعْمَ المُلْتَقَى

قَفَصي الزُّجَاجُ.. وبُقْعَةُ الزَّيتِ التِي

سَتَحُيلُنِي ضَوْءًا.. وَذَاكَ المُرْتَقَى

بداية قال الدكتور صلاح فضل: جميل يا ياسين هذا النفس الشعري الأصيل، كنت أخشى أن تقلد شعراء الأندلس، لكنك احتفظت بقوام شعرك الأصيل، فقط لو أنك كتبت قصيدة التفعيلة وابتعدت عن القصيدة العامودية، وفي الواقع إنّ هذه القصيدة مفعمة بالإلمحات الشعرية العميقة، وهذا الحمق الذي يتبادله الحبيبان هو مظهر للطرافة الحلوة عندما تكون عوداً لمبخرة السلام يتحرق ليعطر الكون من حوله، قصيدتك بديعة جداً.
أمّا الدكتور علي بن تميم فقال: إنّ القصيدة تحاول أن ترصد تشكلات الشاعر، فهي تصور الشاعر طفلاً يتعلق بأجنحة الضياء وينتهي كهلاً كطائر الفينيق، أقصر من زيتونة لكنه يتطلع إلى البعيد، متسائلاً لماذا يزداد حسن الحبيبة بالحمق؟ وهذا السؤال على سبيل إبراء الذمة ممازحاً الشاعر، موضحاً ما في هذه القصيدة هو ذكاء شعري ولو كنت تحب أن تكون أحمق في الحب.
فيما قال الدكتور عبدالملك مرتاض: إنّ الشاعر تحكم في الخيط الشعري السحري، فهو المتحكم والمهيمن، إنّ مستويات اللغة في القصيدة عالية ومتميزة، لغتك تتفاعل فيما بينها، وإننا بمثل هذا النص نفتخر بالشعرية العربية بين الشباب لأنه يثبت بأن مستقبل الشعر العربي سيكون بخير.

اقرأ أيضا

رحلة الكتابة في ورشة تخصصية لـ"دبي للثقافة"