الاتحاد

دنيا

صالح الفهدي: أزمة المسرح العماني ناتجة عن الغرق في الذاتية

مشهد من أحد عروض المسرح العماني

مشهد من أحد عروض المسرح العماني

واحد من أبرز الأسماء المعروفة أدبياً في السلطنة، صالح الفهدي، قدم نفسه كشاعر وقاص وكاتب مقال ومسرحي، ومنذ الثمانينيات واسمه مطروح في الساحة العمانية كمؤلف لأوبريتات الاحتفالات، يتولى حالياً رئاسة فرقة مسرح الصحوة، إحدى أنشط الفرق المسرحية الأهلية في عمان، حول هذا الجانب وجوانب أخرى كان هذا اللقاء مع الفهدي: أنت ممن اشتغلوا على تفعيل دور الفرق المسرحية الأهلية، وتتولى حالياً فرقة الصحوة، إحدى أنشط الفرق المسرحية في عمان· هل شعرت بأنك بحاجة شخصية أكبر لوجود فرقة لاستيعاب نصوصك؟
فرقة الصحوة كانت قائمة منذ العام ،1987 ورئاستي للفرقة بدأت منذ العام 1997 · وهذا يجيبُ عن جوهرِ السُّؤال · إنّما كان المسرحُ محفِّزاً · هكذا هو الفن عموماً ·!! فالشاعرُ تتحرّكُ في وجدانهِ القصيدة ، وتثور حين يعيشُ الشِّعر قراءةً أو استماعاً ·! وهو الأمر نفسهُ بالنسبةِ للمسرحي ، فالمسرحُ يحفِّزهُ - وهو يعيشُ بين أروقتهِ ، ويقتاتُ همّه مع الآخرين المهووسين به - إلى الكتابةِ المسرحية · فكيف إذن بمسرحيٍّ شاعر وهو في قاربهِ الذي تصطفقُ به أمواجُ المسرحِ وتلوّح به رياح الشِّعر؟! نعم أحتاجُ لفرقةٍ - وأعني هنا المسرحٍ -كي أكتب · فأنا لا أكتبَ لفرقةٍ · أيّ أنني لا أفصِّل لشخصياتٍ حقيقية في الفرقة ، إنّما أكتبُ للمسرحِ الذي هو فضاءٌ مفتوحٌ يقبلُ الإحتمالات · ولذلك فإن بعض النُّصوص التي كتبتها لم تقدّمها الفرقة لأنّني آثرتُ التّريثَ بحثاً عن الفرصةِ المناسبة · فتقديمها يعني نوعا من المغامرة ، ولقد سبق أن قدّمت نصوصاً كنتُ متحفّزاً لتقديمها كنصِّ ''الجفاف'' فلاقى النصُّ ثناءً من الكثيرين ، حتى أن الناقد نادر القنّة ، أطلق عليَّ لقب ''الكاتب الشرق أوسطي'' وهو لقبٌ أنا بعيدٌ عنه جداً · ! لكنّه عبّر عن عدم رضائه الشديد عن الطريقة التي تمّ التعاطي فيها مع النّص إخراجاً وسينوغرافيا·
قدمت للمسرح العماني عددا كبيرا من الأعمال، ما أقربها إليك؟
أقربها إليَّ مسرحيّة ''مرافعات في البلاط الحمداني''، و''الجفاف'' و ''سهرة مع سعد الله ونّوس'' و''قناعٌ واحد لا يكفي'' و ''وطن'' وغيرها من المسرحيّات الفصيحةِ·
في المهرجان الأخير لفرقة الصحوة كان لافتا وجود جميع الأعمال تقريبا من تأليفك· هل هي أزمة نصوص في السلطنة ؟ أوهي أنانية المبدع ليرى أعماله جميعها على الخشبة؟
كما تعلم أنني أعلنت عن إقامةِ مهرجان سنوي مسرحي تقيمه الفرقة وأنا في خضمِّ دراستي العليا بالمملكةِ المتّحدة · وشكّلتُ لجنةً لإختيار النصوص المسرحي · واستعرضت العديد من النّصوص المحليّة ، العربية ، أو الأجنبية · ما أريد أن أقوله هنا · أنّ لنا خطّاً معيّناً في سيرورةِ المهرجان · حتى أنني لا أستطيع - بناءً على هذا الخط - تقديم بعض مسرحيّاتي ·!! على سبيل المثال، عرض علينا نص مأساوي يطرحُ فكرة الموت · وقد رأيت أن هذا النّص قد يكون جيّداً من الناحيةِ الفنيّة إلاّ أن الخط الذي رسمناه للمهرجان لا يتّفق مع طرحه · النصوص المغرقة في اللغةِ والطرحِ الفلسفي من الصّعب تقديمها لمجتمع يجهلُ كثيراً من أبجديات المسرح!!
نعم لدينا أزمة نصوص مسرحيّة ·!! وهذه وجهة نظرٍ شخصيّة ناتجة عما تم تقديمه من عروض مسرحيّة محليّة·!! ولذلك لا مشكلةَ إن قلت أنّ فرقة الصحوة المسرحية تقدّم أعمالي المسرحيّة ، فهذهِ غيرةٌ مسرحيّة وليست أنانيّة · الأنانيّة ربما ترتبط بـ ''الإيجو هُىٍَّ'' أو الذّاتية التي تبرّر المصالح الفرديّة على أساسٍ أخلاقي·! وللعلم فإنني قد كلّفت ذات اللّجنة بالإتصال بالكتّاب المسرحيّين - على قلّتهم - للحصول منهم على نصوص مسرحيّة للمهرجان القادم في صيف هذا العام·
هل ما زلت مؤمناً بأهمية ما للمسرح الشعري؟
المسرحُ الشعري هو أصلُ المسرح ، وقد نشأ على يديَّ الشعر ·!! وقلتُ سابقاً أن القصيدةَ ذاتها مسرحيّة ·!! ولا ريب عندي أنّ الشّعر هو أساسٌ مسرحيٌّ لا يمكنُ الإستغناء عنه ، أولاً لأن المسرح هو فضاءٌ للمتعةِ الروحية ، والنفسيّة ، والشعوريّة · وثانياً : لأن للشعرِ مصدرُ جاذبيّة أخّاذة للنّفس البشريّة ، ولكن لا يجب أن يكون المسرح الشعري إلقاءُ نظمٍ · وحوار درامي يجري على أوزان الخليل ، إنّما كي يكسب المسرح الشعري لذّتهُ ، ويُوهب متعته فلا بدَّ من الخيالِ الآسر الذي هو عينُ الفنِّ ، وجوهرُ الإبداع·
ألم تتغير الذائقة لصالح المسرح الكوميدي؟
دعنا أولاً نتحدث عن ما يسمى ''المسرح التجاري'' مع تحفظي على تجارة المسرح ·!! فأقول : حَسِبَ أغلبُ النّاس ذلك، وفي مقدّمتهم من يدّعي أنّه مسرحي أن الجمهور يميلُ إلى الكوميديا ·!! نعم الجمهور يميلُ إلى الكوميديا ولكن أيّة كوميديا ؟! هل هي الكوميديا الرخيصة ، الكوميديا المبتذلة ، إذا كانت كذلك فذلك هو التّخلي عن الفكرة الجوهريّة للمسرح ·!! المسرحُ يَصنعُ ولا يُصنع · المسرحُ هو الذي يرقى بالذّائقة ولا ترقى به ، المسرحُ هو الذي يقرّر ولا يُتّخذُ قراراً بشأنه ·!! والكوميديا هي شكلٌ من أشكالِ المسرحِ ، بل أن الكوميديا - كوميديا الموقف - قد تختلطُ مع التراجيديا ،أليس صحيحاً القول '' شرُّ البليّةِ ما يُضحك'' وهي ما تسمّى ''الكوميديا السوداء'' ؟! المسرحُ لا يسعى للإضحاكِ وإنما للإمتاعِ فبأي صورةٍ يكونُ هو الإمتاع، بالضّحك أو البكاءِ أو الصمت العميق أو غيره فذلك هو المسرح ·!
ما أسباب اخفاقات المسرح العماني؟ هل هو النص أم الإمكانيات الأخرى·؟ أو البنية التحتية المفقودة في عمان؟
المشكلةُ الأساسيّة التي أراها وتبنّيتها طوال سنواتٍ مضت هي مشكلةُ الإنسانِ ذاتهِ قبل ضحالةِ المادةِ التي يتذمّرُ من فقدانها ·!! ، والتي يراها العمود الفقري لتحقيق طموحاتهِ· إنسانُ هذه المجتمعات يعاني صراعاً داخلياً ، نفسيّاً لا يكادُ يتحرَّر منها إلاّ لكي يحقَّق نوالاً لذاته·!! فهو يرسفُ في أغلالهِ ، فلا يرى في المرآةِ إلاّ نفسه · هو إذن يُقصي الآخر · وهذه هي المعضلةُ الأولى والجوهريّةُ في هذا الشأن·!! أقولُ الإنسان قبل المادّة ''والإنسانُ هنا يشملُ المسؤول عن الشأن المسرحي في المؤسسات الرسمية أو الأهلية أو المسرحي'' · ! إذا استطاع أن يتحرّر من رغباته الشخصيّةِ الضيِّقة وأن يُصبحَ مبادراً فإنّ الحصان سينطلقُ بالعربةِ محفوفاً بالأدعيةِ والتبريكات·!! على الإنسانِ المسرحي أن يتحرّر أولاً من الغرق في الذّاتيّةِ · عليه أنّ ينصت للأصواتِ الأخرى · أن يرى في المرآةِ وجوهاً أخرى كي يُصبحَ الفنّ المسرحي متاحاً لكلِّ عاشقٍ ، وكلَّ هاوٍ ·
على الإنسان المسرحي أن يعمل داخل الصندوق ولكن أن يفكِّر خارجه ، فإذا انحصر عملهُ وفكره في هذه العلبةِ فإن واجهةَ الجمهور لن تكونَ منفذاً للعقولِ ، واستيعابِ الآخر وإنّما تهميشهِ في ظلاميَّةٍ موحشة حتى يصبحَ كأنّه ودجنِ الظلمةِ سيّان·!!
لا يمكنُ لنا أن نؤسس لمسرحٍ دون نقدِ الذاتِ، دون قبوله من الآخر فلن تقومَ قائمةٌ أبداً لأيِّ مشروعٍ طموح دون أن يكون وراءه عقلياتٍ منفتحةٍ ، ساميةِ الأهدافِ ، نبيلةِ الغاياتِ ، لا ترى في مصلحتها الشخصيةِ محلّاً طالما كانت معرقلاً أمام الطموح العام·
فإذا وعى الإنسان المسرحي أو الإنسان المسؤول عن المسرح هذه الأهداف·· سينهضُ من أجل ''التأسيس'' الفاعلِ والسليم ، أولاّ بالتخطيط الواعي ، فكريّاً بإعداد عقلياتٍ مسرحيّة ، وتبني مواهب ، وتثقيف نفوس في جميع الأصعدة المسرحية ، وثانياً : ماديّاً بإقامةِ المؤسّسات المسرحيّة التي نفتقدُ إليها ، وتشّيد بُنىً مسرحية نحتاجها·
لربّما يرى البعض أن تركيزي على الإنسانِ فيه جنوحٌ نحو المثاليّة ·! وليكن كذلك فلا نهضةَ ولا تأسيس يُرجيان دون فكرٍ إنسانيِّ · إذن فالمشروع الأكبرُ هو إعدادُ الإنسانِ وتأهيله ليحمل الهمَّ المسرحي ، ويترجمه بخطط واقعيّةٍ على أرض الواقع · فما فائدةُ الدُّور والبُنى إن لم يكن وراءها إنسانٌ يعي معنى المسرحِ ، ويستطيعُ أن يُدرك جوهره؟!
نعم نفتقدُ إلى الكثير ليقوم لنا ''مسرح'' إنّما لدينا أعظم رأسمال وهو ''الرغبة المسرحية'' أو كما يروق للبعض نقول ''الجنون أو الهوس المسرحي·!!''
ما دوركم في البناء المسرحي؟
نحنُ هواةُ مسرحٍ · عشقنا المسرحَ ، ورأينا فيه قدرتهُ الفذّة على استيعاب ما يعتمل في نفوسنا من همومٍ وأشواق ونعلم يقيناً بأن كلَّ خطوة لنا في المسرحِ إنّما هي تأريخٌ ثقافي لمرحلةٍ إنسانيّة ، ومنجزٌ فنيُّ يضاف إلى ثقافةِ شعب، ولذلك سعينا - بالرّغم من مشاغلنا وارتباطاتنا - إلى إبقاءِ علاقةٍ جميلة بالمسرح ·
قدمت مجموعة من النصوص للمسرح العماني· هل أنت راض عن طريقة تقديمها؟ هل قدمت النصوص كما تتمنى؟ أين يكمن الخلل؟
أُدركُ يقيناً بأن النّص حالما يصلُ إلى يد المخرجِ ، فإن هذا الأخير عليه أن يكتب - مستنداً على النّص - نصّه/ عرضه الآخر · ولكن ما افتقدتهُ هو وجود المخرج الذي يستطيع أن يكتب نصّه المسرحيّ بوعي وإدراك · أعتقد أن لدينا أزمةَ مخرج أعمق من أزمةِ نص ·!! الإخراج هو ذاتهُ إبداع وليس عملاً تقنيّاً وحسب ·!! والإبداعُ هو الباعث والدافع وراء تعاطٍ عميق للنصَّ ، وإكسابه رؤيةً ذات أُسس غير إعتباطيّة ·! ولذلك اقول أنني غير راضٍ عن الإخراج الذي كان وراء أغلب نصوصي والتي أرجو أن تكون في مستوى ما قاله في وصفها المخرج الكبير/ قاسم محمد بأنها ''نصوص استثنائية في المسرح العربي'' · إن الكثير من خريّجي المسرح سرعانَ ما يذوون في شؤونٍ أخرى بعد تخرُّجهم غير المسرح · ولا يعني هذا بأنّ وجودهم يعني بأنّهم سيثرونه ، فالمسرح كما قلت موهبة ، وهو أيضاً عشق · قبل أن يكون تخصُّصاً أكاديميّاً أقبل عليه الدارسِ لأنّه لم يجد بديلاً غيره ·!! لكن وجودهم أو وجود بعضهم سيكون مساعداً جداً في الإنخراط السليم في اللّعبة المسرحيّة ·
جربت كتابة القصة والمسرح والشعر والمقال وسائر الفنون الأدبية، ماذا يمكن أن نفهم من هذا التنوع؟ ألم تشعر في لحظة أنك تعبت من الكتابة، وتريد أن تستريح من أجل نوع واحد فقط، وليكن المسرح؟
التنوُّع ثراء· وهذه الأشكال إنّما تصدُر عن ينبوعٍ واحد ··! فمهما تفاوتت القوالب الفنيّة فإن المادّة الإبداعية هي أصلها · ولست أرى ضيراً من كتابةِ أيِّ شكلٍ من أشكال الإبداعِ لأيِّ مبدع ، نعم لو كانت مهناً · حينها يمكنُ للمتهنِ أن يقول آن لي أن أحترف مهنةً ما وأترك بقيّة المهن · لكنَّ الكتابةَ تفرضُ فكرتها ، وتسكبها في قالب لا يقرّره المبدع إلاّ نادراً · لقد أرسل لي منذ أيّام أحد الأصدقاء الصحفييّن صورة طفل شهيد مبتسم · فزيّنتها بقصيدة على الفور · أيّ أن الصورة قد فرضت القصيدة / الشكل الإبداعي الذي ستكونها ·! أواصل كتابةَ المقالةَ - وهي سلسلةٌ ضمن مشروع فكري - بدأته منذ سنوات ، وقد أصدرت وزارة التربية والتعليم أول كتبي في هذا المشروع بعنوان ''نحو قيم تربوية تعليمية'' في الآونة الأخيرة ، يليه كتابٌ قادمٌ بعنوان ''قيم معطّله في المجتمعات العربيّة''·· أمّا الشعرُ فلا زمنَ له ·· فهو سيّد يأتي متى ما شاءَ وكيفما يشاء ··!! المسرحُ وهو فنٌّ ناضج ، يصلح عليه وصف إمرؤ القيس ''كبير أناسٍ في بجادٍ مزمّل'' هو الذي يستحوذ على الكثيرِ من فكري ، ولديَّ فيه مشروعٌ قادم ·· بل مشاريعَ قادمة ·!

اقرأ أيضا