الاتحاد

الملحق الثقافي

إدانة الحرب بلا خطاب سياسي وبلغة «عبثية»

إدانة سينمائية جديدة للحرب الأميركية على العراق، وتجريم القتل والعنف والآثار النفسية السلبية والأليمة التي تعيشها أسر القتلى والمفقودين في الحروب، يجسدها فيلم the messenger «الرسول»، الذي عرض ضمن أفلام المهرجان، وحظي باهتمام وحضور جماهيري كبير.
فيلم «الرسول» من إنتاج 2009، يدين الحرب دون أي خطاب سياسي، ويقدم الحياة العبثية المأزومة التي يعيشها الجنود الأميركان في العراق، من خلال تناول كيفية إخبار وزارة الدفاع الأميركية لأسر القتلى، وتقديم بعض التفاصيل عن مقتل الجنود في لغة رسمية خاصة، وإبلاغهم أن هناك مؤسسات مدنية مختصة، ستتصل بهم لتوفر لهم دعمًا معنويًا ونفسيًا.
يبدأ الفيلم باحتفاظ بطله بالعلم العراقي معلقاً فوق سريره في مستشفى ميداني، وهو مصاب في قدمه وإحدى عينيه، ولا يود الحديث عن الحرب التي اشترك فيها، ولا حتى تذكر أيامها، وبعد أن يتعافى من جراحه يكلف في آخر أشهر خدمته العسكرية، بمهمة إعلام عوائل القتلى من الجنود الأميركيين، بخبر مقتل أبنائهم، ومن ثم تظهر براعة المخرج في استدعاء أشباح الحرب وصورها إلى ذاكرته، وهنا تختلط الصور المأساوية وفظاعة المشاهد الميدانية للقتلى، والتضارب في المواقف المضحكة الباكية عندما يبدأ مهمته، ودون أن يغفل المخرج بعض المشاهد التي تصور ما أصاب عقلية الجندي من وهن ونسيان واضطرابات نفسية لتنقل الأزمة الإنسانية والأخلاقية للأميركيين والعالم.
وفي الفيلم يعتمد المخرج أورن موفمان على المشاهد الصادمة لتلقي عوائل الجنود للخبر، ولا يعود مرة أخرى إلى تلك العوائل، باستثناء الأرملة الشابة، التي احتفظت بدور مهم في النصف الثاني من الفيلم. ولم يكن من الواضح أو المقنع دوافع القادة الذين اختاروا وقرروا إسناد مهمة نقل رسائل «الموت» إلى الجندي الذي بدا منطويًا وعاجزًا عن إقامة علاقات طبيعية مع الناس الذين كان يعرفهم بعد شفائه من الإصابة التي أصابته، وخرج منها منسحبًا من الحياة العادية، والتي عاد إليها بعد خدمة عسكرية قضاها في الكويت والعراق، ويضطر في النهاية إلى الموافقة، ليرافق الجندي الآخر الذي قام بدوره الممثل المتميز ودي هاريسون، في المهمة، التي يجب أن تتم ضمن مراسيم معينة، فمن غير المسموح للجنود، لمس عوائل الجنود المفجوعين.
الفيلم قدم ستة مشاهد لست عوائل مختلفة، وهي تتلقى أخبار مقتل أبناء أو أزواج. لكنه كل مرة، كان يقدم الصدمة بشكل مختلف، كفعل لا يمكن السيطرة عليه أو ضبطه، ويجسد الفطرة الإنسانية التي تتفجر في مثل هذه المواقف، وفي كل مرة تأتي الصدمة قوية وهائلة وعاصفة، تحمل معها إدانتها الخاصة للحرب. كفقر العائلة الأولى من الأميركيين من الأصول الأفريقية، والأب ذلات الأصول اللاتينية والذي لا يجيد اللغة الانجليزية، ولا يعرف على الأرجح الكثير عن حرب العراق ودوافعها. أو الحزن النبيل للوالدين المسنين. في مشاهد تبليغ الرسائل، والتي يرتكز عليها الفيلم، وتتنقل كاميرا المخرج بين «الرسول»، ومستلم الرسالة، فالجنديان اللذان يعرفان الحرب وما تعنيه، يوضعان في مواجهة أقسى نتائجها. القتل بصورة عبثية يرتفع بعد دموع الأهل الى مكانة عالية لكنها شديدة الخواء. يرغب البطل الشاب في عناق النفوس المثكولة، لكنه يخشى رئيسه الذي يرافقه، وهو يبحث بالحقيقة، عمن يبكي موته هو، الموت الذي تأجل، وتأجل معه الحزن الذي يعقبه.

15 فيلماً معظمها تشكل العرض الأول في المنطقة
عواطف وسياسة وبيئة ترسم صورة سينمائية لتركيا الحديثة

يخص مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي السينما التركية ببرنامج لأفلام العرض الأول فاتحاً بذلك نافذةً عربية على المنجز السينمائي التركي، في إطار ستراتيجية هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في مدّ جسور الحوار والتبادل الثقافي والمعرفي بين الدول العربية وتركيا.
ويتضمن برنامج العروض الخاص بالسينما التركية الحديثة عرض فيلمين مشاركين في مسابقة الأفلام الروائية هما: «10 حتى 11» للمخرجة بيلين إسمر، و»في الطريق إلى المدرسة» للمخرجين أورهان إسكيكوي وأوزغور دوغان، إلى جانب عرض سبعة أفلام من أفلام العرض الأول في الخليج هي «خريف» للمخرج أوزغان ألبير، «نقطة» للمخرج درويش زعيم، «حليب» للمخرج سميح قبلان أوغلو، «شروقي الوحيد» لرها إردم، «صندوق باندورا» لييشيم أوسطا أوغلو، «كتاب الصيف» لسيفي تيومان، و»المسبحة الخطأ» للمخرج محمود فاضل كوشكان.
ويعتبر الفيلم «10 حتى 11» للمخرجة بيلين إسمر وتمثيل نجاة إيشلر، مدحت إسمر، تايانش، أيايدين، لاشين سيلان، سافاش آكوفا وسنان دوغميسي من أفلام العرض الأول في الخليج والذي يتعرف الجمهور العربي والخليجي والإماراتي من خلال مشاهده وحبكته السردية الروائية الطويلة على تفاصيل الحياة اليومية لعجوز هو العم مدحت الذي يشغله الشغف بجمع الذكريات من عشوائية تفاصيل حياته، لكن الأمر يصبح أكثر صعوبة عندما تتدهور حالته الصحية فيجبر في نهاية الأمر على أن يترك ذكرياته للبواب علي.
ويعتبر فيلم «في الطريق إلى المدرسة» للمخرجين أورهان إسكيكوي و أوزغور دوغان وتمثيل إيمري آيدن، زولكوف يلدريم، زولكوف هوز، رودجا هوز وفيهيب هوز من الأفلام التركية الاستثنائية التي توثق تناقضات تركيا الحديثة والجدل التاريخي حول المشكلات العرقية التي تعاني منها وأولها المسألة الكردية، إذ يتتبع الفيلم تسلسل الأحداث في رحلة يقوم بها للمرة الأولى معلم تركي شاب من غرب البلاد يتم إرساله إلى قرية كردية نائية في الجنوب الشرقي ليصبح المعلم الوحيد في مدرسة القرية. ويفتح فيلم «خريف» للمخرج أوزغان ألبير نافذة بيئية على جماليات الطبيعة التركية من خلال اعتماد المخرج حلول فصل الخريف في جبال منطقة البحر الأسود كخلفية مشهدية طبيعية منعكسةً على حياة السجين يوسف الذي يتم إطلاق سراحه لأسباب صحية، فيعود ليعيش تفاصيل الفقدان المتواصل لحياة الشباب، كما يترك هذا العمل الروائي بما فيه من بساطة وغنائية فريدتين علامةً راسخةً في تاريخ السينما التركية المعاصرة.
أما فيلم «نقطة» للمخرج درويش زعيم وتمثيل نعمان أكر، كيم أكساكال، بيجوم بيرغورين، بايازيت غوليركان، نادي غولر، حكمت كاراغوز، سرحت كيليش، شينر كوكايا، محمد علي نوروغلو، ستار تانريوجين ومصطفى أوزونيلمار، فيصوّر حكاية خطاط شاب موهوب يتورط في سرقة نسخة قديمة وثمينة من القرآن الكريم، ويبرز هذا الفيلم كتجربة بصرية فنية صافية.
فيلم «حليب» للمخرج سميح قبلان أوغلو، تمثيل مليح سيلشاك وباشاك كوكلوكايا، يقع ضمن أفلام «ثلاثية يوسف» ويروي قصة الصراع الداخلي الذي يعيشه الشاب يوسف بشأن تركه المنزل، فرغم أنه متعلق بمنزله وحياته وما هو آمن ومعروف بالنسبة إليه فإنه يتوق إلى التخلص من المألوف ليواجه الجديد القابع خلف جبال بلدته ومبانيها.
ويقع فيلم «شروقي الوحيد» لرها إردم وتمثيل أوندرك، أنشيباس، إيليت إشكان، إردال بيسيكتشيوغلو، وليفينت يلمار، ضمن مجموعة الأفلام العاطفية الذاتية التي فتحت للسينما التركية باباً إلى الذات العربية عبر بوابة الوجدان، إذ يجسد براعة التلاعب بالموسيقى التصويرية للمخرج في تصويره تجربة فتاة تبلغ الرابعة عشرة ، وتحاول عبر تمتماتها المتتالية التأقلم مع محيطها الذي يخلو من الحب.
أما فيلم «صندوق باندورا» لييشيم أوسطا أوغلو من تمثيل تسيلا تشيلتون، ديريا ألابورا، أونور أونسال، عثمان سونانت، أوفول أفكيران، تايفان ياديمسوي، ونظمي كيريك، فيحكي الوجه الجميل للعلاقة الإنسانية بين الجدة نصرة التي تتوه بين الجبال المحيطة بقريتها وحفيدها الفتى المتحضر مراد.
بينما يحمل فيلم «كتاب الصيف» لسيفي تيومان من تمثيل تينر بيرسيل، تايفون غوناي، هارون أوزواغ، أيتن توكون وعثمان إينان، طابع السيرة الذاتية لسيفي تيومان، ويسلط الضوء على الحياة الريفية التركية وما يخلفه البطريرك من تساؤلات بعد وفاته عن المال المفقود والعشيقة الغامضة، وينبغي على علي ذي السنوات العشر وشقيقه فيصل وعمهما حسن أن يمضوا صيفاً طويلاً قائظاً سعياً لاتخاذ قرارات حاسمة بشأن خيارات حياتهم.
وبالنسبة لفيلم «المسبحة الخطأ» للمخرج محمود فاضل كوشكان، وتمثيل نادر ساريباكاك، غوركيم يلتان وإرسان أويسال ، فإنه يسرد قصة بسيطة بطيئة الوتيرة عن غرام شاب مسلم وامرأة كاثوليكية، وتكمن فرادته في أنه بخلاف الأفلام الأخرى التي تقدم الرأي العلماني الإشكالي حول دور الدين في عملية تغريب تركيا المعاصرة، لا يقدم الإيمان على أنه مصدر معركة مستمرة.

اقرأ أيضا