الاتحاد

دنيا

عقدة الخواجات !!

بينما كنت في قِطر عربي وفي ملتقى للشباب العربي إذا بي أدخل القاعة التي تحتضن الدماء العربية والمستعربة وكنت كلما تقدّمت شبراً لا تلتقط أذنيّ غير ''بنسوار''، و''ميرسي''، و''هاي''، و''ثانكس'' فتذكرت ما قرأتُه عن الشباب ''العرب ايزي''، و''الكووول''، ولَكم أحزنني تباهي عِمَادُ بناء حضارتنا بالآخر وعدم اعتزازه بهُويته وثقافته، لاسيما وقد تم انتقاء هؤلاء الشباب الواعد في ملتقى كهذا كي يمثلوا تلكم الهُوية التي عكفوا على تغريبها فكان الواحد منهم يخجل من نفسه إذا أخطأ وهو يتحدث الإنجليزية أو الفرنسية مع أقرانه من العرب ولا يخجل أن يقول: هل يمكنني تقديم ورقتي بالإنجليزية؟ فعربيتي مكسّرة ويصعُب عليّ جداً أن أتحدث بها بطلاقة كما الإنجليزية· وإذا ما تابع حديثه بإنجليزية متقنة تجد تعابير، وأمارات الإعجاب تعلو العيون وترتسم على الوجوه، ثم لا تجد الاستهجان إذا ما تحدث عربية بالكاد تُفهَم تراكيبها! فهل أصبحت الإنجليزية إحدى دلالات الرقي والتقدم يا ترى؟! ألم تقدّم اليابان نفسها أنموذجا في المزاوجة بين الأصالة ومعايير التقدم؟! لقد أحرزت اليابان تقدماً مشهوداً في مجال التكنولوجيا مع حفاظها على هُويتها وثقافتها وخصوصيتها فنهضتها الحضارية لم تقم على الإنجليزية ولم تقف اللغة حائلا دون تقدمها العلمي والتقني، ويعدّ الشعب الياباني من أكثر الشعوب اعتزازاً بمكونات ثقافته ومرتكزاته القِيَميّة· ومن هذا المنطلق أقامت اليابان جهازاً ضخماً للترجمة من لغات شتى لمسايرة التيارات الفكرية العالمية وتزويد شعبها بروافد خصبة من المعرفة الإنسانية· وفي دراسة إحصائية نجد أن اليابان ''نحو 115 مليون نسمة'' تتصدر دول العالم في ما تصدره من كتب مترجمة ومؤلفة فهي تصدر قرابة 32 ألف كتاب في العام، في حين يصل مجموع ما تصدره الدول العربية مجتمعة ''22 دولة: 150- 170 مليون نسمة'' 9 آلاف كتاب سنوياً· أما ما تصدره الأراضي الفلسطينية المحتلة ذات 3,5 مليون نسمة فيصل إلى حوالي 10 آلاف كتاب بالعَبرية سنوياً أغلبها مترجم عن لغات أخرى، وقد ساهم هذا الحراك الثقافيّ الترجميّ على إحياء العَبرية التي كانت قاب قوسين أو أدنى من الاندثار والغياب· وربما يُعزى الزحف العولمي للإنجليزية الذي داهمنا من خلال وسائل الإعلام ووسائل الاتصال المختلفة، والمناهج الدراسية، وسوق العمل الذي أضحى يشترط إتقان الإنجليزية، وعلى مستوى الطبقات الاجتماعية ''الراقية'' إلى الجمود وعدم الإنتاج نتيجة الهزيمة النفسية التي يحياها العربي واعجابه بصانع التقدم وانبهاره بكل ما هو أجنبي·
وللحفاظ على المصالح المادية التي تحققت نتيجة الاتصال بالغرب، ولتأثير الصخب الذي رافق الإعلام الغربي الذي يصوّر الإنجليزية على أنها اللغة العالمية الرائدة رغم أن عدد متحدثيها لا يزيد على 6,7 من سكان العالم، ولسيادة الفلسفة الرأسمالية التي روّجت لها الثقافة الغربية، ولأن الإنجليزية أضحت لغة العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد ولا نغفل أن الحقل العلمي حقل نابض متجدد مما يجعل مسألة تعريب مسارد المصطلحات المتخصصة أنجع من الناحية العملية، ولا ننسى كذلك التأثير الثقافي والتبشيري الديني الذي خلفته مرحلة الوصاية والانتداب·
وإن كنا قد آمنا بمقولة: ''من تعلم لغة قوم أمن شرهم''، لا يغيب عن أذهاننا أنه يُفترض في تعلّم اللغات ألا يعني بأي حال التغريب إلا أن المفهوم العربي المغلوط يجعل تعلّم اللغات مقابلا لمعنى التغريب حيث نجد الأهالي يفاخرون بأبنائهم الذين يتحدثون الإنجليزية بطلاقة والذين قد يجهلون العربية مما ينعكس سلبا على النشء الذي يقع فريسة لخديعة أو جهل الأهل في ربطهم معنى النجاح بالإنجليزية· وماذا يكون النتاج بذلك غير فئة تعاني خللا اجتماعيا فهي تحمل الهُوية اسما ولكنها في العمق مجتثّة من انتماءاتها، وقد وقعت في فخ التغريب نتيجة الظن الزائف بأن التقدم مرتبط به·
أتساءل، ألا يمكننا أن نستشرف الحداثة بحفاظنا على الأصالة يا أيها الشباب العربي ''الكووول''؟!


شمسة الحوسني
أخصائية إعلام بوزارة التنمية الاجتماعية

اقرأ أيضا