الاتحاد

الملحق الثقافي

تنويعات بصرية حول ماض مستعاد وحاضر يبوح بالاغتراب

اختزنت الأفلام الإماراتية القصيرة المشاركة في «مسابقة أفلام من الإمارات» الكثير من المواضيع العامة والشخصية التي حاول المخرجون الإماراتيون الشبان أن يضخوها برؤاهم المستقلة، وبخبرات المشاهدة والمشاركة المتراكمة لديهم خلال السنوات التسع الماضية من عمر «مسابقة أفلام من الأمارات» والتي انطلقت وعودها المضيئة في العام 2001 بالمجمع الثقافي بأبوظبي، هذه المسابقة التي شهدت تغييرات إدارية وتنظيمية عدة خلال الفترة الماضية ومازالت تطمح لاكتشاف أفلام ومواهب وإبداعات جديدة من أجل استمرار وتوهج الحالة السينمائية في المكان، ومن أجل استنطاق الأفكار والقصص التي تغني التجربة وتثري المخيلة، وتنتمي قبل كل شيء للشغف الذاتي عند صناع الأفلام، بغض النظر عن كل المعوقات والعراقيل الإنتاجية والفنية.

إبراهيم الملا

حملت الأفلام الخمسة عناوين تباينت بين التصريح والإضمار، وبين الوضوح والتورية، اعتمادا على المواضيع التي تناولتها هذه الأفلام، واستنادا أيضا على أسلوب كل مخرج في تنفيذ وإيصال فكرته المبتغاة للمشاهد.
والعناوين هي: «عبور»، و»أحزان صغيرة»، و»مفتاح»، و»جفاف مؤقت»، و»مساء الجنة».
هنا قراءة لمناخات هذه الأفلام الخمسة:

عبور... عندما تتكلم الكاميرا

ارتبط اسم المخرج علي جمال بالأفلام الروائية القصيرة ذات الحمولات التراثية والقصص التي تغرف من الماضي ملامحه المنسية ومعالمه الغائرة في الزمن، وهي ذات المناخات والملامح التي ينقلها علي جمال ويطورها فنيا خلال عمله في حقل الإخراج المسرحي، فهو من المخرجين القلائل في الساحة المحلية الذين استطاعوا الجمع بين الشغل السينمائي والشغل المسرحي وبتمكن ملحوظ في كلا الحقلين.
في فيلمه الأخير «عبور» الذي يشارك في المسابقة الإماراتية، اختار جمال أن يتخلى عن مواضيعه الشعبية الأثيرة وأن يدخل حقل التجريب السينمائي، واختبار طاقاته الفنية من خلال عمل قصير ومكثف، ففي ثلاث دقائق فقط تتسيد فيها الكاميرا بطولة الفيلم المطلقة يختصر علي جمال مشاعر الرعب والعطف والأمومة في إطار مشهدي واسع تمثله الصحراء وتترجمه حمامة تحرس بيوضها، ولكن هبوب ريح عاصفة بكل ما تحمله من مخلفات وأكياس، خلقت مجالا خصبا للتوتر المشهدي، فالحمامة العاجزة تتحول إلى ضحية للحيرة والخوف، وتنوب عنها الكاميرا في نقل جنون اللحظة المباغتة عندما يصطدم كيس هائل بالعش وتسقط البيضة وتتحطم على الرمال، مع إدخار قليل من الأمل في البيضة الأخرى التي ظلت صامدة، وأنعشت عند هذا الطائر الوديع قيمة النظرة الملونة للحياة.

عاب على الفيلم عدم نقل الصورة أو المشهد من وجهة نظر الحمامة، بل تم استخدام رأس الحمامة في الكادر السريع واللاهث، مما قلل من وقع وتأثير الرؤية العفوية والمباشرة للطائر، ولكن الفيلم على العموم استطاع رغم قصر مدته أن ينقل رموزه ودلالاته المتعلقة بالخراب المهدد للبيئة، كما استطاع أن ينقل الأحاسيس والرسائل الضمنية البسيطة والعميقة التي يمكن للحيوان أن يبعثها إلى الإنسان دون ضجيج وثرثرة ومبالغات سردية.

أحزان صغيرة... تربية الألم

يتصدر فيلم «أحزان صغيرة» للمخرج هاني الشيباني عبارة للكاتب أنطوان تشيكوف يقول فيها «ما أصعب أن تكون ضعيفا في هذا العالم»، عبارة قد تشرح نوايا الفيلم منذ البداية وبالتالي تقلل من فضول المتفرج، ولكنها في ذات الوقت يمكن أن تغري متفرجا آخر لتتبع أثر المقولة وانعكاساتها داخل مرايا الفيلم، ولكن في كلا الحالتين فإن وضع مثل هذه العناوين قد يربك طقس المشاهدة ويحيل قصة الفيلم إلى تفاسير
وشروحات مسبقة من الأفضل عدم إيرادها وتصديرها في تتر البداية.

فيلم «أحزان صغيرة» مقتبس من قصة للكاتب البحريني عبدالقادر عقيل وصاغه سينمائيا السيناريست الإماراتي يوسف إبراهيم، وهو يتحدث عن طفل يعاني من ظهور صلع خفيف ومفاجئ في رأسه مما يضعه في حيرة كبرى مع فكرة الذهاب إلى المدرسة، خوفا من سخرية الطلاب وتهكمهم، وينقل الفيلم الأجواء المتوترة في منزل الطفل مع مسحة من الكوميديا التي تنشأ من حوارات الأب والأم وتناقضات نمط التفكير لديهما، وعندما يتجرأ الطفل ويذهب للمدرسة تتحقق أقسى مخاوفه وكوابيسه، ويتحول فعلا إلى أضحوكة ومادة خصبة للسخرية والاستهزاء من قبل زملائه في الفصل، فكان الحل الأنسب للتخلص من أحزانه وقلقه المستمر هو التكيف مع حالته، والخضوع للأمر الواقع، وفي تصرف مفاجئ وغير متوقع يأمر الطفل الطلبة جميعهم بصفعه على رأسه الحليقة تماما، بحيث ينال صاحب أقوى ضربة مكافأة تتمثل في مساعدته على الغش في الامتحانات، وفي نهاية الفيلم نكتشف أن الحكاية كلها تعود لحلم يقظة ثقيل يمر في خيال الطفل، ويجعله يسخر من ردة فعله الانهزامية.

يصور هاني الشيباني في هذا الفيلم الحميمي حالة الألم النفسي التي انتابتنا جميعا في منعطفات الطفولة، كما نجح في نقل تفاصيل الحياة المدرسية بذكرياتها المرة والمبهجة، بالإضافة إلى تفاصيل الحياة اليومية في المنزل الإماراتي في السبعينات والثمانينات وما حملته تلك الفترة من ألفة وظواهر جميلة ومواقف طريفة لا تبرح الذاكرة.

جفاف مؤقت.. حيرة الممثل

يشرح فيلم «جفاف مؤقت» للمخرج ياسر النيادي الحالة الغرائبية التي تنتاب ممثلا مشهورا، بحيث باتت حدود الواقع والوهم بالنسبة له حدودا واهية ولا يمكن الفصل بينها، فوضعه الاجتماعي المختلف جعله رهينا لهواجس مريبة في المنزل وفي موقع التصوير وحتى في الشارع، وتأسره هذه الحالة كليا ولكنه ومع نهاية تصوير آخر مشهد في فيلمه الجديد، يتخلص من عبء هذا الكابوس الشخصي الذي تزامن مع الضغط والتوتر الذي يعايشه الممثلون ويعود إلى حالته الطبيعية.

هذا باختصار ما حاول الفيلم أن ينقله، ولكن التفاصيل المتشعبة في السيناريو وعدم تجميع خيوط الأحداث ساهما في خلق نوع من المتاهة السردية في زمن ونسيج الفيلم، كما أن تصميم الملابس واللكنات الأجنبية التي ازدحم بها الفيلم وضعتنا في حيرة شبيهة بتلك التي انتابت الشخصية الرئيسية في الفيلم، بحيث اختلطت علينا هوية المكان ومرجعية الشخوص، فتناول الزمن المعاصر لا يعني التغريب الكلي لعناصر الفيلم، كما أن معالجة القصة الغريبة أو المعقدة لا يعني مجاراة هذا التعقيد كتابة وإخراجا، وإلا تحول الفيلم إلى شكل هلامي لا يمكن التعرف على ملامحه ومقاصده، ومع ذلك يحسب للشاب ياسر النيادي أنه ما زال يجرب أدواته مع اللغة السينمائية، وهي لغة على الرغم من جمالياتها وطرائقها التعبيرية الهائلة، بحاجة لدربة وتمكن وخبرة في التعامل مع كافة عناصر الفيلم، وعدم إهمال هذه العناصر المجتمعة على حساب عنصر واحد أو لمجرد الحماس لفكرة معينة أو هاجس إخراجي طارئ ومفاجئ.

مفتاح... الدهشة المفقودة

يعود المخرج أحمد زين في فيلمه «مفتاح» إلى زمن قديم تشرحه ديكورات وسينوغرافيا الفيلم، ويروي من خلاله، ومن دون حوارات، حكاية طفلة محتجزة في منزل جدتها، حيث تحاصرها مشاعر الخوف والقلق والاستغراب الشديد من سبب هذا الاحتجاز، وتبدو العلاقة بينها وبين جدتها وكأنها مليئة بالتوتر والقسوة، ونكتشف تدريجيا أن سبب هذا السجن الإجباري يعود إلى ظاهرة اجتماعية بائدة تتمثل في حبس الفتاة في المنزل عندما تصل لسن البلوغ، إلى هنا تبدو القصة وكأنها تجري في سياق طبيعي قد يحمل معه بعض المفاتيح والحلول التي تضع خاتمة للقصة.

ولكن المفاجأة التي أراد الفيلم أن يقدمها في النهاية جاءت كي تنسف عنصر المفاجأة نفسه، وخلق عنصر الدهشة الذي أراد النص إيصاله للمتفرج تحول إلى عبء على الحبكة فضاعت الدهشة المنتظرة وتاهت مفاتيحها، وذلك عندما تحول الفيلم فجأة من وضع الغموض والصمت ومن دون مقدمات موضوعية إلى فيلم ناطق ومليء بالحوارات، وذلك لمجرد شرح الحالة وتبرئة ساحة الجدة من صفتي العنف والقسوة، فالدم الذي وجدناه على ملابس الطفلة هو من بقايا دواء الجدة الذي كسرته الفتاة، واختبأت في المخزن خوفا من العقاب ومن أخذها إلى منزل والديها وبالتالي حرمانها من حنان الجدة، الإشكالية الأخرى تمثلت في عنوان الفيلم نفسه، حيث تكررت صورة المفتاح أكثر من مرة في مشاهد الفيلم، وهذا الشرح البصري المباشر غالبا ما يساهم في إضعاف المحتوى الجمالي لأي عمل، فالعناوين المفتوحة والمشرعة على التأويل هي التي تنجح دائما في وضع المشاهد أمام الأسئلة والمعاني المبطنة ولا تحمله تكاليف الإجابات الجاهزة والحاسمة التي تعادي القيمة العميقة لأي فن.

مساء الجنة... مداعبة الموت

عن نص للشاعر والسيناريست محمد حسن أحمد يحيك المخرج جمعة السهلي تفاصيل فيلمه «مساء الجنة» بعناية جمالية فائقة، ويختبر أدواته الإخراجية للخروج عن النمط الواحد والأسلوب المكرر، فجمعة السهلي من المخرجين الذين تشعر بقلقهم الإبداعي المستمر، وهي حالة مطلوبة في العمل السينمائي الذي ينشد التجويد والتطور والإخلاص والتفاني للمهنة، ومن هنا فإن معظم الأفلام التي يقدمها السهلي تبوح بإمكانات عالية من الإتقان على مستوى اختيار النص والممثلين ومواقع التصوير وعناصر الإضاءة والمكساج والمونتاج وغيرها من مكملات الفيلم السينمائي.

يتحدث فيلم «مساء الجنة» عن قصة جنديين تشاء الظروف أن يجتمعا في خندق واحد أثناء حرب الخليج الأولي في العام 1990 ففي داخل هذه الحفرة الرملية الهائلة ووسط جحيم وقلق الحرب تنشأ صداقة طارئة بين الجنديين، وتتحول حواراتهما إلى ما يشبه التأملات الفلسفية حول الحياة والموت والذكريات الشخصية، كما يتحول جنون الارتياب والهلع والشكوك التي تطارد الجنديين وهما داخل هذه المقبرة المفتوحة إلى ما يشبه النقد المبطن للحروب ولنتائجها الكارثية على نفسيات المقاتلين الذين يمكن أن يتحولوا فجأة إلى وحوش بشرية وإلى كائنات أنانية تطارد ما تبقى لديها من غريزة للبقاء، وتقيم في حالة كابوسية سوداء لا يمكن الفكاك من تأثيراتها.
استطاع جمعة السهلي في هذا الفيلم المتقن أن ينقل الانفعالات المتباينة للجنديين، وأن يترجم الحالة الداخلية المتشابكة مع وحشة المكان وعزلته، كما استطاع التوصل لحلول إخراجية مناسبة للمكان المقفل والمغلق للخندق، وذلك من خلال اللعب على خيوط الحوارات الأنيقة والشعرية التي حملها النص المكتوب، واستثمار هذه الحوارات في التنويع البصري ومداعبة فكرة الموت دون مبالغات زائدة ودون معالجات متطرفة لأجواء ومناخات النص.

اقرأ أيضا