الاتحاد

دنيا

المجاقمة: فن ذوق أخلاق

المجاقمة.. كلمة أردنية فصيحة، لن اشرحها لكم، لأنَّ كل عربي منا (أجقم) من أن لا يعرفها أو يعترف بأنه لا يعرفها، فإنَّه أنظر الناس عوداً، وأعرفهم وأذكاهم (ولا فخر)!! والمجاقمة جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي والاجتماعي العربي،لا بل إنَّها جزء من بنية وتكوين الدماغ العربي، مخاً ومخيخاً ونخاعات، وهي تحتل مكان الحوار وعصف الأفكار والنقاش وما شابهها من مصطلحات ما أنزل الله بها من سلطان، وهي في الواقع أسماء أخرى أقل شعبية للمجاقمة! (يسميها البعض مجاعمة)!

مسابقات يومية نخوضها باستمرار في مجاقمة بعضنا أفراداً ومجتمعات مدنية، وأحزاباً وحكومات. إنها تشبه المنسف، تلك الأكلة الشعبية الرائعة، في أنها تجمعنا حتى لو اختلفنا، الرجل يجاقم زوجته والزوجة المصون تجاقمه! الصغير يجاقم الكبير والكبير يجاقم الصغير! الذكي يجاقم الأحمق والاحمق يجاقم الذكي! التلامذة يجاقمون الأساتذة والأساتذة يجاقمون التلامذة! الاحزاب تتجاقم في ما بينها، ويتجاقم الحزبيون الذين ينتمون إلى ذات الحزب. الحكومة تجاقم الأحزاب والأحزاب تجاقم الحكومة! لاحظوا أنَّ الحكومة تجاقم الجميع والجميع يجاقم الحكومة.. بمعنى أنَّ الحكومة تجمع الجميع أي أنَّ الحكومة منسف.. أو تشبه المنسف: الرأس للرأس وضمة البقدونس في الحنك، ولسان المعارضة يؤكل حياً أو ميتاً أو نصف حي ونصف ميت، وتشمل عين الرأس دلالة على جدية الحكومة في مجاقمتها، لكن أحداً لا يصدق ذلك حتى لو أكلت حاوية مطنطرة من العيون البلدية، لأنَّ خلافات المجاقمة تحل بالتراضي في النهاية. هكذا تعلمنا جميع تجارب التاريخ الأردني الحديث والمتوسط والقديم، وما بينها من مفاصل تاريخية.

المجاقمة العربية ليست عداء ولا عدوانية، بل هي في الواقع لعبة نمارسها لنتسلى لأننا لا نجيد الحوارات المنطقية، ولا نمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ، حتى إننا نقيم خلوات خاصة للدوائر والمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية تتخصص في المجاقمة... نتجاقم بكل أريحية ثم نعود أحباباً أصحاباً كأننا لسنا نحن الذين كنا نتجاقم قبل قليل.. نبخّس آراء بعضنا، ويخّون بعضنا الأخر، ونكاد نتضارب بالأحذية والمتكات... كأننا لسنا نحن. المجاقمة فن، ذوق، أخلاق، وأدعو الحكومة إلى محاولة فرضها على الألعاب الأولمبية مع ألعاب أخرى مثل (التزلج على الجميد، الانطلاق فوق حمار، ونحن نحمل تبّانية عدس.. مناطحة كبش في الهواء الطلق، مسابقة رمي القطة من فوق البيدر.. وغيرها!! ?هذه فرصتنا الوحيدة للحصول على ميداليات ذهبية في مسابقة دولية!!


يوسف غيشان
ghishan@gmail.com

اقرأ أيضا