الاتحاد

الاقتصادي

صناعة الغاز العالمية تعاني الوفرة والركود الاقتصادي

فني بمنشأة تابعة لشركة «جاز بروم» الروسية حيث تواجه صناعة الغاز العالمية وفرة في المعروض

فني بمنشأة تابعة لشركة «جاز بروم» الروسية حيث تواجه صناعة الغاز العالمية وفرة في المعروض

بحلول نهاية هذا العام ستكون قطر قد حققت أكثر الثورات الصناعية طموحاً على مدى عدة عقود وتكون بذلك قد ساهمت في تغيير صناعة الغاز الطبيعي على الصعيد العالمي.
ينتظر أن تبلغ هذه الدولة الخليجية سعة تصدير غاز طبيعي تقدر بـ 77 مليون طن في السنة ما يكفي لسد كل ما تحتاجه الصين والبرازيل مجتمعتين.
وأضحت قطر أكبر مصدر غاز طبيعي مسال LNG في العالم والسبّاقة بالاشتراك مع شركات النفط الدولية التي توظفها - في تطوير العملية التي بها يتم تبريد الغاز الطبيعي تبريداً بالغاً وتحويله إلى سائل بحيث يسهل شحنه في سفن مخصصة ونقله إلى أسواق نائية.
غير أن هذا الإنجاز يتزامن مع نشوء ثورة غاز طبيعي أخرى في النصف المقابل من الكرة الأرضية الأمر الذي أوصل أسعار الغاز إلى مستويات دنيا قياسية وأجبر بعض المصدرين على التكيف مع الأوضاع.
وفيما كانت قطر منشغلة ببناء مجمع الغاز الطبيعي المسال العملاق المؤلف من أميال من الأنابيب الملفوفة في رأس لفان التي تبعد 80 كلم شمال شرق الدوحة كانت هناك شركات نفط وغاز مستقلة في تكساس تبتكر تقنيات استخراج الغاز المحصور في صخور صفحية صلبة منتشرة في مناطق شاسعة في الولايات المتحدة.
إن عملية تكسير ما كان من قبل عصياً من الصخور فتحت مجالاً هائلاً لاتفاقيات بمليارات الدولارات منها اتفاقية مجملها 41 مليار دولار العام الماضي اشترت اكسون موبل بموجبها شركة اكس تي او المتخصصة في عمليات الغاز الصخري.
وراحت شركات أوروبية مثل بي بي البريطانية وستات اويل النرويجية وتوتال الفرنسية تركب الموجة وتشتري كل منها حصصاً في مناجم الغاز الصخري وخبرات من تشيزا بيك إينرجي إحدى أكبر شركات إنتاج الغاز في الولايات المتحدة.
ومن حيث المعروض في السوق أضحى لثورة الغاز الصخري تأثير كبير. ففي أقل من خمس سنوات تحوَّلت الولايات المتحدة من دولة تبحث عن مصادر غاز جديدة في الخارج إلى دولة مكتفية ذاتياً.
في الواقع استعادت الولايات المتحدة للمرة الأولى فيما يقرب من عشر سنوات وضعها كأكبر مصدر غاز طبيعي في العالم. وزاد عمر احتياطياتها منه من 30 عاماً إلى قرن من الزمن. ويعد الركود العالمي عاملاً مهماً آخر ترتب عليه تغير كبير في الصناعة في الأعوام الثلاثة الماضية، إذ أنه قلَّص بشدة الاحتياج إلى الغاز الطبيعي وخصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة وقلل الطلب في مناطق أخرى.
إن وفرة الغاز المفرطة التي نتجت عن ذلك أجبرت كبار المصدرين مثل قطر والجزائر وروسيا على المواءمة إذ هبطت الأسعار من 13.7 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (mbtu) في يوليو 2008 إلى 2.75 دولار لكل (mbtu) في سبتمبر 2009 متبوعة بتعاف طفيف إلى السعر البالغ نحو 4 دولارات لكل (mbtu). وتقول مارسيلا دوناديو مديرة قسم نفط وغاز الأميركتين في ايرنست اند يونج إن النفط والغاز صناعة تتطلب من القائمين عليها التجاوب سريعاً مع التقلبات. وقد تصرف كبار المصدرين كل بطريقته الخاصة. جازبروم الشركة الروسية المحتكرة للغاز التي توقع رئيسها التنفيذي اليكسي ميلر عام 2008 أن قيمة شركته ستبلغ 1000 مليار دولار في غضون عقد اضطرت إلى تقليص طموحاتها تقليصاً شديداً.
وكان على جازبروم أن تعيد النظر في هدف تطوير برنامجها في مجال الغاز الطبيعي المسال الذي يعد جزءاً جوهرياً من خطة أعمالها طويلة الأجل والتي كان من شأنها تصدير الغاز القطبي الروسي إلى الولايات المتحدة.
كما اضطرت أيضاً إلى قبول طلبات من زبائنها الأوروبيين بخفض أسعار العقود طويلة الأجل من خلال ربطها بأسعار الغاز المباشرة بدلاً من أسعار النفط.
يذكر أن أسعار الغاز الطبيعي في العقود الفورية تقل كثيراً عن أسعار النفط وعديد من المحللين انتقد ما كان يحدث من قبل من الربط بين الاثنين بأنه أسلوب عتيق لم يعد يتلاءم مع السوق الراهنة.
أما الجزائر فقد طالبت بحل أكثر راديكالية إذ اقترحت الشهر الماضي بأن يقوم كبار مصدري الغاز بتشكيل كارتل ويشتركوا معاً في خفض إنتاجهم.
غير أن المحاولة لم تنجح والسبب يرجع في المقام الأول إلى رفضه من قبل روسيا وقطر.
وتعتبر قطر من أقل المصدرين تضرراً من هبوط أسعار الغاز نظراً لأنها كانت قد تفاوضت فعلاً على عديد من عقودها البالغ حجمها 77 مليون طن غاز قبل التغيرات الشديدة التي طرأت على السوق. ونظراً لأن كثيراً من إنتاجها قد بيع في عقود طويلة الأجل فإنها لا تبدي سوى القليل من المرونة في مفاوضة الأسعار.
وقال فيصل السويدي رئيس تنفيذي قطر جاز: "لن أكون صائباً إن قلت إننا شهدنا طفرة غاز صخري قادمة. فالأمر فاجأ الجميع. فهل أثر ذلك على خططنا طويلة الأجل؟ ربما ولكن بدرجة صغيرة".
غير أن قطر اضطرت أيضاً إلى إبداء المرونة. إذ كان كثير من غازها موجهاً إلى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة اللتين نظرا لزيادة المعروض لم تعودا في احتياج إلى الكثير من الغاز. وقالت قطر مؤخراً إنها ستعيد توجيه الغاز إلى مناطق لا يزال النمو فيها أكثر رسوخاً مثل آسيا والشرق الأوسط ذاته.
في الواقع يعتبر هذا التغير كبيراً إلى درجة أنه ينتظر حالياً أن تصير الصين أكبر مشتر للغاز من قطر.
كما يعتبر الشرق الأوسط القابع فوق موارد غاز ضخمة - ولكن غير مطورة - سوقاً سريعة التنامي لواردات الغاز من قطر وغيرها.
وأفاد السويدي بأن طلب المملكة المتحدة على الغاز هبط في الصيف متزامناً تماماً مع احتياج دول الشرق الأوسط لمزيد من الغاز نظراً للزيادة الموسمية في استخدام أجهزة تكييف الهواء.
إن البحث عن حلول أمر يهم أيضاً شركات النفط الدولية التي توجهت إلى قطر لمساعدتها على تطوير صناعة الغاز الطبيعي المسال فيها. من ضمن تلك الشركات اكسون موبيل ورويال دتش شل وتوتال وكونوكو فيليبس.
شكلت قطر للعديد من الشركات، سبيلاً مهماً لتوسيع محافظها في السنوات القليلة الفائتة حين راحت دول أخرى غنية الموارد تصعب الاستثمار خصوصاً في حقول النفط.
وتطمح اكسون موبيل وشركات أخرى إلى استخدام الخبرات التي اكتسبتها من اتفاقيات عقدتها مؤخراً بقطاع الغاز الصخري الأميركي في مناجم غاز صخري في كل من بولندا والسويد وألمانيا وفرنسا التي يسهل فيها التنقيب عن الغاز نسبياً. غير أنه من المحتمل أن تضعف شهية تلك الشركات للغاز الطبيعي ما لم تتعاف أسعاره لفترة.
ولكن بعض الخبراء يرى أن الأمور ستتحسن في الأجل المتوسط نظراً لأن الغاز تتزايد أهميته وقيمته في عهدنا هذا.

عن «فاننشيال تايمز»

اقرأ أيضا

ارتفاع جماعي لأسعار العملات الرقمية المشفرة