الاتحاد

دنيا

الخلوة الشرعية تهذب سلوك المساجين وتزيد أعباء الحكومة المغربية

سيدتان تمران أمام سجن في الدار البيضاء حيث تعتزمان زيارة أحد أقربائهما

سيدتان تمران أمام سجن في الدار البيضاء حيث تعتزمان زيارة أحد أقربائهما

تعتمد مديرية السجون بالمغرب على نظام الخلوة الشرعية لتحقيق الأهداف المتوخاة منها حيث يسمح للسجناء بالاختلاء مع زوجاتهم ومعاشرتهن في غرف مخصصة لهذه الزيارة، ومع ارتفاع الطلب على الخلوة الشرعية بين السجناء ليتجاوز 11 ألف زيارة «خلوة مع الشريك» خلال 12 شهرا بالرغم من أن عدد السجناء المتزوجين لا يتجاوز 9 آلاف سجين، ارتفعت أصوات السجناء والحقوقيين مطالبة بزيادة عدد رخص الخلوة الشرعية وتحسين الغرف المخصصة لها وتبسيط الإجراءات.

لا ينحصر دور السجون في المغرب على تنفيذ الأحكام السالبة للحرية الصادرة في حق المتهمين بل إنها تحاول أن تنفذ هذه العقوبات الزجرية بشكل يسمح للسجناء بالحفاظ على روابطهم العائلية وتحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي لهم طيلة مدة العقوبة ومساعدتهم على الاندماج مستقبلا في المجتمع حين يتم الإفراج عنهم.
تضارب الآراء
تتضارب الآراء حول نظام الخلوة الشرعية ففي حين يطالب البعض بإلغاء نظام الخلوة الشرعية لأنه يخدش الحياء ويسيء للسمعة ولا يمكن الزوجين من الاستماع بالخلوة التي تتم داخل الزنازين، ويطالبون بتعويضه بنظام جديد يسمح بخروج السجناء في الأعياد لتحقيق تواصل حقيقي مع جميع أفراد الأسرة وفي الأيام العادية لزيارات الأقارب المرضى وحضور الأعراس ومراسم الجنازة.
بينما يرى المؤيدون لهذا النظام أن الخلوة الشرعية عامل قوي يساعد على لمّ شمل الأسرة ويقوي الشعور بالتواصل والارتباط بين أفرادها ويرفع معنوياتها لمواجهة محنة السجن، والحرمان من هذه الخلوة يعني حرمان السجين من حقوقه وتحويل العقوبة من عقوبة فردية إلى جماعية تدفع الأسرة والزوجة ثمنها، كما أن هذا الحرمان سيؤثر سلبا على معدل الانحراف والجريمة ونسب الطلاق والممارسات الشاذة التي تحدث في السجون، ويطالبون بزيادة حصصها على اعتبار أنها وقاية صحية ونفسية وجنسية للسجناء، بينما يرفض البعض بشدة تطبيق هذا الحق بالنسبة للمرأة السجينة حتى لا تثار الشبهات حولها.
والمفارقة أن مهرجان السينما المغربية قام بعرض فيلم «الشمبرة» للمخرج رشيد الشيخ الذي يتناول موضوع الخلوة الشرعية على السجناء في سابقة هي الأولى من نوعها حيث لم يسبق أن تم اختيار سجناء ليكونوا من جمهور المهرجان، وكأن صناع الفيلم يحرضون السجناء على المطالبة بهذا الحق، ويشجعون المترددين منهم على دخول هذه التجربة وطرد الخوف والخجل وتعويض ليالي الفراق بليلة في زنزانة.
وتفاعل السجناء مع الفيلم الذي يحكي قصة سجين سمح له لأول مرة بالاختلاء بزوجته بعد سنوات من الانتظار والترقب، ويصف الفيلم الذي يقوم ببطولته يونس ميكري ونفيسة بنشهيدة مشاعر الزوجين لحظة التقائهما في غرفة الخلوة الشرعية وكيف يمكن اختصار سنوات الشوق إلى ساعات قليلة في غرفة باردة محاطة بحراس ومسيجة بقضبان.
دواعي الخلوة
يقول المحامي أحمد العلمي إن الخلوة الشرعية غير منصوص عليها في القانون المغربي وليست حقا للمعتقل، وهي نوع من أنواع الزيارات العائلية للسجين استعانت بها الحكومة على سبيل التجربة لتحفز السجين على السلوك الحسن واحترام قوانين السجن. ويضيف أن «الخلوة الشرعية تدخل في إطار التدابير التشجيعية التي تهدف إلى استمرار التواصل والترابط العائلي بين السجين وأسرته، حيث إنها ظهرت على استحياء قبل تسع سنوات وكان السجناء يرفضونها رغم رغبتهم الشديدة في الالتقاء بزوجاتهم خاصة من يقضون أحكام طويلة بدعوى أنها تخدش الحياء وتعتبر سلوكا مشينا وتجاوزا يسيء لسمعة السجين وزوجته».
ويشير إلى أن نظام الخلوة الشرعية يلقى حاليا تأييدا وقبولا بين السجناء حيث انخفضت نسبة الذين رفضوا الاختلاء بزوجاتهم بسبب الحرج والخجل، بعد تأييد فقهاء الشريعة وخبراء القانون وعلماء النفس والاجتماع له ودعوتهم السجناء إلى استغلال هذه الرخصة ليصبح من حق السجين الاختلاء بزوجته ومعاشرتها في ظروف إنسانية لا تخدش حياء السجين وزوجته.
ويؤكد الباحث الاجتماعي محمد التاقي أهمية حماية مؤسسة الزواج من آثار فترة السجن ويرى أن الشريك لا ينبغي أن يدفع ثمن الجرم الذي ارتكبه الطرف الآخر فيحرم من لقائه أو يضطر إلى طلب الطلاق أو الانحراف، ويضيف أن «الإنسان لديه رغبات وغرائز لا يجب إغفالها لاسيما الشخص المتزوج فإذا انقطعت هذه العادة ترتب على ذلك تأثيرات نفسية وسلوكية غير سوية لهذا يجب إيجاد طريقة لتهذيب غريزة السجين وحماية الطرف الآخر من الرذيلة».
ويشير التاقي إلى أنه يمكن تنفيذ عقوبة السجن دون أن يمتد هذا العقاب للآخرين ودون أن يترتب على ذلك تدمير كيان أسرة، منتقدا رفض الكثيرين منح المرأة السجينة الحق بالخلوة الشرعية مع زوجها كما هو الشأن بالنسبة للسجين، بدعوى عدم إثارة الشبهات حولها، واعتبر أن حقوق السجناء يجب أن تكون متساوية بغض النظر عن الجنس.
تقويم السلوك
يقول مسؤول من مديرية السجون، رفض الكشف عن اسمه، إن المديرية ورغبة منها في تشجيع المعتقلين على تحسين سلوكهم والحفاظ على روابطهم العائلية، عملت على تمتيع المعتقلين ذوي السيرة الحسنة بالخلوة الشرعية مكافأة لهم على استقامتهم واحترامهم للقوانين المعمول بها، وأضاف أن الخلوة ليست حقا للمعتقل منصوص عليها في القانون وإنما هي حافز يدخل في إطار التدابير التشجيعية لاستمرار التواصل والترابط العائلي.
ويؤكد أن المديرية تولي أهمية كبيرة لهذه الرخصة وعملت على تبسيط المسطرة المتبعة للترخيص بالخلوة الشرعية، وللتأكيد على حرص القانون على تمتيع السجناء المتزوجين بهذه الرخصة. وقال المسؤول إن المؤسسة السجنية لا تستطيع منع السجين من الخلوة كإجراء تأديبي حيث أن التدابير التأديبية تبدأ بالإنذار والمنع من الشراءات والحرمان من الزيارة المباشرة والمنع من الامتيازات والإلزام بأعمال النظافة وتنتهي بالسجن الانفرادي ولا تتضمن المنع من الخلوة الشرعية.
وعن إقبال السجناء على طلب الخلوة الشرعية، يقول المسؤول إنها في تزايد مستمر سنة بعد أخرى كما تشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن مديرية السجون ففي عام 2002 بلغ عدد الزيارات التي استفاد منها المعتقلون والمتعلقات بالخلوة الشرعية 162 بينما تجاوز عدد السجناء والسجينات المستفيدين من الخلوة الشرعية العام الماضي 11 ألف سجين.
ويشير إلى أن ارتفاع الإقبال على طلب الخلوة الشرعية يضع المؤسسة السجنية في وضع لا تحسد عليه حيث أنها تضطر إلى رفض بعض الطلبات وتوفير أخرى حسب الإمكانيات حيث إن هناك بعض السجون لا تتوفر على أجنحة الخلوة الشرعية، وأخرى تخضع لمبدأ التناوب بين المعتقلين المتزوجين الذين يمثلون ثلث عدد السجناء في المغرب.
ومن أجل الاستفادة من نظام الخلوة الشرعية تشترط إدارة السجون أن يكون السجين حسن السلوك ويحترم نظام المؤسسة ولم يسبق له المساس بأمنها، ثم يتقدم بطلب إلى مدير السجن يثبت فيه استمرار العلاقة الزوجية وعدم انفصالها، وعدم إصابة الزوجين بأمراض معدية من خلال الإدلاء بشواهد طبية، وخلو الزوجة أو عدم خلوها من الحمل بخصوص أول زيارة.
وضع جديد
أوجدت رخصة الخلوة الشرعية وضعا جديدا وهو ارتفاع نسبة النساء الحوامل داخل السجن، وحسب إحصاءات إدارة السجون وإعادة الإدماج يوجد حاليا بالسجون المغربية 82 من النساء الحوامل، بينما يبلغ عدد الأطفال المرافقين لأمهاتهم والذين ولدوا داخل أسوار السجن 98 طفلا مقسمين إلى 38 ذكرا و60 أنثى، كما شجعت رخصة الخلوة الشرعية السجناء على الزواج لاسيما الذين يقضون عقوبات بالسجن لمدد طويلة، ووفق إحصاءات رسمية بلغ عدد المعتقلين الذين تم عقد قرانهم بالسجن هذا العام 50 رجلا وامرأة واحدة.
وتنظم إدارة السجون بمساعدة الجمعيات الحقوقية حفل زفاف لكل سجين يعقد قرانه بمشاركة باقي السجناء، ويلتقي السجين مع زوجته أو السجينة بزوجها في إطار نظام الخلوة الشرعية مرة أو مرتين في الشهر حسب إمكانيات كل سجن، حيث تخضع الخلوة الشرعية لنظام التداول بين السجناء المتزوجين، بسبب نقص عدد الغرف المخصصة لهذه الزيارة.
ويطالب المعتقلون باستمرار بزيادة الحصص المرخصة للخلوة الشرعية وتحسين الغرف المخصصة لاختلاء الزوجين، ففي جميع أنشطتهم الاحتجاجية والإضرابات التي يخوضونها يطالبون بإصلاح نظام السجون ليسمح بتطبيق فكرة الخلوة الشرعية بنسب مرتفعة وتوفير ضوابط الخلوة التي تضمن الحفاظ على سريتها، ويشتكي المستفيدون من نظام الخلوة الشرعية من الطابع العلني لهذه الرخصة ما يسبب لهم الإحراج والخجل ويطالبون بعزل هذه العلاقة الحميمية عن أنظار الناس، وتقول مريم إحدى زوجات السجناء إنهم أصبحوا يتحاشون طلب الخلوة الشرعية لأن كل العاملين في السجن والسجناء يعلمون بهذه الزيارة. وتضيف «أكثر من يعاني هي المرأة، إنها تتحمل التعليقات والتعقيدات حتى يعاشرها زوجها»، وتتساءل «ألا يحق للسجناء التمتع بالعشرة والخلوة الشرعية مع زوجاتهن كباقي الأزواج في سرية تامة؟».

اقرأ أيضا