الاتحاد

تقارير

عودة كتابين... صور من الأمانة الثقافية

إعادة الكتب القديمة والآثار إلى مالكيها الأصليين أمانة ثقافية

إعادة الكتب القديمة والآثار إلى مالكيها الأصليين أمانة ثقافية

دلف روبرت توماس البالغ من العمر 83 عاماً إلى المركز الوطني للأرشيف، بمعطفه الذي يعلو جيبه منديل أبيض، حاملا في يده حقيبة تحوي كتابين نادرين أخذهما من ألمانيا قبل 64 عاماً. وقتها كان توماس جندياً أميركياً يخوض، إلى جانب باقي أفراد القوات الأميركية، الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية، فساقه الحظ إلى منجم للملح اتخذه الألمان مخبأ لنفائسهم الوطنية، وقد ضم هذا المنجم الملايين من الكتب التي هرَّبها الألمان من مختلف المؤسسات. وبعد أن ألقى الجندي الأميركي نظرة فاحصة على أكوام الكتب سحب اثنين منها ليأخذهما معه لدى عودته إلى الولايات المتحدة.
واليوم وبعد انقضاء حياة بأكملها يجد توماس نفسه في غرفة تابعة للأرشيف الوطني الأميركي جالساً جنباً إلى جنب مع السفير الألماني ليعيد الكتابين، وفي تلك الأجواء الهادئة في مقر الأرشيف الوطني بدا الجميع سعيداً بالمناسبة، فتوماس الأرمل الذي يضع في أذنيه جهازين لتحسين السمع ما زال يحتفظ بمسحة الجندي القديم المرحة والجريئة والمنضبطة. وعندما سئل عن سبب إرجاعه للكتب قال: «إن هذا هو الشيء الصحيح الذي يتعين عليَّ القيام به».
والحقيقة أنه طيلة الفترة السابقة التي احتفظ فيها بالكتابين لم يولِ الأمر كثيراً من الاهتمام، ولم يراوده شعور بالانزعاج، بل كانت أمور أخرى أكثر قسوة تتراءى له بين الفينة والأخرى، مثل ذلك المشهد الذي اضطر فيه إلى قتل جندي ألماني بدا له وقتها وكأنه طفل، أو مراهق.
وفيما نزع الجندي الأميركي السابق الغطاء عن الكتابين ليقدمهما إلى السفير الألماني خاطب مجموعة من المسؤولين في مؤسسة الأرشيف الوطني قائلا: «لقد احتفظت بهما منذ كان عمري 18 سنة، وقد كنت أرغب في إعادتهما إلى أصحابهما، ولكن لم أكن أعرف كيف أفعل ذلك». وقد عبر الأرشيف الوطني عن سعادته لتسهيل عودة الكتابين إلى ألمانيا بعد كل هذه السنين، حيث لعب «جريج برادشير» كبير مسؤولي الأرشيف دوراً كبيراً في تنظيم اللقاء بعدما اتصل به توماس وأخبره برغبته في تسليم الكتابين، وهي السعادة نفسها التي شعر بها السفير الألماني «كلاوس شاريوث»، الذي قال إن الكتابين يرجعان إلى القرن السادس عشر، وتحديداً إلى فجر الإصلاح البروتستانتي عندما كانت ألمانيا مركزاً للنشر العالمي. وأضاف السفير أن أحد الكتابين يرجع إلى متحف بمدينة «بادربورن» بألمانيا، فيما يعود الثاني إلى مكتبة بمدينة بون.
وعلى مدى السنوات الماضية أبقى توماس الكتابين في صندوق صغير داخل خزانته، ومع أنه لم يقرأ الكتابين قط إلا أنه حرص على حمايتهما من التلف. وعندما سئل السفير الألماني عن الكتابين أجاب: «على الأرجح لم يدرك توماس القيمة العالية للكتابين، وقد احتفظ بهما فقط كذكرى تعود إلى أيام الحرب. ولكنه قام بعمل رائع عندما فكر في الأمر مرة أخرى، وقرر إعادتهما إلى الأرشيف الوطني».
وكان توماس الذي نشأ في منطقة «لونج بيتش» الأميركية قد استُدعي للخدمة في الجيش خلال الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية. وعن ظروف عثوره على الكتابين قال إنه كان يتعافى من جرح أصيب به لدى انفجار قذيفة بجانبه عندما نودي عليه في مطلع عام 1945 وطُلب منه القيام بجولة استطلاعية على متن دراجته النارية، وفي الطريق عثر على منجم للتخزين فدخله ليُفاجأ بإحدى غرفه مكدسة من الأرضية إلى السقف بالكتب، وهو ما أغراه بأخذ كتابين.
وخلال فصل الربيع الماضي أرسل توماس رسالة عبر البريد الإلكتروني إلى «برادشير» وهو أحد خبراء الأرشيف الوطني الأميركي، المتخصص في شؤون مقتنيات الحرب العالمية الثانية التي تعرضت للنهب. وفي أثناء ذلك أكد الخبير أن توماس سعى أولا إلى تحديد المكان الذي تواجد فيه بألمانيا والمنجم الذي أخذ منه الكتابين، حيث كان «برادشير» قد نشر مقالا حول اكتشاف منجم للتخزين بالقرب من «مرميز» بألمانيا أخفى فيه النازيون ما قيمته 250 مليون دولار من الذهب والعملة الألمانية، فضلا عن أعمال فنية نفيسة. ولكن الخبير أدرك أن المنجم المكتشف حديثاً لم يكن هو نفسه الذي تواجد فيه توماس خلال الحرب العالمية الثانية، فأحاله إلى منجم آخر ليعثر في الأخير على المكان المنشود.
وقد رفض توماس إرسال الكتابين عبر البريد مفضلا تسليمهما شخصياً، وهو ما أدى إلى ترتيب اللقاء مع السفير الألماني وباقي المسؤولين في مقر الأرشيف الوطني، وعندما سئل الجندي الأميركي السابق عن سبب تفضيله أخذ الكتابين كذكرى بدل مقتنيات عسكرية عادة ما يأخذها الجنود، رد قائلا: «فعلت ذلك لأني ما زلت أتذكر كم كنت أحب قضاء جزء من وقتي في مكتبة لونج بيتش العامة وأنا طالب في المدرسة الثانوية».


مايكل روان
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا