الاتحاد

الملحق الثقافي

خالد تاجا: مهرجان الشرق الأوسط يشكل ثقافة جديدة

الممثل السوري المخضرم خالد تاجا جاء إلى مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي كبطل لفيلم «الليل الطويل» المشارك في منافسات مسابقة الأفلام الروائية الطويلة. الفيلم مدته 94 دقيقة وكتب له السيناريو هيثم حقّي بتوقيع المخرج حاتم علي. وقال تاجا في حوار معه على هامش عرض الفيلم متحدثا عن دوره: أصوّر شخصية سجين رأي معارض لفكر السلطة، والدّور في الواقع يعكس حياة شريحة مهمة في العالم العربي بشكل خاص وفي دول العالم الثالث بشكل عام. وأرى أن على السينما العربية التركيز بقوة على هذه النوعية من النماذج الإنسانية. أما موضوع الفيلم، فيقدم لنا ثلاثة سجناء سياسيين محكومين لمدة طويلة ويتم الإفراج عنهم فجأة، وفي تطور الأحداث نتعرف على الكثير مما يجري على الساحة السياسية المعاصرة في سورية. وأضاف تاجا: نعتز كثيرا بهذا الفيلم الذي حصد الجائزة الذهبية في مهرجان تارومينا «الثور الذهبي» وتعتبر أعلى جائزة يمنحها المهرجان لفيلم عربي؛ نظرا لطريقته السينمائية في معالجة قضية أخلاقية وإنسانية بجرأة عالية وتقنيات راقية.

عن بداياته مع الفن السابع، ذكر تاجا أنه بدأ مسيرته كممثل في السينما العام 1967 من خلال مؤسسة السينما بفيلم بعنوان «سائق الشاحنة»، وكان هذا الفيلم الذي لقي ترحيبا من النقاد والجمهور هو باكورة إنتاج المؤسسة وشارك في تمثيله بجانبي الراحل صبري عياد والراحلة هالة شوكت، وكان بتوقيع المخرج اليوغسلافي «بوشكو فوتونا فيتش» وكتب السيناريو له نجاة قصّاب حسن. وأنجزت في هذا المناخ نحو تسعة عشر فيلما من أهمها فيلم بعنوان «خيرو العوج» من إخراج وديع يوسف وأيضا فيلم بعنوان «رجال تحت الشمس» من إخراج مروان المؤذن، وأعتز كثيرا بفيلم «الفهد» مع المخرج الكبير نبيل المالح صاحب الرؤية السينمائية المتقدمة على مستوى المفردات والتقنيات وعلى مستوى الفكر الجاد الذي يطرحه.
وعن مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي، قال تاجا: على الرغم من أنني لم أشكل رؤية واضحة وكاملة للمهرجان واحتفالياته وأفلامه، فما زلنا بانتظار نتائج لجنة التحكيم، إلا أنني أستطيع القول بالمجمل العام إن المهرجان هو تظاهرة سينمائية عربية عالمية تشكل حالة خاصة من التمازج الثقافي المنشود. وكان لافتا احتفاء المسؤولين عن المهرجان بنا، من حيث كرم الضيافة والاستقبال والحفاوة وتقديم كافة التسهيلات، وهذا مؤشر على أن العاصمة أبوظبي ما زالت على العهد في تقدير واحترام الإبداع بكل أشكاله وخير مثال هذه الحالة السينمائية التي نعيشها على مدى عشرة أيام تشكل بالنسبة لنا أهمية بالغة في إطار حوار التجارب والاستفادة من خبرات الغير.

واعتبر تاجا أن السينما السورية هي سينما منافسة بكل المقاييس؛ كون اهتمام القطاع العام بموضوع الإنتاج والإشراف عليه هو الشعار السائد، هذا بالإضافة إلى نشاط القطاع الخاص بعد استحداث صالات عرض جديدة بدأت منذ أكثر من عامين تحتفي بالفيلم السوري ونجومه. لقد قدم القطاع العام ممثلا بوزارة الثقافة أفلاما مشرفة نالت العديد من الجوائز في المهرجانات العربية والدولية، وبذلك فتحت الآفاق للمواهب الجادة، ومن تلك النتاجات التي أعتز بها مشاركتي بفيلم بعنوان «المهد» وكتب له السيناريو وزير الثقافة السوري الدكتور رياض نعسان آغا بتوقيع المخرج محمد ملص صاحب أهم فيلم سوري وهو «أحلام المدينة» صاحب أكبر رصيد من الجوائز حققها للسينما السورية.

وفي معرض ردّه على سؤال حول أهمية المهرجانات السينمائية بالنسبة للسينمائي العربي، قال إن أهم ما تحققه المهرجانات هو ذلك التلاقح الثقافي بين المثقفين العرب، كذلك الاطلاع على التجارب والطروحات والتقنيات القادمة من المدارس الأوروبية، وفي تقديري أن مهرجان بهذا الحجم وبهذا الكمّ الكبير من العروض والاحتفاليات والبرامج والندوات وغيرها، كفيل بتحقيق أهم طموحاتنا. وبهذه المناسبة أقول نحن ما زلنا بحاجة إلى مثل هذه المحافل التي تعوض جانب الاغتراب بين المبدعين والمثقفين العرب، وكم كنت أتمنى أن يتحقق مشروع وحدة الثقافة العربية.

وفي جلسة جمعتنا بالكاتب هيثم حقي والناقد الأردني عدنان مدانات ومخرج فيلم «الليل الطويل» حاتم علي وآخرين، سألنا تاجا عن الذي لم تطرقه السينما العربية بعد، فقال: لقد طرقت السينما العربية موضوع مصادرة حرية الرأي، لكنها ومن أسف لقد طرقت ذلك على استحياء وبطريقة خجولة وأحيانا من خلال الرموز والمواضيع التاريخية الجامدة والإسقاطات التي لا يفهمها إلا النخبة. نطالب القائمين على شؤون السينما اللحاق بركب سينما المستقبل ومعالجة موضوع «حرية الرأي» بشفافية عالية، لأنه لا يوجد فن حقيقي بدون حرية رأي حقيقية، وجميعنا يعلم أن السينما هي أخطر أداة إعلامية وجماهيرية، وإذا لم تستثمر السينما رسالتها فلا خير في أفلامها ولا خير في رسالتها. وعن المخرجين الذين تعامل معهم، قال لقد تعاملت مع كثيرين وكلهم مميزون، وإن كنت هنا أخص المخرج حاتم علي في جانب الخيال الواسع واللغة السينمائية التي يستخدمها في أفلامه، إلى جانب حرصه على إبراز نجوم عمله، ومن ثم طريقة التناول والمعالجة التي تؤكد على صدق العمل، وصدق الحالة التي يقدمها للناس، ولهذا انطلقت تجربته على المستوى العربي بنجاح كبير.

وتحدث تاجا عمّا حققه خلال مسيرة أكثر من ثلاثين عاما عمل فيها في الحقل الفني، فقال: لم أحقق كل ما تمنيته، لقد حققت جانبا يسيرا مما حلمت به، فمثلا كنت أريد أن أكون حرّا أكثر في تقديم أفكاري وطريقة طرح مشاكل الإنسان العربي بجرأة أكبر، لكن على أصعدة أخرى حققت رصيدا جماهيريا واسعا، بالإضافة إلى التكريم والشهادات التقديرية التي نلتها من مهرجانات في مصر والأردن وتونس والإمارات والمغرب وقطر والعديد من المنظمات والهيئات العاملة في حقل الإبداع.
وقال تاجا في ختام اللقاء في كلمة وجهها إلى المهرجان: أنا أتوخى النزاهة في اختيار الأفلام الجيدة والفائزة في منافسات هذه التظاهرة الكبيرة، فليأخذ كل ذي حق حقه. أقول ذلك لأن بعض المهرجانات العربية يكال فيها بمكاييل تتدخل فيها العلاقات الشخصية. ومن الجميل أن أقول هنا إن مهرجان الشرق الأوسط خلال دورتيه السابقتين لم يتم إثارة أية أقاويل حول الجوائز فيه، مما يعني أننا في مهرجان مختلف، لم يكن استثنائيا في جانب يشكل أكثر من نصف الحالة المهرجانية.
ووجّه تاجا التحية إلى القائمين على المهرجان الذي استطاع خلال فترة قصيرة أن يجمع لنا ألمع النجوم والأفلام لإثارة مناقشة حافلة بالحوار الذي يفتقده المثقفون العرب، فأن يجمع المهرجان كل هذه الثقافات في فترة محددة، هو بحد ذاته نجاح من نوع خاص، نجاح نرجو أن يستمر بكل هذا الوهج والألق، فحينما يتجمع فرسان السينما في عاصمة مثل أبوظبي يكون هناك أكثر من النجاح.

اقرأ أيضا