الاتحاد

الاقتصادي

«رجل أوروبا المريض» يتجرع دواء «الضرائب» البغيض

مظاهرات عمالية في إسبانيا التي ارتفعت فيها البطالة إلى 18.5%

مظاهرات عمالية في إسبانيا التي ارتفعت فيها البطالة إلى 18.5%

منذ ثلاثة أشهر فقط كان جوزيه لويس رودريجز ثاباتيرو رئيس وزراء إسبانيا يؤكد أن حكومته الاشتراكية غير عازمة على زيادة الضرائب لإعادة السيطرة على ماليات الدولة المتضررة بالأزمة المالية. واليوم غير ثاباتيرو لهجته بعد أن هوجم وانتقد بشدة ليس فقط من قبل قطاعات الأعمال والشركات ومعارضة المحافظين، ولكن أيضاً من قبل أعضاء في حزبه بسبب تناوله العشوائي للأزمة الاقتصادية. ومع عجز متوقع في ميزانية 2009 يفوق 10% من الناتج الإجمالي المحلي اضطر ثاباتيرو إلى تغيير موقفه واعتمد سلسلة من الزيادات الضريبية التي لا تلقى قبولاً لدى العديد من القطاعات.
وكانت الحكومة الإسبانية صادقت الأسبوع قبل الماضي على ميزانية «تقشف» لعام 2010، أهم بنودها زيادة ضريبة القيمة المضافة وزيادة الضريبة على دخل الفوائد وعلى الأرباح المالية وعلى دخل الأفراد. كما تعهدت الحكومة بتخفيض إنفاقها غير أنه لا يوجد سوى قليل من خبراء الاقتصاد المستقلين الذين يعتقدون أن هذه الإجراءات ستكون كافية للسيطرة على الماليات العامة.

رجل أوروبا العجوز
وتتبنى الحكومة الإسبانية موقفاً يشاطرها فيه العديد من المصرفيين البارزين ورواد المشروعات التجارية مركزها أن صورة إسبانيا قد شوهت في الخارج خلال الأزمة وأطلق عليها «رجل أوروبا المريض»، رغم أن انكماش اقتصادها كان أقل من انكماش اقتصاد معظم جيرانها من الدول الأوروبية، حيث تظهر أحدث إحصائيات الناتج الإجمالي المحلي أن انكماش إسبانيا بلغ 4.2 في المائة السنة الماضية مقارنة مع 4.7 في المائة لمنطقة اليورو. بل أن ثاباتيرو أكد عزمه على خفض عجز الموازنة الى 3% من الناتج الإجمالي بحلول عام 2012 وهو حد تجاهلته معظم دول الاتحاد الأوروبي، وقال رئيس الوزراء الإسباني صراحة «إننا نؤمن بتكثيف جهودنا لتحديث نموذجنا الإنتاجي سواء لتعزيز قدرته التنافسية ولتحقيق استقراره في مواجهة دورة اقتصادية متغايرة».
وفي المقابل، فإن البيانات تبدو غير مواتية للاقتصاد الإسباني. فرغم الضئالة النسبية لركود إسبانيا من حيث الناتج الإجمالي المحلي بسبب اعتماد الاقتصاد الكثيف على الواردات إلا أن الطلب المحلي تراجع تراجعاً شديداً، كما أنه من غير المرجح أن يتعافى نمو الناتج الإجمالي المحلي قبل العام المقبل، ما يجعل إسبانيا إحدى الدول الأوروبية الأخيرة المنتظر تعافيها.

شبح البطالة
بلغت البطالة في إسبانيا نحو 18.5 في المئة من القوة العاملة، وهي الأسوأ في منطقة اليورو - بل من المتوقع أن تزيد الى أعلى من 20 في المائة. وتكشف لنا الحركة في موانئ إسبانيا أحوال اقتصاد تأثر بشدة جرا الأزمة العالمية. فقد تراجع حجم المناولة في النصف الأول من عام 2009 17 في المائة عن نفس الفترة عام 2008 حسب هيئة الموانئ الحكومية.
ويحث رئيس الوزراء الإسباني ثاباتيرو على تعزيز التنافسية والاستثمار في التكنولوجيا الحديثة رافعاً شعار «قللوا من الطابوق والإسمنت وزيدوا من أجهزة الكمبيوتر». ورغم أنه محق في ذلك تماماً، إلا أن هناك جدالاً محموماً حول السبيل إلى تحقيق ذلك، فأصحاب العمل يشتكون من زيادة الأجور المستمرة وأعداد الموظفين المدنيين سواء في الحكومة المركزية وفي المناطق المستقلة السبعة عشر. وعبر ميجل أنجل فرنانديز محافظ بنك إسبانيا عن قلقه إزاء العجز، وانضم الى حملة تطالب بسوق عمالة أكثر مرونة.
ودفاعاً عن موقفه ردا ثاباتيرو واالينا سلجادو وزيرة مالية حكومته بشيء من الفظاظة الاشتراكية منتقدين كبار التنفيذيين بإفراطهم في الحصول على المكافآت وتفريطهم في دفع الضرائب.

ثقل الديون
وكانت إسبانيا قبيل الأزمة المالية في وضع مالي قوي عقب سنوات من النمو تحول بعد ذلك الى ازدهار هش غير مستدام في قطاع العقارات والتشييد. وبلغ الدين العام التراكمي نحو 40 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي، ورغم ترجيح أن يتضاعف الدين في عدة سنوات نتيجة الأزمة إلا أن إسبانيا ليست في وضع أسوأ من نظرائها الأوروبيين.
وتوجهت كبرى الشركات في إسبانيا وبعض شركاتها الأصغر (منها على سبيل المثال ايبر درولا واكسيونا في مجال الطاقة المتجددة وانديتكس في الملابس وباندا في أمن الإنترنت) نحو تنويع مخاطراتها من خلال التوسع في الخارج وهي تحظى بمكانة جيدة وسط منافسيها. ويقول جون سكوت رئيس شركة «كيه بي ام جي» في إسبانيا «أضحت الشركات الإسبانية دولية بدرجة كبيرة وتطورت جودة الإدارة تطوراً جذرياً خلال السنين الخمسة عشر الماضية». ويضيف أن إسبانيا بما تعكسه من نمو وتقارب مع جيرانها الأوروبيين منذ أعوام الخمسينيات والستينيات العجاف من القرن الماضي، أصبحت أحد أهم أصحاب الأدوار الكبرى عالمياً في مجال الاستثمار الأجنبي الخارجي والداخلي. ورغم الضربة العقارية التي أثقلت كاهل النظام المصرفي بديون معدومة إلا أن كبرى بنوكها الدولية تتعافى بقوة نسبياً وتمكنت من تفادي الأضرار المدمرة التي لحقت بنظرائها الدوليين من جراء الرهونات العقارية عالية المخاطرة وأصول خارج كشف الموازنة.

نقاط الضعف
ويعاني الاقتصاد الإسباني من نقاط ضعف هيكلية شديدة، فقد تضرر قطاعا العقارات والسياحة كثيفي العمالة تضرراً كبيراً بالأزمة بعد ازدهار لعدة سنوات ماضية، بينما لا تشكل قطاعات التقنية العالية مثل قطاع الأدوية الحيوية سوى نسبة قليلة جداً من الإنتاج والصادرات. ورغم تحسن التعليم إلا أنه أقل من باقي المجموعة الأوروبية عموماً.
وتشير تقارير صدرت مؤخراً إلى أن إسبانيا تأتي في ترتيب متأخر من حيث تنافسيتها في إدارة المشاريع وسهولتها، وهذا يرجع الى بيروقراطيتها العنيدة. ففي آخر تقرير أصدره البنك الدولي بشأن إدارة الأعمال تراجع ترتيب إسبانيا من الحادي والخمسين الى الثاني والستين بين 183 دولة، وفي مجال فتح نشاط جديد جاء ترتيب إسبانيا 146 ما يعتبر ترتيباً مخزياً ويجعلها الأسوأ على مستوى الاتحاد الأوروبي. كما تراجعت إسبانيا أيضاً أربعة مراكز ليكون ترتيبها 33 من 133 دولة في مؤشر التنافسية العالمي لعامي 2009 و 2010 في منتدى الاقتصاد العالمي.

«عن الفاينانشيال تايمز»

اقرأ أيضا

1.8 مليار درهم تداولات عقارات دبي