الاتحاد

تقارير

نفط السودان··· وأزمة دارفور

 النفط··· هل يؤجج أزمات السودان؟

النفط··· هل يؤجج أزمات السودان؟

تخيّل أن مسؤولاً عسكرياً أجنبياً، تمكن من الإطاحة بحكومة الولايات المتحدة الأميركية عبر انقلاب، وأن مليشياته تسببت في قتل جميع سكان بطرسبرج، بينما أرغمت جميع سكان نيفادا على الفرار من بيوتهم وديارهم· وفي الوقت نفسه تمكن هذا المسؤول من فرض النظام العسكري على ألاسكا، في حين شرع في بيع نفطها إلى الصين من أجل الحصول على الأسلحة والمال اللذين سوف يستخدمهما في وضع يده على المزيد من حقول نفط ولاية تكساس!
لم تكن هذه سوى صورة خياليـــة تقريبية، لما يثــار هذه الأيـــام عن أزمة دارفور، فالسودان شهد خلال العقدين الماضيين توترات سياسية، تمت خلالها الإطاحة بالحكومة الديمقراطية المنتخبـــة في يونيـــو مــن عــام ·1989
ومنذ أن هاجمت المليشيات العسكرية التي يساندها أهالي إقليم دارفور، أُزهقت من أرواح هؤلاء، ما يعادل عدد مواطني مدينة بطرسبرج الأميركية، بينما فر من جحيم النزاع والحرب، مواطنو منطقة تعادل مساحة ولاية نيفادا· إلى ذلك انشغلت الحكومة السودانية ببيع منتجات النفط إلى الصين من أجل الحصول على موارد مالية لشراء الأسلحة، التي سوف يتم استخدامها لاحقاً في السيطرة على حقول النفط في جنوب السودان· رداً على هذه الانتهاكات الصارخة، طالب المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية بإصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني، استناداً إلى ما نُسب إليه من ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور· وبينما قاطع المخرج ''ستيفن شبيلبرجر'' الإشراف الفني على إخراج أولمبياد بكين، احتجاجاً منه على الدعم الذي تقدمه الصين للحكومة السودانية، استجابت الولايات المتحدة الأميركية بوصف ما يجري من انتهاكات بحق المدنيين في الإقليم، بأنه جريمة إبادة جماعية، ومضت إلى تشديد العقوبات الاقتصادية التي تفرضها عليه·
هذا ويجب القول هنا، إن الخطر الأكبر هو استغلال الثروات الطبيعية التي تعـــد ملكية عامـــة لجميع السودانيين، في غير محلها، بل ضد السودانيين في المقـــام الأول· وفي الحالـــة العراقية، كان الرئيس جورج بوش قد أصر على أن النفط العراقي، ملــــك للعراقيين وحدهم· وتمسّك بذات المبـــدأ كـــل من الرئيس الفنزويلي هوجـــو شافيز، والقيادة الإيرانية في التعامل مع نفـــط بلديهما· ويتفق جميـــع هؤلاء القـــادة على إقرار أحد أهم المبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي المعاصر· وهو عين المبدأ الذي أقرته المادة الأولى من ''المعاهدة الدولية للحقوق المدنية والسياسية'': ''يجوز لكل الشعوب التصرف بكامل حريتها، في ثرواتها ومواردها الطبيعية، بما يحقق أغراضها وغاياتها''·
لكن وعلى نقيض ذلك تماماً، فإنه ليس في مقدور أهل السودان، الاستفادة كما يجب من ثرواتهم ومواردهم الطبيعية، بل هم في الحقيقة أبعد منها بكثير بسبب التوترات والمشكلات السياسية المستعصية والمزمنة· وبالكاد تستطيع الملايين منهم، البقاء على قيد الحياة في غمرة الفوضى الضاربة، الناجمة عن الأزمات السياسية والاضطرابات التي تندلع بين الفينة والأخرى، بينما تتوجس ملايين أخرى خيفةً من اندلاع نزاعات أخرى محتملة·
وبالنسبة لعائدات النفط السوداني، فإن ما تفعله الصين حرفياً بشرائها لهذا النفط، هو شراء بضاعة تعود بالضرر على أناس آخرين لا أكثر ولا أقل·
ويلحق سوق النفط الأسود هذا بالسودانيين ضرراً بالغاً، بقدر ما يؤثر سلباً على الولايات المتحدة الأميركية· ذلك أن النفط السوداني المصدّر إلى الصين، يستخدم في دفع خطوط الإنتاج في المصانع الصينية، ويصبح جزءاً من وارداتها التي يشتريها المستهلكون الأميركيون يومياً· وفي الوقت الراهن، فإنه ليس لائقاً بالأميركيين أن تصل إلى أيديهم بشكل غير مباشر منتجات تم تصنيعها في الصين واستخدم فيها النفط السوداني، وذلك قد يحدث لدى شرائهم للمنتجات والواردات الصينية في أسواق ''وول مارت'' و''كوست كو'' وغيرهما·
وعليه فإن في وسع الولايات المتحدة الأميركية حماية مواطنيها ومواطني دارفور معاً· وعليها أن تشرع على الفور في إنشاء ''ائتمان اليد النظيفة'' خصيصاً للسودان· والفكرة أن يكون هذا الائتمان عبارة عن حساب مصرفي تفتحه الحكومة الأميركية، وتودع فيه من الرصيد النقدي ما يعادل القيمة التي تشتري بها الصين نفطاً من السودان، على أن يكون مصدر الأموال المودعة في هذا الحساب، عائدات الواردات الصينية إلى الولايات المتحدة· ويتم حفظ هذه العائدات في ''الائتمان'' المذكور، إلى حين استقرار الأمور وحماية حقوق كافة السودانيين بلا تمييز مجدداً، فيحول إليها الرصيد المصرفي المتراكم· وترمي الفكرة على بساطتها، إلى ادخار عائدات الواردات الصينية إلى بلادنا، لمصلحة السودانيين الذين يهمهم نفط بلادهم· ومن شأن هذه السياسة أن تحفز الصين على تغيير سياستها تجاه السودان، بدلاً من أن تعمل على تأجيج نيران حربه الأهلية المقبلة، هذا كي لا يكون في وسع الحكومة السودانية مواصلة التعامل بالقوة مع الأزمات الداخلية·

لايف فينر
أستاذ كرسي الأخلاق بمدرسة الحقوق في كلية كنج بلندن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا