صحيفة الاتحاد

منوعات

بالصور.. لاجئون سابقون يحكمون: أحمد ومريم وصادق.. نجوم سياسية لامعة في الغرب

عندما وصل الصبي الصومالي «أحمد حسين» إلى كندا عام 1993 طالباً اللجوء إلى أراضيها، لم يكن يحلم بأن يقف بعد ذلك بأربعة وعشرين عاماً ليؤدي اليمين الدستورية وزيراً في حكومتها.

لكن هذا ما حدث قبل أسبوع بالتحديد، عندما أسند رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو منصب وزير شؤون الهجرة واللاجئين والمواطنة في حكومته لـ«حسين»، الذي لاذ بكندا فراراً من وطنٍ لا تزال الصراعات تمزقه حتى الآن.



وبالرغم من الترحيب الذي حظي به هذا الاختيار، فإن المحامي الشاب - الحاصل كذلك على درجة جامعية في التاريخ من كلية الآداب بجامعة "يورك" الكندية لا يشكل حالة فريدة من نوعها سواء داخل كندا أو خارجها، وإن كان أول وزير من أصل عربي ينضم لحكومة أوتاوا على الإطلاق.

ففي إبريل من عام 2015، فاجأ رئيس الوزراء الكندي الكثيرين باختيار «مريم منصف» ذات الأصل الأفغاني، وزيرةً للمؤسسات الديمقراطية، لتصبح هذه السيدة التي كانت وقتذاك في الثلاثين من عمرها واحدة من أصغر الوزراء في الحكومة.



ولـ«منصف» بدورها قصة معاناة مشابهة لتلك التي مر بها رفيقها من أصل صومالي في الحكومة. فقد لاذ والداها الأفغانيان بإيران المجاورة، هرباً من الحرب في بلدهما خلال خضوعها لاحتلال الاتحاد السوفيتي السابق في ثمانينيات القرن الماضي. وبعد مقتل والدها على الحدود بين البلدين ومواجهة الأسرة صعوبات جمة في العيش في إيران، قررت الأم أن تلوذ بكندا التي وصلتها مريم مع أخواتها الأخريات في منتصف التسعينيات، عندما كانت في الحادية عشرة من عمرها.

وفي التعديل الوزاري الأخير الذي أتى بـ«أحمد حسين» وزيراً، أصبحت «مريم منصف» وزيرة لشؤون المرأة، بدلاً من منصبها السابق كوزيرة لشؤون المؤسسات الديمقراطية.

من لاجئ إلى رئيس للجمهورية

التاريخ القريب يحمل لنا أمثلة مشابهة في بلدان أخرى، فالرئيس الجنوب أفريقي السابق ثابو مبيكي، قضى ثلاثة عقود تقريباً من حياته منفياً في دول شتى، بعدما غادر وطنه عام 1962 هرباً من نظام الفصل العنصري الذي كان مُمسكاً بزمام الأمور هناك حينذاك. وبعد سقوط هذا النظام عام 1990، عاد مبيكي إلى بلاده، ليتولى رئاستها بعد تسع سنوات فحسب.



وربما لا يعرف الكثيرون أن الدبلوماسية المخضرمة مادلين أولبرايت التي باتت في عام 1997 أول امرأة تتولى وزارة الخارجية في الولايات المتحدة، كانت في الأصل لاجئةً من تشيكوسلوفاكيا السابقة، ولم تصل إلى الأراضي الأميركية سوى في عام 1948، وهي في الحادية عشرة من عمرها.



قصة نجاح «ماري يانا كوربُلوفا»، وهو الاسم الأصلي لـ«أولبرايت»، كانت مُلهمةً على ما يبدو لـ«إلهان عمر» تلك السيدة التي أصبحت أواخر العام الماضي أول مسلمة من أصل صومالي تدخل أحد المجالس التشريعية المحلية في أميركا، بعدما فازت بعضوية مجلس النواب عن ولاية مينيسوتا، بالرغم من أنها كانت قادمة من مخيم للاجئين في كينيا قضت فيه أربع سنوات فراراً من الحرب في الصومال.



العمدة ابن سائق الحافلة

على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، وتحديداً في بريطانيا يتكرر هذا المشهد على مستويات رفيعة عدة.

أشهر الأمثلة على ذلك، صادِق خان العمدة الحالي للعاصمة لندن، وهو الابن الخامس لمهاجر باكستاني قَدِم إلى المملكة المتحدة قبل وقت قصير من إنجاب زوجته لصادِق في 8 أكتوبر 1970.



ومثل «أحمد حسين» في كندا، كافح خان لدراسة القانون، مُتجاوزاً الصعوبات التي واجهت عائلته كثيرة العدد، والتي ظل رَبُها يعمل سائق حافلة لنحو ربع قرن، بينما عكفت الأم على حياكة الملابس.

وفي عام 2005، انْتُخِبَ صادِق خان عضوًا في مجلس العموم البريطاني عن منطقة توتينغ &ndash متعددة الأعراق - جنوبي لندن، قبل أن ينضم بعد ذلك بثلاث سنوات إلى الحكومة في عهد رئيسها الأسبق غوردون براون كأول مسلم يدلف إليها على الإطلاق، إذ اختير في ذلك الحين وزيراً للدولة لشؤون المجتمعات المحلية، وأصبح في العام التالي مباشرة وزير دولة للمواصلات.

وبعد خروج «العمال» من السلطة، تولى السياسي الشاب من أصل باكستاني عدة مناصب في حكومة الظل التي شكلها الحزب في المعارضة، قبل أن يتمكن من انتزاع منصب رئيس بلدية لندن في مايو من العام الماضي، بعد منافسة انتخابية حامية مع مرشح حزب المحافظين الحاكم «زاك غولد سميث»، ليخلف «بوريس جونسون» وزير الخارجية البريطاني الحالي، ويصبح أول عمدةً للعاصمة البريطانية ينحدر من أصل عرقي غير انغلوساكسوني.

نجم «جاويد» الصاعد

ويبدو أن الاهتمام الإعلامي الذي يحظى به خان كأرفع شخصية من أبناء المهاجرين تتولى مسؤولية إدارة عاصمة غربية كبيرة مثل لندن، يحجب الأضواء &ndash ولو قليلاً - عن سياسي بريطاني آخر من أصول مهاجرة أيضاً، يتشابه مع عمدة العاصمة في الكثير من الأمور. الحديث هنا عن ساجد جاويد، الذي يشغل حالياً منصب وزير المجتمعات والحكم المحلي في حكومة رئيسة الوزراء تريزا ماي.

فـ«جاويد»، بدوره ابن لمهاجر باكستاني وصل إلى بريطانيا قبل عقود تماماً مثل خان، بل وعمل والده سائق حافلة كذلك. لكنه تحول بعد ذلك للعمل في أحد مصانع النسيج، قبل أن يعكف على بيع ثياب كانت تحيكها زوجته، إلى أن أصبح في نهاية المطاف مالكاً لمحل لبيع الملابس.

وعلى غرار عمدة لندن، صعد نجم «جاويد» - البالغ من العمر 48 عاماً - بسرعة الصاروخ، ولكن في صفوف حزب المحافظين الحاكم حالياً، ليدخل البرلمان للمرة الأولى عام 2010، في ظل قيادة الحزب لائتلاف حكومي كان يضم في ذلك الوقت حزب الديمقراطيين الأحرار.



وقبل سنوات قليلة، أصبح ابن مدينة بريستول اسمر البشرة، أول مسلم يُختار وزيراً لشؤون الثقافة والرياضة ووسائل الإعلام في المملكة المتحدة، بل ورشحه البعض ليكون خليفةً لرئيس الوزراء السابق دافيد كاميرون في 10 داوننغ ستريت. لكن هذه الآمال واجهت انتكاسةً، بعد أن اضطر كاميرون للاستقالة على نحو مفاجئ إثر اختيار غالبية مواطنيه الخروج من الاتحاد الأوروبي في استفتاء الصيف الماضي، لتحل محله وزيرة داخليته آنذاك تريزا ماي.

نسبة محدودة

من جانبه، يعتبر الدكتور سامي رمضاني أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة «لندن ميتروبوليتان» أن تبوء اللاجئين السابقين أومن أصول أجنبية مناصب رفيعة في الدول الغربية قد «يؤثر على الرأي العام (هناك) بطريقة إيجابية، ويصد بشكل ما حملات تشويه السمعة أو الهجوم الظالم الذي يتعرض له اللاجئون والمنحدرون من أصول أجنبية، (لاسيما) في ظل تزايد نشاط المنظمات العنصرية في الدول الأوروبية».

لكن رمضاني يستدرك في تصريحاته لـ«الاتحاد» قائلاً إن نسبة من يتولون مثل هذه المناصب من اللاجئين السابقين أو أبناء المهاجرين لا تزال «ضئيلة للغاية بشكل عام، إذا ما نظرنا إلى نسبة هؤلاء مُقارنةً بعدد السكان.. سواء كان ذلك في بريطانيا أو كندا».

ورأى أن وصول بعض المنحدرين من أصول أجنبية لمواقع رفيعة في دول غربية يمثل «استثناء». وأشار إلى أنه «بوجه عام، لا يزال هناك نوعٌ من التمييز ضد المهاجرين أو من هم ليسوا من أهل البلد من مئات السنين.. ولم تصبح القاعدة العامة أن يتولى أبناء الجاليات الأجنبية مناصب مهمة».

ولفت أستاذ العلوم الاجتماعية في هذا الشأن الانتباه إلى أن غالبية وسائل الإعلام البريطانية، على سبيل المثال، أفسحت «مجالاً واسعاً لمن يكرهون الأجانب، وخاصة حزب «استقلال المملكة المتحدة» وضخمت من حجمهم وأعطت نوعاً من المصداقية للكثير من الادعاءات الكاذبة (التي رددوها) ضد المهاجرين وذوي الأصول الأجنبية، وأشاعت انطباعاً بأن الأزمات الاقتصادية وتردي مستوى الخدمات.. وحتى تقلص فرص العمل يقع على عاتق المهاجرين وذوي الأصول الأجنبية.. وهو أحد العوامل التي قادت لتصويت غالبية البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي».

غير أن الأمر في بقاع أخرى من العالم يختلف، بحسب رمضاني وهو كاتب كذلك في صحيفة «الغارديان» البريطانية. إذ يشير في هذا السياق إلى أن الوضع في أميركا اللاتينية أفضل بكثير خاصةً بالنسبة للمنحدرين من أصول عربية، قائلاً إن «فنزويلا مثلاً وعدة بلدان أخرى في هذه المنطقة.. تشهد تبوء المئات من أبناء الجاليات العربية مناصب حكومية رفيعة، كما يصبح العديد من هؤلاء أعضاء في البرلمانات».

حذاري من التعميم

أما المحلل السياسي العربي المقيم في لندن إياد أبو شقرا فدعا في تصريحاته لـ«الاتحاد» إلى توخي الحذر فيما يتعلق بالنظر إلى ظاهرة تولي لاجئين سابقين أو أبناء مهاجرين لمناصب مرموقة في بلدان غربية. وحذر مما وصفه بـ«التعميم» في هذا الصدد، قائلاً: «علينا أن نتذكر هنا أننا حاولنا أن نعمم قبل 8 سنوات، واعتبرنا أن أميركا طوت صفحة العنصرية، بوصول باراك أوباما أسود البشرة ذي الأب المسلم إلى الرئاسة فيها، ثم تبين أن هذا لم يحدث وانتُخِبَ دونالد ترامب رئيساً».

وأضاف أبو شقرا بالقول إن «ارتفاع معدل تأييد اليمين العنصري المعادي للأجانب (في الدول الغربية) يشكل اليوم حقيقةً لا يمكن إنكارها.. فنسبةٌ عالية ممن صوتوا لصالح الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي كانت لديهم أفكار معادية للأجانب، حتى وإن كان هؤلاء الأجانب من أصحاب البشرة البيضاء من شرق أوروبا.. كما أن من يتولى مناصب قيادية في المملكة المتحدة من أصول أجنبية، هم من الجيل الثاني للمهاجرين وليس الجيل الأول كما حدث في كندا مثلاً».

وأشار المحلل السياسي المخضرم إلى أن هذه المعطيات تؤكد ضرورة التعامل «مع كل بلدٍ على حدة من دون تعميم»، فيما يتعلق بإفساحه المجال لأبناء المهاجرين لتقلد مناصب رفيعة. فبنظر أبو شقرا؛ يشكل الاحتفاء باللاجئين السابقين ووصولهم إلى مثل هذه المناصب في كندا «استثناءً.. فالحكومة الكندية الحالية حكومة تقدمية، اختارت أن تكون معبرةً تماماً عن النسيج المجتمعي في البلاد، بما فيه من نساء أو ذوي أصول عرقية متنوعة أو حتى مصابين بإعاقات».

أما في أوروبا، كما يقول أبو شقرا، فـ«نحن بصدد انتخابات في عدة بلدان.. وسط مؤشرات غير مبشرة، فيما يتعلق بإمكانية تحقيق اليمين المتطرف مكاسب فيها» وذلك في إشارة إلى عمليات الاقتراع المقررة هذا العام في دول مثل فرنسا وهولندا وألمانيا.