الاتحاد

تقارير

تركيا وإسرائيل...حدود التوتر والمصالح المشتركة

لقد بدأت حدة توتر العلاقات بين إسطنبول وإسرائيل انحسارها يوم الخميس الماضي، إثر قبول الأولى لاعتذار الثانية عن إساءة معاملة السفير التركي لديها. غير أن تلك الحادثة كشفت عن تحول رئيسي في النهج القيادي الإقليمي لكلتا الدولتين الحليفتين، بما يرجح احتمال تحسن كبير في العلاقات الثنائية بينهما. فقبل أسابيع معدودة دعا وزير الخارجية الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان كافة سفراء بلاده المنتشرين في مختلف أنحاء العالم لاجتماع طرح عليهم فيه دبلوماسية بلاده الجديدة. ذلك ما صرح به "آلون ليل" المدير السابق لشؤون وزارة الخارجية الإسرائيلية. ومن رأيه أن هذه الدبلوماسية الجديدة القائمة على مبدأ "الاعتزاز الوطني الإسرائيلي"، كانت بمثابة مؤشر سابق على إساءة معاملة "داني آيالون" نائب وزير الخارجية الإسرائيلي السفير التركي لدى إسرائيل في الأسبوع الماضي.
واستطرد الدكتور "ليل" إلى القول: لقد صدمنا صدمة كبيرة جداً لما حدث عند سماعنا به. ذلك أن الدبلوماسية الإسرائيلية ظلت في غاية اللطف والدماثة دائماً، ولم تعد نزعة الاعتزاز الوطني تلك. وقد كانت حادثة إساءة معاملة السفير التركي مثيرة لخجل الكثير من الدبلوماسيين الإسرائيليين السابقين. يذكر أن "آيالون" -نائب وزير الخارجية الإسرائيلي- كان قد استدعى سفير تركيا في بداية الأسبوع الماضي إلى مكتبه، بغرض الاحتجاج على محتوى مسلسل درامي تركي صور عملاء الاستخبارات والدبلوماسيين الإسرائيليين على أنهم قساة وقتلة. وكان"آيالون" قد تعمد إجلاس السفير التركي "أوجوز تشليك كول" على كرسي منخفض، إضافة إلى عدم وضع علم بلاده إلى جانب العلم الإسرائيلي في طاولة مكتبه -آيلون- كما يقتضي العرف الدبلوماسي. وكانت كل هذه الترتيبات المتعمدة لإهانة السفير التركي قد قصد منها لفت اهتمام الكاميرات الفوتوغرافية والتلفزيونية التي صورت ذلك اللقاء. كما خلا اللقاء أيضاً من أي ابتسامات أو مصافحة باليد. ومن الطبيعي أن تشعر تلك المعاملة السفير التركي بمدى الإهانة التي تعرض لها من قبل "آيالون".
ومن رأي الكثير من خبراء السياسة الإسرائيلية أن سلوك "أيالون" حيال السفير التركي كان بإيعاز من وزير الخارجية ليبرمان -زعيم حزب إسرائيل بيتنا، وهو حزب يميني وطني تضمنت حملته الانتخابية سياسات انقسامية تطالب عرب إسرائيل بالتوقيع على وثيقة إعلان ولاء وطني لإسرائيل قبل الحصول على جنسيتهم الإسرائيلية-. وعقب تعيينه في المنصب، أحدثت بداياته هزة قوية في المسرح العالمي. وكانت الجارة القريبة مصر، هي أول دولة بدأ توتراته معها، ليضيف إلى ذلك إعلان عزل نفسه عن عملية مفاوضات السلام إسرائيلي-الفلسطيني، التي كانت قد انطلقت حينها في أنابولس بحجة عدم جدواها.
ولكن من رأي الدكتور "ليل" أن الأزمة الدبلوماسية الأخيرة التي وقعت بين إسرائيل وتركيا ليس مصدرها سلوك "آيالون"، ولا دبلوماسية رئيسه ليبرمان، خاصة وأن إسرائيل قد تراجعت الآن إلى موقع الدفاع على المستويين الإقليمي والدولي إثر اجتياحها الأخير لغزة في مثل هذا الوقت من العام الماضي تقريباً. وعلى حد قول "ليل": فإن من بين الأشياء التي غيرتها الحادثة الأخيرة، نظرة كل من إسرائيل وتركيا لعلاقاتهما الثنائية. "ذلك أن الذي حدث خلال الثلاثة عشر شهراً الماضية، اعتباراً من شهر ديسمبر 2008، وهو موعد بدء الاجتياح الإسرائيلي لقطاع غزة، هو نهاية شهر العسل بين الدولتين الحليفتين. وقد استمرت تلك الأزمة المتفاقمة خلال العام الماضي كله. وهي أزمة عميقة خطيرة، لا يتوقع أن نشهد أي انفراج لها خلال العام الحالي".
وعلى رغم الأهمية الكبيرة التي تعطيها تل أبيب لحليفتها أنقرة، لا سيما وأن هذه الأخيرة كانت أول دولة إسلامية تعلن اعترافها بإسرائيل لدى تأسيسها في عام 1949، إلا إن هذه العلاقة شابها كثير من التوتر منذ الاجتياح الإسرائيلي لجنوبي لبنان في صيف عام 2006، ثم الاجتياح الإسرائيلي للقطاع في أواخر 2008. وبسبب العقبات التي وضعت أمام مساعي إسطنبول للالتحاق بعضوية الاتحاد الأوروبي، بدت تركيا أكثر ميلاً وحماساً لتعزيز علاقاتها بدول العالم الإسلامي ذات الخلافات والعلاقات المتوترة مع كل من إسرائيل وحليفتها واشنطن. في السياق نفسه يذكر أن رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوجان، يعد من أقوى الأصوات التي انتقدت حرب إسرائيل الأخيرة على غزة، وهو الذي كان قد توسط بين دمشق وتل أبيب وهيأ للتفاوض الثنائي السلمي بينهما لحل مشكلة هضبة الجولان. وكان مقدراً لاسطنبول أن تلعب دوراً مهماً في الدفع بعملية السلام الإسرائيلي الفلسطيني قبل حرب غزة مباشرة. وكل هذه توترات ترجح استمرار الأزمة بين الدولتين الحليفتين.
غير أن للمؤسسة العسكرية التركية مصلحة في تحسين العلاقات بين إسطنبول وتل أبيب. وضمن ذلك تحرص المؤسسة العسكرية هناك على إبرام صفقة سلاح جديدة مع إسرائيل يتم بموجبها شراء عدد من الطائرات المقاتلة التركية. إلى ذلك بدأت زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك لاسطنبول اليوم الأحد، حيث يتوقع له أن يلتقي بكل من نظيره التركي، وكذلك بوزير الخارجية التركية السابق، فضلاً عن لقائه برئيس أركان الجيش التركي. والسؤال: هل تتجاوز هذه المصالح العسكرية المشتركة بين العاصمتين الأزمة الدبلوماسية المستمرة بينهما؟ هذا ما يراه بعض الخبراء والمحللين السياسيين الإسرائيليين، خاصة وأن محاولات ليبرمان لإحباط هذه الزيارة لم تلق نجاحاً في بلاده. وعلى حد قول هؤلاء، فإن من شأن تقارب الذهنية العسكرية في كلتا الدولتين، تخفيف حدة التوتر الدبلوماسي بينهما.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

اقرأ أيضا