الاتحاد

الملحق الثقافي

أفلامه وثيقة عن المشاكل والإخفاقات في المجتمع الحديث

المخرج مايكل هانيكي

المخرج مايكل هانيكي

بعدما نال الجائزة الكبرى عام 2001 عن فيلمه «معلّمة البيانو»، ينتزع النمساوي مايكل هانيكي مرة أخرة السعفة الذهبيّة في الدورة 62 من «مهرجان كان» 2009 عن فيلم «الشريطة البيضاء» الذي يعود إلى نشأة النازيّة مستكشفا جذور الإرهاب النازي، وإلى تأثيرها في النفوس والذهنيات، من خلال تصوير وقائع الحياة في قرية صغيرة في الريف النمساوي خلال الثلاثينيات. فيلم هانيكي يأتي ليقول ان هذا التفسير لا يكفي. للشر ـ الذي مثلته النازية كما الفاشية كما النزعة القومية هنا ـ جذور أعمق. فأين يمكن العثور على هذه الجذور؟ انطلاقاً من هذا السؤال، تخيّل هانيكي، إذاً، موضوعه، عاد، تحديداً، الى سنوات المراهقة والطفولة لدى الجيل الذي كان هو جوهر وسبب نمو النازية، فوجد نفسه خلال العامين السابقين مباشرة للحرب العالمية الاولى.

وجد نفسه تحديداً في الريف البافاري، في الشمال الألماني البروتستانتي حيث كان المهد والرحم اللذان منهما انطلقت عملية تحوّل الشعب الألماني في غالبيته الساحقة الى شعب نازي. وكالعادة في أفلامه، يبدع صاحب «مخفي» في حفر الأخاديد النفسية لشخصيات رمادية ومعذبة تدور في فلك ملتبس يتداخل فيه الخير والشر، والبطولة بالجبن. إنّ هانيكي قدّم في هذا الفيلم المصوّر بالأبيض والأسود، عمله الأكثر اكتمالاً على صعيد الرؤية الإخراجية.
وجدير ذكره أن مايكل هانيكي فنان مثير للجدل، سواء في رؤيته الفنية أو في تقنياته اللافتة للانتباه، اسلوبه قاتم ومثير للقلق، وافلامه في كثير من الاحيان وثيقة عن المشاكل والاخفاقات في المجتمع الحديث.
ولد مايكل هانيكي في 23 مارس عام 1942 في ميونيخ، بفاريا، ألمانيا وهو ابن المخرج والممثل فريتس هانيكي والممثلة بياتريكس فون ديغين سخيلد. عمل أستاذاً لمادة للإخراج في أكادمية الفيلم في فيينا. بدأ مهنته ككاتب مسرحي لمسرح سودفيست فينك عام 1967. ثم عمل كمخرج حر للتلفاز والمسرح عام 1970. نشأ في مدينة فينر نوستات في النمسا، ثم درس علم النفس والفلسفة والعلوم المسرحية في جامعة فيينا في النمسا.
وسبق ان حاز مايكل هانيكي عن فيلمه «مخفي» جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان 2005. تدور القصة حول جورجز لورنت الذي يعمل مقدما لبرنامج تلفزيوني عن الأدب، حيث يفاجأ هو وزوجته آن ذات يوم بطرد أمام البيت. الطرد يحتوي على أشرطة فيديو يظهر فيها هو وعائلته في بيته (مصور بطريقة سرية من الشارع). تستمر الأشرطة في الظهور فجأة أمام عتبة منزله، وتبدأ في أخذ منحى أكثر شخصية، حيث يبدو أن المصور يعرف جورجز منذ زمن بعيد.
الشرطة من جهتها لا تستطيع التدخل لأنه لا يوجد تهديد حقيقي حتى الآن، وهذا ما يجعل جورجز أكثر قلقا وخوفا من هذا الخطر الغامض. الشرائط تكشف شيئا خاصا متصلا بحياته. وهو عبارة عن مَشاهد لمنزله من الخارج، وأمور اخرى ليست على قدر كبير من الاهمية. يرافق الـ»كاسيت» رسم غريب أشبه بتهديد. بيد ان طبيعة الرسائل لا تمنح جورج أي اشارة تتعلق بهوية الطرف الذي يريد عرقلة مسار حياته الهادئ. هل يقدر ان يتحمل التهديدات الغامضة التي يتلقاها، وخصوصاً انها ستوقظ مجدداً ذكريات من زمن طفولته؟ من يريد له شراً؟ ماذا فعل جورج في حياة سابقة كي يستحق هذا العقاب؟ وهل ثمة فعلاً عقاب في مقابل خطيئة او جريمة ارتكبها؟ لا تعذّبوا أنفسكم: لن يمنحكم هانيكي، المدرك تأثير الصور على المتلقي، أي مَخرج من المأزق الذي سيضعكم فيه. ولن يعطيكم مفاتيح الدخول الى الجنة السرية الا تدريجاً. ما يهمه ليس القصة بقدر اهتمامه بتوريط المُشاهد في لعبة الـ»بازل» السادي ليركّب اجزاء هذه القصة المبعثرة. قلق. عزلة. بغضاء. تمزق نفسي. معاناة. يجعل هانيكي الخوف شبحاً طاغياً على امتداد الشريط، ويقودنا الى المجهول، ليرينا مدى صعوبة ان نمشي وعيوننا مغمضة. تلك الاضطرابات كلها ستنتج من التوتر العالي الذي يشيعه هانيكي بما يملكه من موارد سينمائية. ما سر هذا المخرج، علماً انه لا يلجأ الى نوتة موسيقية واحدة، على مدار 115 دقيقة؟ الصمت هنا يبوح. يخرّب كل شيء. ثم يعود الى صمته.
الأشرطة مرسلة من قبل جزائريّ غاضب في ماضيه، الفيلم استعارة عن آلام حرب لا تزال تطارد نتائجها المجتمع الفرنسي الى اليوم. وليس أي حرب. حرب الجزائر المفجعة. ويطرق الفيلم بجرأة قضيّة عزلة العالم الأوّل الغني من العالم الثّالث ـ وتعاون الإعلام، وجماهيره، لإبقاء هذه القضيّة خفيّة ـ بينما قال هانيكي: يسحب كلّ منّا البطّانيّة على رؤوسنا ويأمل أن الكوابيس لن تكون سيّئةً جدًّا. خصوصًا، مذيع التّليفزيون (جسده باقتدار دانيال أوتيويل الممثل الفرنسي من اصل جزائري) يشاهد كوابيسه كما لو بعدسة متّسعة الزّاوية.
نحن، كمشاهدين. نشاهد الفيلم خلال كاميرا بعيدة، نسخة ثانية للعلاقة المغتربة مع العالم حولنا. اللقطة الختامية لـ «مخفي» هي ذلك عن ولدين، جزائريّ وفرنسيّ، يتحدّثان عن سلالم المدرسة، الحوار الأخرس الّذي يمكن فقط أن نلمحه خلال لقطة مكبّرة لسكين. الفيلم أحد تلك الأفلام التي تأخذ منك ساعات وأنت تتفحصها وتحللها وفوق ذلك تناقش فيها غيرك. فالنّزاعات السّياسيّة المختبئة في الشّاشة هدف أساسيّ لهذا المبدع النّمساويّ..
بالمثل، فيلم هانيكي المعروف، «مدرّس البيانو» (2001)، أحضر له جائزته الأولى في كان. يبدأ (كما ينتهي) بباب مغلق. عن العلاقة السّاديّة بين الأمّ والابنة في عالم صغير للمجتمع النّمساويّ الرّأسمالي.
يضيف بعدا آخر أيضًا، الموضوع المهيمن في كلّ من أفلامه السبعة، من «القارّة السّابعة» (1989) إلى «مخفي». يقارب مواضيع من كره الآباء إلى إمبرياليّة الإعلام، وتعبيره عن الحرب والمذابح والتّجارة. لهانيك، هو المؤامرة بين الإعلام والعنف العالميّ والعائلة. المؤامرة المخفية في العقل الباطن: في «مخفي»، المأساة الجزائريّة الّتي تشكّل المعنى الخفيّ تنشأ عن ولد بالتّبنّي سيّئ، ماضي عائلة متّصل بحاضر مقدم التليفزيون خلال الأحلام فقط.
هانيكي نفسه جاء من التّليفزيون. بدأ مهنته عبر البرامج التّلفزيونية للتّلفزيون الألماني، مما اكسبه خبرته الواضحة التي توافق رؤيته. كان فيلمه الأوّل، «القارّة السّابعة؛ (1989)، القصّة الحقيقيّة لانتحار جماعيّ لعائلة، حيث يموت كلّ أعضاء العائلة ببطء على كنبة، وهم ينطلقون بين المحطّات التّلفزيونية. إنّها عائلة نموذجيّة ـ زوج، وزوجة، والابنة ـ تعيش في بلدة عاديّة، ضاحية مستوية عديمة اللّون قرب فيينّا يسيطر عليها صمت بارد. الفيلم كان الأوّل لثلاثيّة لإظهار التّجمّد العاطفي: أوّل عشرة دقائق تظهر هذه العائلة كمؤلّف أجزاء الجسم: العمّال الّذين يعدّون الإفطار، يحملون الحقائب، يغذّون السّمك الذّهبي، يرفعون باب الكراج. إنّها عشرة دقائق كاملة قبل أن نرى وجهًا. وكما في «مدرّس البيانو» أو «مخفي»، لا أحد في هذا المجتمع النّمساويّ حسّاس للآلام الدّاخليّة غير المرئيّة لمنبوذيها المعانين. تشكو الفتاة الصّغيرة من الأعراض النّفسيّة الغريبة إلى مدرّسها ـ تخيّل العمى والطرش ـ المتنفّس العاطفيّ فقط ينقضّ على نهاية الفيلم، بعد أن قد قطّع الأبٌ والأمّ على حدة كلّ قطعة من أثاثهم، ألقيا مالهم أسفل المرحاض وانفجارات حوض السّمك وبكاء الفتاة الصّغيرة تشاهد موت سّمكاتها الذّهبيّة. فيما بعد، أعضاء العائلة يهدؤون ويسممون أنفسهم ويجلسون امام التليفزيون، ببطء يمضون الى حتفهم امام اغنية، مردّدة من قبل مطرب تليفزيون.
فيلم هانيكي الثّاني، «فيديو بيني؛ (1992)، أيضًا رسم علاقةً قويّةً بين الإعلام وإبعاد العائلة. يقتل الولد بنتًا فقط لرؤية كيف يمكنه ان يسجّل بالفيديو القتل ويعيد مشاهدته باستمرار. الوالدان الّلذان يكتشفان القتل يحاولان تغطية الجريمة إذا أصبحا متّهمان بالإهمال. لذا الأب يتطوّع بتمزيق الجثّة الى قطع، بينما يأخذ الأمّ والولد إجازةً مستحقّة إلى فندق على شاطئ بمصر، حيث، بالطّبع، يقضون الأسبوع في السّرير متنقلين بين محطّات التّليفزيون المصري.
فيلم هانيكي الأكثر تجريبيّة، «71 قطعةً لسجلّ هازأرد»(1994)، ذهب بقدر للانطلاق بين صور أعضاء العائلة المغتربين: من مشاهد رجل واحد يصفع زوجته، إلى صور برامج التّليفزيون على كوسوفو. وفي نهاية هذا الفيلم، طالب جامعة نمساوي، يسأم الكون البارد الّذي يعيش فيه وينسف كل ما يراه بمسدّس امام محطّة بنزين، كلّ الشّخصيّات الّتي قد قابلناها متفرقة في الفيلم. هناك رابطة مباشرة تجمع بينهم كيف النّاس لا يتواصلون في البيت (بخاصّة لأنهم يشاهدون التّليفزيون كثيرا) إلى طّريقة هؤلاء في الإعلام يدمّرون العالم الطّليق. المشهد الاخير في «71 قطعة» كليب تليفزيونيّ لمايكل جاكسون في أرض أحلامه، رؤية هانيكي هي الاغتراب في ذروته الغير قابلة للعلاج. طريقته الباردة، ووضعه المباشر الخاصّ، يبدو هدفا لصدمة الجمهور المنساق لاخبار الاعلام في النصف الاخير من القرن الماضي.
بعدما مات صديقه، يمسك الرجل بالريموت كونترول ليعيد الوقت إلى الوراء، إلى ما قبل مقتله. قد تكون هذه هي اللحظة المحورية في فيلم مايكل هانيكي «ألعاب مسلية» 1989. يحكي الشريط قصّة عائلة ميسورة مؤلّفة من زوج (تيم روث) وزوجة (نعومي واتس) وطفليهما، تقوم برحلة إلى بيتها الصيفي على ضفاف بحيرة ريفيّة لقضاء عطلة طويلة. عندما تصل العائلة، تبدأ المشكلات، إذ يظهر شابان غريبا الأطوار (مايكل بيت وبرادي كوربت) بلباس بولو أبيض، ومع قفازات بيضاء ويحتجزان العائلة في منزلها، ويبدآن بالتفنن في التعذيب من أجل المتعة فقط. وهنا بيت القصيد عند هانيكي الذي ينتقد صناعة أفلام الحركة والإثارة.
«ألعاب مسلية» الذي يصنَّف من أفلام العنف والإثارة، يسخر من هذه الأفلام عبر مشهد الريموت كونترول أو عبر كلام الممثل إلى الكاميرا عن المرح في التعذيب. يحاول هانيكي أن يضع المشاهد في ارتباك بين استمتاعه بمشاهد العنف المنفذة بطريقة جيدة، والسؤال عن جدواها ومدى أخلاقيتها في آن. تسبُّبُ الارتباك للمشاهد هو المحور الذي تُبنى عليه الدراما.

اقرأ أيضا