الاتحاد

تقارير

خفض العملة الفنزويلية... قرار سياسي

كُتب الكثير خلال الآونة الأخيرة حول التأثيرات الاقتصادية لخفض قيمة العملة الوطنية الذي أعلن عنه يوم الجمعة الرئيسُ الفنزويلي هوجو شافيز؛ لكن التأثيرات السياسية لهذه الخطوة قد تكون على القدر نفسه من الأهمية، إن لم يكن أكثر. فعبر الخفض الكبير لقيمة العملة الفنزويلية، يستطيع شافيز أن يحوِّل الدولارات التي تحصل عليها حكومته من الصادرات النفطية إلى ضعف ما يعادلها حاليا من العملة المحلية "البوليفار". وهكذا، فعندما يتم تحويلها وفق معدل الصرف الجديد، سترتفع عائدات الصادرات النفطية لحكومة شافيز من 47 مليارا إلى 94 مليار بوليفار، عائدات ستستطيع إنفاقها في البرامج الاجتماعية قبل انتخابات الكونجرس الحاسمة المقررة في سبتمبر من العام الجاري.
وعلى المدى القريب، قد يسمح ذلك الإجراء لشافيز بتجنب هزيمة محرجة في الانتخابات التشريعية لهذا العام. أما على المدى الطويل، فالأمر يتعلق هنا بمناورة سياسية سُتغرق الاقتصاد أكثر إن هي لم تكن مرفوقة بتدابير لإعادة الاستثمار في البنى التحتية لقطاع النفط الفنزويلي أو لمعالجة وتقويم سوء الإدارة الاقتصادية من جانب الحكومة.
زعماء المعارضة الفنزويلية أخبروني في مقابلات هاتفية منفصلة بأنهم لا يعتقدون أن خفض العملة سيساعد شافيز في انتخابات الكونجرس القادمة، من بين أشياء أخرى، وذلك على اعتبار أن الزيادة في قيمة العملة المحلية ستتعرض للالتهام من قبل التضخم المتزايد، لاسيما وأن التضخم في فنزويلا بلغ أكثر من 25 في المئة العام الماضي، وهو أعلى معدل في أميركا اللاتينية قاطبة، ومن المحتمل أن يرتفع أكثر من ذلك خلال العام الحالي، كما يقول زعماء المعارضة الفنزويلية.
وفي هذا الإطار، يقول خوليو بورخيس، رئيس حزب "العدالة أولا" المعارض إنه "مما لا شك فيه أن خفض العملة هذا سيغذي الوحش، حيث سيمنحه كيسا مليئا بالبوليفارات لإنفاقها على البرامج الاجتماعية... لكن ذلك لن تكون له أي أهمية لأن بوليفاراته ستفقد الكثير من قيمتها". سألتُ: لكن فرط الإنفاق قبل الانتخابات أثبت نجاحه من قبل بالنسبة لشافيز، أليس كذلك؟ ليس هذه المرة، يقول بورخيس. فـ"تاريخيا، عبارة (خفض العملة) لهما صدى سيئ في آذان الفنزويليين" لأن الناس مازالوا يتذكرون بأسف خفض العملة يوم "الجمعة الأسود" عام 1983، والذي جعل معظم الفنزويليين أكثر فقرا مما كانوا عليه قبل ذلك اليوم.
ويضيف بورخيس قائلا :"لقد أجرينا استطلاعاً للرأي العام خلال العام الماضي، ووجدنا أن 70 في المئة من الفنزويليين يعارضون خفض العملة لأن الناس يعلمون أنهم سيزدادون فقرا". ويقول بورخيس أيضا: "إن الناس يريدون أن يثأروا لأنفسهم من رئيس كان لديه الكثير من الدولارات وأنفقها في الهدايا لبلدان أخرى وصفقات الأسلحة والدفع من أجل عمليات التأميم".
ومن جانبه، قال لي عمدة كراكاس أنتونيو ليديسما، وهو شخصية بارزة من المعارضة، إن مستقبل شافيز السياسي سيكون مهددا جراء ازدياد انقطاعات التيار الكهربائي في فنزويلا، ونقص المياه على نحو متكرر، وتفشي الفساد، وارتفاع معدلات الجريمة. ويقول ليدسيما: "إن شافيز سيراهن على الحلول قصيرة المدى، مثل تقديم المزيد من الخلاطات والثلاجات... لكن الناس سيدركون أن الأمر يتعلق هنا برغيف لليوم وجوع للغد. إن هذه الحكومة تريد أن تجعل البلد أكثر فقرا وذلك حتى ينتهي الأمر بمجتمع محبط إلى استبدال غد واعد بالفتات اليوم".
وفي هذه الأثناء، يجادل المؤيدون لقرار شافيز خفض العملة بأن من شأن إضعاف العملة الفنزويلية -وعلى غرار إضعاف الدولار الأميركي- أن ينشط الصادرات ويحفزها ويجعل الواردات أكثر غلاءً، مما يساعد الإنتاج الداخلي. وفي هذا الإطار، قال لي مارك فيزبروت، الخبير الاقتصادي بـ"مركز بحوث الاقتصاد والسياسات" المحسوب على يسار الوسط والموجود مقره بواشنطن، والذي يدعم سياسات شافيز عادة، إن تجربة خفض العملة في البرازيل عام 1998 وخفض العملة في الأرجنتين في 2002، تُظهران معاً أن خفض العملة له تأثير اقتصادي إيجابي في أحيان كثيرة. ويقول فيزبورت: "إن خفض العملة الفنزويلية لن يقترب حتى من تضاعف أسعار المواد الاستهلاكية. بل على العكس، إذ سيؤدي إلى تنشيط الاقتصاد وزيادة العائدات المتوفرة للحكومة".
أما رأيي، فهو كالتالي: في معظم بلدان أميركا اللاتينية الأخرى، وبالنظر إلى الإدارة الاقتصادية السليمة، يمكن القيام بخفض العملة دون التسبب في انفلات التضخم من عقاله. غير أن فنزويلا تستورد كل ما تستهلكه تقريبا، ومن ذلك جل المواد الغذائية، وهو ما سيدفع المستوردين إلى رفع الأسعار والتسبب بالتالي في مزيد من التضخم.
إن شافيز يراهن على أن ارتفاع أسعار النفط سينقذه أو أن إنفاق البنك المركزي للدولارات سيجنِّب البلاد ارتفاع التضخم قبل سبتمبر. وإذا سارت الأمور على هذا النحو، فإنه يمكن أن يفوز في انتخابات سبتمبر المقبل؛ على أنه حين تنسحب أضواء وسائل الإعلام الدولية في الأخير، سيحاول استعمال خدعته المعتادة؛ أي إلقاء اللوم على "الإمبراطورية" الأميركية وتحميلها مسؤولية التدمير التام لاقتصاد البلاد وارتفاع معدلات الفقر.


صحفي متخصص في شؤون أميركا اللاتينية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم سي تي إنترناشيونال"

اقرأ أيضا