الاتحاد

تقارير

باكستان... الجيش يلتزم بمحاربة "طالبان"

لا تكترثوا للضجة الكبيرة التي أقامتها وسائل الإعلام حول الوضع في اليمن خلال الأسابيع القليلة الماضية، ذلك أنه عندما يتعلق الأمر بمحاربة الإرهابيين والقضاء عليهم تظل معضلة أميركا الأمنية الأكبر هناك في باكستان حيث يعتقد أن عناصر "القاعدة" و"طالبان" وغيرهم من المتشددين يختبئون في المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان، وقد رأينا كيف حصل العميل المزدوج الذي فجر نفسه في قاعدة تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية بخوست على مساعدة من "طالبان"، فضلا عن استمرار تهديد "طالبان" و"القاعدة" للقوات الأميركية المنتشرة في أفغانستان وزعزعتهما لاستقرار باكستان نفسها. ولكن هناك الآن بعض الأخبار السارة القادمة من باكستان، لاسيما بعد المؤشرات الواعدة، بتغير ملموس في توجهات عناصر داخل الجيش الباكستاني بدأت تدرك الخطر الذي تمثله "طالبان" على أمنها القومي، بل إن هناك أيضاً بارقة أمل تلوح مؤكدة تحسن سماء الوضع السياسي المضطرب في البلاد واحتمالات انفراج قريب.
فعلى السطح يبدو أن الأمر في باكستان هو نفسه منذ البداية وليس هناك ما يدعو للإفراط في التفاؤل لأن القصة تعيد نفسها حيث توجد عناصر من الجيش والاستخبارات العسكرية تحمل في دواخلها شكوكاً متجذرة إزاء النوايا الأميركية وتمتلك قناعة شبه راسخة بأن المشاكل الأمنية التي تواجهها البلاد وموجات العنف المتصاعدة التي يحركها الإرهاب ترجع إلى التدخل الأميركي وبعض سياسات واشنطن في المنطقة، وهذا الموقف تعكسه في الفترة الأخيرة المضايقات التي يتعرض لها الدبلوماسيون الأميركيون وعدم إصدار التأشيرات للمبعوثين الأميركيين وموطفي الإغاثة، كما أن باكستان تنتقد الهجمات التي تنفذها الطائرات الأميركية.
ولكن على رغم ذلك لا يمكن إغفال التطورات السياسية الجارية في الساحة الباكستانية، وبخاصة التغير الملحوظ في سياسات الرئيس زرداري، الذي استطاع الوقوف في وجه الحملة الشرسة التي شنها عليه خصومه، بما في ذلك بعض أجنحة الجيش إلى حد حاول فيه البعض في فترة من الفترات إخراجه من السلطة، ومع أن حكومة زرداري لها العديد من الأخطاء، إلا أن الإطاحة بها كان من شأنها تقويض الجهود المبذولة لمحاربة "طالبان"، وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على سفير باكستان لدى الولايات المتحدة، حسين حقاني، الذي حاول البعض إزاحته من منصبه بعدما حملته بعض العناصر داخل الجيش مسؤولية المساعدات المشروطة التي أقرها الكونجرس لباكستان واشترط في المقابل أن يذهب جزء منها لجهود التنمية وأن تركز البلاد على محاربة المسلحين ونقل الجيش من الحدود مع الهند إلى الحدود مع أفغانستان. وعلى رغم تهم الفساد وسوء الإدارة التي يوجهها البعض للحكومة وتنال من مصداقيتها في نظر الرأي العام بدأ الرئيس يدرك الخطر الوجودي الذي يمثله المسلحون الأصوليون على الدولة في باكستان، وهو ما دفعه لإبداء الصرامة تجاه الجيش بحثه على مواجهة الأصوليين والتعاون مع الولايات المتحدة، وأكثر من ذلك توصل زرداري أخيراً إلى قناعة بأنه يتعين عليه العمل على حشد الرأي العام، فهو خلافاً لزوجته الراحلة، بينظير بوتو، التي كانت تجوب البلاد طولا وعرضاً لشرح مواقفها والترويج لسياستها ظل في البداية قابعاً في إسلام آباد لا يغادرها إلا نادراً، ولكن في الفترة الأخيرة بدأ الرئيس يتحدث كقائد عن الديمقراطية والتهديدات المحدقة بها من قبل المتشددين.
ولا تقتصر الأخبار السارة على الرئيس، بل تمتد حتى داخل الجيش نفسه بعدما أدركت القيادة العسكرية على ما يبدو خطر التشدد الأصولي على أمن البلاد، فقد اضطر الجيش إلى محاربة "طالبان" في الربيع الماضي بوادي سوات بعدما تنصلت "طالبان" من اتفاق سلام كانت قد وقعته مع الحكومة، وكان على الجيش توسيع عملياته لتمتد إلى منطقة جنوب وزيرستان التي تنشط فيها العناصر المتشددة، لاسيما بعد استهداف "طالبان" لمواقع الجيش الباكستاني والشراسة التي أبدتها في المواجهات العسكرية الأمر الذي استنفر القوات الأمنية ودفع بها إلى واجهة المعركة. وعلى رغم دعوات الإدارة الأميركية بتكثيف العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش الباكستاني وضرب "طالبان" أفغانستان المتحالفة مع "القاعدة" وعناصر أخرى بما فيها مجموعة "حقاني" المتحالفة مع تنظيم "القاعدة" والتي تشن أيضاً هجمات على القوات الأميركية في أفغانستان، إلا أن الجيش الباكستاني ما زال متردداً في القيام بهذه الخطوة، مشيراً إلى صعوبات تسويق الحرب أمام رأي عام متشكك في النوايا الأميركية.
ويعتقد الكثير من المحللين أن الجيش الباكستاني لن يستهدف أبداً "طالبان" الأفغانية لأنه ربما يتعامل معها كحليف محتمل في حال انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، ومع ذلك يبدي الجيش الأميركي تفاؤلا حذراً تجاه مستقبل التعامل مع باكستان، فقد كان لافتاً على سبيل المثال الإشادة التي خص بها رئيس هيئة القيادة المشتركة، الأدميرال مايكل مولين، الجيش الباكستاني وقائده، أشرف كياني، بعد العمليات التي نفذها الجيش ضد "طالبان" خلال الأسبوع الماضي، حيث أوضح مولين أن "سحب القوات الباكستانية لعناصرها من الشرق على حدودها مع كشمير وإعادة نشرها في الغرب مرتبط على نحو وثيق بتنامي الوعي لدى النخبة العسكرية بأن المشكلة الأمنية في الداخل تستحق انتباهاً أكبر وتدخلا عاجلا".


كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم.سي.تي انترناشيونال"

اقرأ أيضا