الاتحاد

دنيا

كيد النساء خاص بامرأة العزيز ومن معها وليس عاماً

د. منتصر مجاهد

د. منتصر مجاهد

استهداف الإسلام والطعن في ثوابته والهجوم على مقدساته نتيجة منطقية لمحاولات الاستشراق المتجددة لإيجاد تناقضات في منظومته العقدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية، وانصبت جهودهـم على التشكيك في موقف الإسلام من المـرأة والزعـم بأنه دين لا يحترمها من خلال تصيـد بعض الكلمات أو المواقف وتعمد تحريفها وتحميل معانيها بالادعاءات الباطلة مثل زعمهم أن القرآن يكرس الانتقاص من المرأة باتهامها بأن كيدها يفوق كيد الشيطان في قوله: “إن كيدكن عظيم “ يوسف 28، على حين أنه سبحانه وصف كيد الشيطان بأنه ضعيف: “إن كيد الشيطان كان ضعيفا” 76 النساء.
ويقول الدكتور منتصر مجاهد- أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس- إن المعنى العام للكيد في اللغة هو الصنع والتدبير والتآمر، وللكيد أنواع ومراتب، أعظمها الكيد للأتقياء والشرفاء وذوي العفة، إذ يترتب عليه فساد كبير، وأدناها مطلق الكيد الذي جبل عليه بنو آدم، ولفظ الكيد استخدم في القرآن الكريم في أكثر من موضع وبعدة معان، فقد يجيء من الرجال، مثل قوله: “قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا”، كما جاء استخدامه من الشيطان: “فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا”، وأيضا استخدمه الأنبياء: “وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين” 75-85 الأنبياء، وكذلك: “فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف” يوسف 76، والله تعالى يستخدم الكيد:
“وأملي لهم إن كيدي متين”، وقوله سبحانه: “إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا” الطارق 15-16. ومن هنا يتضح أن الكيد ليس خاصا بالنساء والشيطان، بل استخدمه الرجال والأنبياء، والله سبحانه وتعالى كما اخبرنا القرآن الكريم.
وقال إن الآيات الكريمة تتحدث بشكل محدد ودقيق عن شهادة براءة يوسف-عليه السلام- من اتهام امرأة العزيز له بمحاولة الاعتداء عليها، وقيام أحد أقربائها بتوضيح البرهان الذي برأه من كيدها وذلك في قوله عز وجل: “وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك” إلى قوله تعالى: “فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم” يوسف 23- 28. حيث ندرك من السياق أن هذه الآية لم تنزل في النساء بشكل عام، بل نزلت في النسوة اللاتي كدن لسيدنا يوسف- عليه السلام- بشكل خاص.
ويؤكد أن كثيرا من المفسرين ذهبوا إلى أن الكيد كان من النساء اللاتي تغلب عليهن صفة امرأة العزيز ولا يعمم هذا القول على جميع النساء، ويتضح هذا من قوله تعالى: “قال إنه من كيدكن” فهو إخبار عن فعل قد كان بأنه كيد، وأضافه إلى ضمير الخطاب، لأن المقام مقام تأنيب وزجر، ولم يصفه بوصف زائد على كونه كيدا. بل أسند الكيد إلى الفعل، للإشعار بتلبس هذا الفعل بالكيد، ثم عقب عليه بقوله: “إن كيدكن عظيم”، أي هذا الكيد الذي قد كان منكم، في حق يوسف عظيم، لعظمة من كيد له لأنه نبي من أنبياء الله، فضمير جمع الإناث “كيدكن” خطاب لامرأة العزيز، فدخل فيه من هن من صنفها بتنزيلهن منزلة الحواضر، ولأنه كان عن إصرار، فاكتسب الكيد هذا الوصف، وبالتالي فكل كيد أدى إلى مفسدة عظيمة، في المجتمع من قذف العفيف وإشاعة الإفك ورمي الناس بالباطل، هو من قبيل الكيد العظيم.
وأضاف: إن اللجوء إلى تحميل كلمات القرآن ما لا تحتمل للتشكيك في موقف الإسلام من المرأة خطأ يقع فيه الذين لا هم لهم سوى إثارة الشبهات بغير حجة أو دليل مثل زعمهم أن القرآن الكريم يعمم الحكم والوصف على النسوة في سورة يوسف لكي ينسحب على نساء العالمين كافة، ومحاولة الإيهام والتلبيس والخداع بعقد مقارنة واهية بين كيد النسوة وعظم ما صنعن من جهة، وكيد الشيطان وحزبه وضعف صنيعهم وهوانه من جهة أخرى، في قوله تعالى: “الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا”.
ويقول إن تأمل تفسير هذه الآيات كما جاء في كتب التفاسير المعتمدة يوضح أن المقصود هو أن الذين آمنوا وصدقوا الله ورسوله، وأيقنوا بموعود الله لأهل الإيمان به “يقاتلون في سبيل الله”، في طاعة الله ومنهاج دينه وشريعته التي شرعها لعباده، و”الذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت”، أي والذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وما جاءهم به من عند ربهم يقاتلون في طاعة الشيطان وطريقه ومنهاجه الذي شرعه لأوليائه من أهل الكفر بالله. ويقول الله، مقويا عزم المؤمنين به من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومحرضهم على أعدائه وأعداء دينه من أهل الشرك به: “فقاتلوا” أيها المؤمنون، “أولياء الشيطان”، وهم الذين يتولونه ويطيعون أمره في خلاف طاعة الله والتكذيب به وينصرونه، وقوله: “إن كيد الشيطان كان ضعيفا”، يعني أن ما كاد به الشيطان المؤمنين من تحزيبه أولياءه من الكفار بالله والمؤمنين به على رسوله ضعيف فلا تهابوهم لأنهم حزبه وأنصاره، وهم أهل وهن وضعف.
ويوضح أن كيد الشيطان مذكور في الآية مقابلا لكيد الله تعالى فكان ضعيفا بالنسبة لله، ويتأكد ذلك من قوله عز وجل: “وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم”، وقال سبحانه: “إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا” فالشيطان عدو لنا، ومن عداوته قيامه بالوسوسة للمصلي كي يذهب خشوعه ويلبس عليه صلاته، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر ولا يضجر ويستعيذ بالخالق سبحانه، وكذلك فإن الكيد الذي يتعاطاه النساء وغيرهن مستفاد من الشيطان ووسوسته وتسويله، فلا يتصور حينئذ أن كيدهن أعظم من كيد الشيطان كما لا يجوز تعميم المعنى السلبي الخاص للكيد على النساء لأنهن لم يكن مثلا ولا قدوة لغيرهن.

اقرأ أيضا