الاتحاد

تقارير

انتخابات بريطانيا.. مفاجآت متوقعة

قبل أسابيع قليلة، عندما تم الإعلان عن موعد الانتخابات البريطانية العامة والمبكرة التي ستجري في 8 يونيو (الخميس المقبل)، خُيّل للبعض أن الأمر يتعلق بصفقة سياسية محضّرة وجاهزة للتنفيذ، فقد أرادت رئيسة الوزراء تيريزا ماي من ورائها، توسيع الأغلبية الحكومية لحزب المحافظين في البرلمان، وهو إجراء قد يساعدها على الخوض في أعقد مراحل المفاوضات المتعلقة بالانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي «بريكسيت»، والتي انطلقت مؤخراً.
وبالنسبة للزعيم اليساري البارز جيريمي كوربين، الذي يقود حزب «العمال» المعارض، تبدو الأمور محبطة، فقد أظهرت استطلاعات الرأي أن «حزب العمال» سيخسر عدداً كبيراً من المقاعد. وتوقع أحد أعضاء حزبه التعرض لما وصفها بـ«الهزيمة التاريخية الكارثية». ويتداول المحللون مخاوف واسعة الانتشار من أن تتحول بريطانيا إلى دولة الحزب الواحد، وبأن «العمال»، ممثل الجناح اليساري الأكثر شهرة في أوروبا، قد يتعرض للانهيار.
والآن، ومع اقتراب يوم التصويت، أصبحت هذه المخاوف تتضاءل وتنحسر شيئاً فشيئاً، بل بدأ «المحافظون» أنفسهم يعربون عن الخشية من نتائج هذه الانتخابات. وأظهرت سلسلة استطلاعات للرأي نظمتها مؤسسات بريطانية متخصصة، توجهاً واضحاً ومتزايداً من الناخبين لتأييد «العمال». وإذا كانت تلك الاستطلاعات صحيحة، فسيعني ذلك أن «ماي» ستخسر بالفعل بعض المقاعد في البرلمان بدلاً من كسبها. وتوقع استطلاع رأي واحد على الأقل احتمال الوصول بالانتخابات إلى حالة «البرلمان المعلّق»، حيث لا يحصل أي من الحزبين الرئيسيين على الأغلبية البرلمانية المطلقة، وهو السيناريو الذي قد يفضي إلى رؤية كوربين وقد أصبح رئيساً للوزراء لو تمكن من عقد تحالف مع «المحافظين».
ويطرح هذا السيناريو غير المتوقع سؤالين كبيرين، الأول: ما الذي يمكن أن يدفع البريطانيين إلى تغيير رأيهم بكوربين، وخاصة بعد أن سخر منه البعض على أساس استحالة انتخابه؟ والسؤال الثاني: هل يمكن أن تكون استطلاعات الرأي خاطئة؟
وعندما أعلنت «ماي» ذات مرة أن الانتخابات ستنظم في منتصف شهر أبريل، رأى محللون أنها كانت تهدف من وراء ذلك إلى الحصول على تفويض شخصي لقيادة بريطانيا باتجاه الخروج من الاتحاد الأوروبي، ورئيسة الوزراء هذه التي خاضت حملة انتخابية ضد الانسحاب البريطاني، أصبحت هي من يقود المسيرة السياسية في بريطانيا عقب استقالة دافيد كاميرون بعد تنظيمه استفتاء الانسحاب من الاتحاد العام الماضي، وستكون الانتخابات المقبلة أول امتحان كبير لها أمام الناخبين البريطانيين.
ورغم أنها قالت من قبل إنها لن تدعو إلى تنظيم انتخابات مبكرة، فإن «ماي» يبدو وكأنها تنبهت إلى الأرقام الهزيلة التي حققها «العمال» في استطلاعات الرأي، وظنّت أن الوقت بات مناسباً للدعوة للانتخابات العامة، وهو دافع لا يمكن التنبؤ بنتائجه أبداً. ولو تمكنت من تحقيق فوز عريض في الانتخابات المقبلة فإن ذلك لن يقتصر على فوزها بأغلبية أوسع في البرلمان، بل سيمنحها أيضاً فرصة البقاء في الحكم خمس سنوات أخرى حتى حلول موعد الانتخابات العامة المقبلة، وخلال هذه المدة الطويلة يمكنها أن تتدبّر وتتمعّن في القضايا المعقدة التي ستترتب على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.
لكن الأمور لم تكن بمثل هذه البساطة. وعندما حاولت رئيسة الوزراء اختبار حظها بتبنّي حملة انتخابية على الطريقة «الرئاسية» بحيث يتم التركيز فيها على شعار «القدرة القيادية القوية والثابتة»، فقد واجهت خلال حملتها مواقف غاضبة بسبب رفضها القيام بدورها الطبيعي في الحوار مع مرشحي الأحزاب الأخرى.
وكانت هناك بعض المشاكل في طريقة الحكم ذاتها أيضاً، فعندما أعلن «المحافظون» عن خطة لإجبار كبار السن على دفع رسوم الحصول على العناية الصحية داخل بيوتهم، إذا كانوا يمتلكون أصولاً مالية وعقارية تفوق 100 ألف جنيه استرليني (128 ألف دولار)، فقد رأى بعض النقاد أن هذه الخطة تهدف إلى إجبار بعض المسنّين لبيع بيوتهم من أجل الحصول على الرعاية الصحية المنزلية. وانتشرت موجة الغضب من هذه الخطة بسرعة، مما اضطرّ «المحافظين» إلى التعجيل بالتراجع عنها، وقالت بعض القنوات الإعلامية إن هذا الخطأ كلّف «ماي» 5 نقاط مئوية من معدل قبولها في أوساط الشعب البريطاني.
وهناك ملاحظة أخرى ومهمة تقتضي الإشارة إليها، وهي أن تاريخ استطلاعات الرأي في بريطانيا عامر بحالات المبالغة في توقع انتصارات «حزب العمال».
وكان أحدثها قد سجل العام 2015 عندما أشارت معظم الاستطلاعات والتوقعات إلى فوز «إد ميليباند» في الانتخابات ليصبح رئيساً للوزراء، إلا أنه لم يفز بها، بل إن خسارته لها هي التي جاءت بكوربين بديلاً عنه، وحاول الكثير من المعلقين البحث في أسباب هذه الخسارة واستنتجوا أن الأمر يتعلق بتركيز «حزب العمال» بطريقة مبالغ فيها على استمالة الناخبين الشبّان الذين دأبوا على عدم المشاركة في التصويت، وقد أثبتت نتائج الانتخابات العامة التي جرت العام 2015 واستفتاء الانسحاب من الاتحاد الأوروبي الذي نظم العام الماضي، أن الناخبين الشبان (بين 18 و24 عاماً) هم الأقل إقبالاً على التصويت بالمقارنة مع من تجاوزوا عامهم الخامس والستين.

*محلل سياسي أميركي مقيم في لندن

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا